بكارة تحت الطلب

ذات حرج عربي كتب الشاعر السوري ممدوح عدوان يقول:

” لا بدّ أننا نثير الضحك

ولا تخشانا حتى الفئران ”

هو إذن، زمن السخافة وهو أيضا عصر الخروج الإعلامي للفتاوى الغريبة التي تثير الضحك بل وتثير الشفقة في كثير من الأحيان. فبعد فتوى إرضاع المرأة لزملائها في العمل، وبعد إهدار دم مكي ماوس وجيري وتفريقه بين القبائل (وهي فتوى مرحّب بها طبعا من طرف القطّ توم ..)..ثم بعد إجازة زواج الطفلة ذات التسع سنوات، ها هو الإعلام يخرج علينا بفتوى أخرى، هذه المرة من طرف داعية امرأة تبيح فيها التصدق بالمال من أجل “ترقيع” غشاء البكارة لمساعدة الفتيات اللواتي فقدن هذا الغشاء (وهو على فكرة أهم غشاء في جسد المرأة العربية قبل حتى غشاء الأمية الذي يحجب عنها المعرفة ) ليتسنى لهن الحصول على بكارة أخرى جديدة صالحة للاستعمال ..هذا التصدق ستستفيد منه فقط التائبات والمغتصبات، أما اللواتي في نيتهن معاودة الكرة فلا تجوز فيهن هذه المنحة الفقهية..السخية..

لنتأمل إذن هذا “الخروج” الفتوي قليلا حتى يتأتى لنا فهم الدلالة اللغوية لهذا الخطاب وبالتالي فهم ما يحدث حولنا وفينا.. فقد تساعدنا اللغة في فهم الدلالات الأخرى المرتبطة بما هو اجتماعي وثقافي وحتى بما هو أخلاقي..

المسألة تتعلق أولا بمفهوم التصدق أي الصدقة (هذه العملية التي قال عنها رجل اسمه لينين إنها تؤجل الثورة مائة سنة)هو مفهوم يرتبط بمفهوم آخر هو التسول الذي يفترض وجود يد عليا ويد سفلى، أي بالمدلول السوسيولوجي تراتبية اجتماعية أو طبقية. مما يعني انعدام العدالة الاجتماعية وغياب ما يسمى بالديمقراطية، وهو الغياب الذي فيما يبدو لم يزعج السيدة سعاد إبراهيم الداعية الإسلامية المصرية التي وضعت هذه الفتوى، مادام الوضع الذي يفترض عملية تصدق يفترض بالضرورة وجود فقراء وأغنياء وفقيرات وغنيات. الفتوى إذن موجهة للفقيرات الفاقدات لغشاء البكارة.. السيدة سعاد لا تتحدث عن فاقدات العذرية من الطبقة الميسورة لأنهن “قادّات بشغلهن” ولسن في حاجة إلى فتاوى.. الأمر يتعلق فقط بمن يفضحهن وضعهن المادي الذي ينيط اللثام بالضرورة عن وضعهن الأخلاقي..

المفهوم الثاني الذي تتطرق له الفتوى، هو مفهوم “ترقيع” البكارة.. لا أدري لماذا فضلت هذه السيدة استعمال عبارة الترقيع بدل كلمة “الترتيق” فكلها خياطة.. طبعا.. لكن عبارة الترتيق أخف لغة.. وألما أيضا.. وإن كانت الكلمة الأولى تناسب أكثر الطبقة الشعبية المستهدفة من الفتوى والتي “ترقع” أسمالها عادة لتعيد استعمالها. إذن هذه الفتاة التي “فعلتها” ثم تابت عن ذلك بحيث لن تكرره ثانية (لا أدري ما هي ضمانات السيدة سعاد في هذا الأمر) لم “تفعلها ” بمفردها كان هناك “أحدهم” معها .. هذا “الأحدهم” والذي ولحسن حظه البيولوجي لا يتوفر جهازه التناسلي على أي غشاء بكارة من شأنه فضح ماضيه الجنسي، لم تصدر في شأنه أي فتوى ترقيع أو ستر.. لكنه يمكن أن يتحول إلى عريس غفلة بفضل هذه الفتوى العجيبة.. التي ستضمن له، مع ذلك، أن يظل سعيدا مدى الحياة وهو يعتقد أنه الفاتح الأول والأخير.. بحيث لن يكتشف أبدا أنه كان ضحية تواطؤ طبي وفقهي وثقافي في عملية تدليس وغش كبيرة مباركة من المؤسسة الدينية هذه المرة .. هذه المؤسسة التي ظل يثق فيها ثقة ما بعدها ثقة لأنها كانت حتى هذه الأثناء حليفته الأولى..

لكن القضية لا تقف هنا طبعا.. القضية تبدو في ظاهرها وكأنها تضحي بـ”حقّ” الرجل التاريخي في ملكية جسد المرأة مع معرفة تاريخه الجنسي الخاص الذي ينبغي أن يبدأ معه وينتهي معه، لكنها في حقيقة الأمر تتجاوز هذا المستوى الضيق لتعمل على مستوى استراتيجي عامّ ترمي من خلاله إلى تكثيف كل الجهود لاستمرار النظام الأبوي الذي يعطي الامتياز للرجل و للسلطة الذكورية التي تنفرد بحقّ تحديد نظام القيم في المجتمع. نحن جميعا نعلم أن الواقع عرف تحولات كثيرة (والسيدة سعاد معنا، أكيد ) بحيث لم تعد حواء ذلك الكائن الضعيف المنفوش الذي كان الإنسان الأول يجره من شعره في اتجاه المغارة حيث سيقضي منه “وطره” ثم يلقي به بعد ذلك. فنسبة الفتيات المحافظات على غشاء بكارتهن قبل الزواج في يومنا هذا أقل طبعا من نسبة أمهاتهن عندما كن في مثل سنهن، والمجتمع يعي تماما هذا التحول الكبير، بل هناك بعض الشباب الذي أصبح يبني علاقة مغايرة بزوجة المستقبل.. علاقة مبنية على اعتبارات مرتبطة بالتفاهم والانسجام الفكري والمساواة والاحترام المتبادل بحيث أخذت مسألة البكارة بكل أساطيرها القديمة تتراجع أمام التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع ككل..

لمواجهة هذا التحول المخيف (مخيف طبعا لأعداء التطور وخصوم المرأة الأبديين من محافظين وأصوليين..)كان ضروريا أن ينتدب داعية ما نفسه ليدافع على قيم الذكورة ولو كان ذلك بتشجيع منطق الغش والتدليس لأن الغاية تبرر الوسيلة (انظروا كيف يعود إلينا ميكيافيلي في حلة فقهية مرة أخرى) ليستمر العرف المنظم للعلاقات السلطوية بين الرجل و المرأة والتي تختصر شرف هذه الأخيرة في جسدها بل في غشاء رقيق بلا أهمية وظيفية (وقد لا يكون موجودا أصلا في تكوين الجهاز التناسلي للفتاة) كل هذا لضمان “حقه” التاريخي في استغلال هذا الجسد.

نحن إذن أمام ثقافة الإخفاء وعدم الكشف، ثقافة التستر على الحقيقة وتغييبها. فالسترة بمعناها الشعبي المغربي التي تعني بالإضافة إلى معنى الإخفاء، تعني أيضا معنى الرأفة بالشخص العاري، الذي هو في حاجة إلى ستر عورته. والمثل المغربي يقول “استر ما ستر الله”.هناك دائما ستار يحجب عنا حقيقة الأمور هو ستار اجتماعي وثقافي يفترض وجود طرف عار وطرف سيقوم بستره.هذا العراء يمكن أن يكون..عراء الجسد الذي يوضع كمقابل له مفهوم الحجب/الحجاب، كما يمكن أن يكون عراء الوضع الاعتباري في المجتمع، هذا المجتمع الذي يرى في المرأة المطلقة أو الأرملة أو غير المتزوجة عموما وضعا شاذا أو على الأقل وضعا مؤقتا في انتظار أن يتم سترها.. “الزواج سترة”..

لكي تستمر الكذبة أطول مدة ممكنة تتضافر كل الجهود الفقهية والثقافية والاجتماعية لتأجيل ساعة الحقيقة التي سيطرح فيها السؤال الكبير:

إلى متى سيظل الشرف معلقا بذيل غشاء لا يسمو إلى درجة عضو؟

ماذا يحدث في منظومة القيم؟ هل يكفي دليل العذرية السطحي كي يعفينا رجالا و نساء من أدلة الشرف الحقيقي؟

هل نحن مستعدون لرؤية وجوهنا في المرآة رغم بشاعتها؟

ثم أخيرا..

هل فقدت قوانيننا أسنانها حتى نعوّضها بهذه الأطقم الصناعية المضحكة المسماة فتاوى التي تجعلنا فعلا ..

“نثير الضحك ولا تخشانا حتى الفئران”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق