بلُـوَز

ما الذي ترتديه اليوم؟

تأمره أن يجيب الآن، رغم احتجاجه.

أنتِ لم تختاري الوقت المناسب.

أنا في (الديوان) يحيط بي ذكور من النوع الذي، ربما، مازال يعتقد أن الرومانس أكلة فرنسية من الطراز الرفيع، شيء ما يشبه فتة المقادم..

ثيابه.. سراويل الجينز التي لا تلصق على خصر الرجل أبداً بألوان غامقة حصراً.

يلقي ببنطاله، بكسل، على الكنبة أمام السرير. يتأمله مطولاً قبل يتجه إلى المطبخ لتحضير وجبة ما. يفكر في مكابداته بانتقاء ما يناسبه منها كذلك، وهو يغوص، كدودة ضئيلة، في بسطات الطرق. يبدو أنه الوحيد الذي اقتنع أن البضاعة قادمة من تركيا، وأن السعر يستحق هذا التعب فعلاً. يتجهم وجهه، يكتئب ثم يخرج يائساً…

كان يبحث عن سترة لا يشعر في داخلها بأنه في صفوف الخدمة الإلزامية مثلاً، كما يبوح لها أحياناً.

ثيابه.. ثياب الرجل…

البلوز، وتلك التي استعارها من الأصدقاء أيضاً.. الخضراء.. الصفراء والتي بدون ألوان لشدة ارتدائها.. تلازمه حتى إلى النوم! بكامل أناقته يغفو. وحده الحذاء البالي يتخلى عنه، ينزعه من قدميه المتورمتين، وفي سفر الليل يقرر أن يمشي حافياً في شوارع هلوسات ينسى معظمها عند بزوغ الفجر، لكن مشهد وقوفه عارياً تحت ضوء الشارع يظل يؤرقه كثيراً في النهار التالي كعادته، غالباً ما يغفو ثملاً مع صخب الباص الأخضر العجيب، ودخان سيارات الأرستقراطيين، ينام مع رائحة إبطيه النتنة، ثرثرات مقهى( الروضة)، الخلافات الفكرية مع رواد (نينار) ومحفظة نقوده البنية…

تسقط الليرات من جيبه وتنتثر بين الملاءات، لكم تفاجئه البهجة على وجوه بعض الفتيات اللواتي يزرن غرفة نومه، تلتقط إحداهن خمسين ليرة من تحت الوسادة أو خمسة وعشرين ليرة أسفل الحذاء وتمضي..

يسأل نفسه: لماذا يحتفين بالفراطة هكذا..؟! النساء يعشقن الخردة.. حقاً!

حتى إنه اضطر مرةً إلى صفع صبية خبأت عشر ليرات سورية تحت لسانها وهي تضحك بجنون مستمتعة باللعبة… ثم خرجت من بيته غاضبة بشدة، كانت قد بصقت القطعة المعدنية في وجهه، بعد أن وجهت له لكمات، في حين اهتم هو بمعالجة آثار أظافرها على قميصه الذي تمزق.. القميص الذي لن يجد مثله أبداً… هكذا يتحسر على فقدانه، ربما لوقت طويل، لكن لم يتسنّ لها أن تشهد تفجعه عليه، رغم أنها كانت ستصاب بالخيبة لأنها ستشهد أيضاً خياناته الكثيرة وعلاقاته المشبوهة مع الجنس الأخر… بكل الأحوال ما زال الرجل، غالباً، يشتكي ، لا يجد ضالته حتى في وكالات الألبسة العالمية، هذا لا يلائم سنه… وذاك يحتفل بالقرباط والغجر… ذاك يشعره بأنه معتقل مرة أخرى!!.. تود أن تصرخ: اختر لك شيئاً من أجل الرب.

وفي لحظات يأسه المريرة يذكر ذاك البنطال الذي ارتداه في موعد معها ظهيرة إحدى الشتاءات الماضية…. كان يصل إلى أسفل كعبيه، اخترق فيه ساحة باب توما ومجموعات الشباب في الزوايا.. قادماً إليها بتردد… صديقه نهب الخزانة قبل أن يسافر إلى البلد، ولم يجد شيئاً يصلح لتغطية هذه العاهات الخلقية. في المرة الثانية التي يخرج فيها بموعد معها، شعر بأنه محط أنظار كائنات وهمية تقوّم هيئته العامة.. وأن أحداً سيمر لينظر إليه شزراً.

كانت هي تقف على الرصيف المقابل….

اقترب منها، نظر إلى بلوزتها القطنية التي كتب عليها "سكريم" (الصراخ)… ثيابكِ تصرخ إذن… هل تعلمين ذلك؟! رغب في أن يقول، لكنه تلعثم.. واكتفى بإلقاء التحية باضطراب…

فجأة تحوّل إلى عاشق هادئ الطباع ومنصاع إلى حد غريب، مشت بهدوء فمشى مع ظلها، راقب طقطقة الكعب النسائي، اختارت الطاولة، أومأ إليها بموافقته، ثم اختارت شراباً له… فتناول فنجان (كابتشينو) ساخن يمقته، في سريرته كان يرغب، بقوة، في كأس متة دافئ لا تقدمه مقاهي الشام القديمة للأسف، قميصه غير المريح زعزع من ثقته بالأشياء، فقال لها يومها بأن ربما يريد الزواج منها؟! ولا يدري كيف تورط بهذا القول إلى يومه هذا. كان الأجدر بها أن لا تتجاهل مثل هذه المواقف، ستحفظ هذا الدرس جيداً فيما بعد.

ثيابكِ ثياب النساء… بلُوَز فائقة النعومة كأنها تحتاج إلى دليل على أنوثتها، بنطالكِ سهل الانزلاق حقاً، يظهر كساحر كحلي ويختفي وراء الباب، صندلكِ الصيفي البني وأحاديث الإسفلت المستمرة فيه، الصندل الذي جاب كل المناطق حتى وصل إلى هنا ما زلت أحبه، البلوز، تقولين عنها إنها تثير إعجاب صديقاتكِ فيسألونكِ عن الأسواق التي ترتادينها حتى تبتاعين هذه الموديلات الغريبة، خزانة ثيابكِ المفتوحة على أكثر من احتمال للرهبة، هذه بدلة لا يرتديها سوى قاتل، وإلا ما معنى هذه السحابات الضخمة، ومع ذلك تحتفظين بحقيبة ملونة كالتي يملكها الأطفال…

يراها جيداً ثلاثة أرباع امرأة تلبس أصغر من مقاسها الحقيقي.. تسأل مرآتها سراً: لماذا لا يضيق هذا البنطال يوماً؟!

أنا من معشر النساء، صحيح ذلك؟!.. يراها جيداً في نهارات الضجر لعلها من اللواتي تأخرن في البلوغ… فأسعفت بنهدين ضئيلين وجسد من مرحلة التعليم الأساسي.. ومع ذلك يستمر في قوله:

لا تخبري أحداً عن المحل…. لأنكِ ذكية وماهرة في اقتناص ما يناسب حجم مؤخرتكِ وما يشطر جسدكِ إلى سهول، وتفاح، وهضاب… كتلك الذي يجثم فوقها بيتنا الصخري في الضيعة، لكن ربما حصلتِ على هذا البطن الصغير المنتفخ في التنزيلات؟!! لا تعجبها الدعابة وتقول إنها معجبة بثياب الرجال أكثر. ولماذا؟

لأنها ذات ألوان صامتة، فلا تجعلهم أسرى للاختيار..

يتهمها بأنها سحاقية، تهمس في أذنه: بل ذاك الشاب الذي لبس كنزة زهرية بلون الدب الصوفي الذي تحتضنه المراهقات في الليل.. تضحك بخبث…

لم تنس تفاصيل خزانة ثيابه يوماً.. جاكيت الجلد الأسود، الكنزة الزرقاء.. والكنزة البرتقالية التي ارتداها في يوم ضبابي أزرق هابطاً من السرفيس الرمادي، صراعه قائم حتى مع ألوان الخارج، يصمم على الاختلاف مع الجو الغائم وتعاسة الدمشقيين الشتوية، تفكر: ماذا كنت ترغب في قوله أيها الرجل؟ رغم فقاعة حضوره في الحديقة العامة، لم يقل كل شيء…

قال لها فقط إنه متعب، ولن يسفح زمناً إضافياً في اللهاث، يحتاج إلى عدة العزلة خاصته.. بعض الكتب وبطانية سميكة، وعلبة مرتديلا واحدة، ظنت أنه يتماهى مع كآبة مصطنعة، حتى يثبت للآخرين أنه مبدع فريد من نوعه.

ثم طالت كآبته كسحابة ممتدة على طول المدينة، تذكرت لمى وحزنها حين فتحت الحقائب في الصالون، تلك هي الفساتين المشتهاة، أثواب الحب هي لكم يا صبايا.. فتحت عينيها على اتساع وصرخت: لن أرتدي ما قرر أن أرتديه يوماً. وكأنها تعرت من الذكور أيضاً.. الأحمر، الأزرق، البنفسجي، الأسود…

الكنزات الصوفية العتيقة تدفئ عظام صديقتها إلى الآن، حتى وهي قادمة من العمل صيفاً وفي كل الفصول، لا تكترث بنظرات المحروقين في الميكروباص..

ثم اتصلت به هاتفياً: اشتقت إليك…

بعد مرور سنتين ونصف اشتقتِ إلي أنا؟! إلي أنا؟!

كانت ستخبره أنها تراه لا يصلح سوى للغياب فقط.. لكن صمتت، ثم دعاها إلى بار اعتادا الذهاب إليه.

في الليلة التي جمعتهما بعد كل هذه المدة، كان يرتدي الكنزة البرتقالية ذاتها، قررت أن لا تدع هذا التفصيل التافه يشوش الرغبة في الارتماء على صدره، ماذا تشربين؟!

بيرة مكسيكي… لو سمحت.

أنا سأشربها( بردى) سوري.. قال ممازحاً.

وبعد أكثر من ساعتين من أحاديث بدت فارغة من أي معنى، ودون أي توجه واضح، عن الماضي والمقالب التي ضربت رأسه يميناً وشمالاً، شعرت بأنها سفحت جلسة كانت ستأخذ شكلاً رومانسياً على الأقل لو جرت في زمن مختلف، كان بإمكانها أن تؤجل كل هذا الهراء، لكن هذه الأيام غائمة، مشوشة وهي تحتاج إلى نفحة عاطفية ما تطمئن أنوثتها القلقة…

في الصباح الباكر مرت من أمام الحديقة العامة، كان رأسها الصغير يضج بأحداث الليلة الخائبة. فجأة، ودون أي مبرر منطقي، فكرت أنها لثلاث سنوات تمر من أمام هذه المكان، وتمدح سراً ترتيب الأشجار، والمقاعد اللطيفة… ثم قررت أن تجلس في مكان بعيد عن المارة..

فتحت الحقيبة وأخرجت سيجارة رفيعة بطعم النعناع تحتفظ بها على سبيل المزاج، تأملت كل هؤلاء الذين مروا من أمامها في الساعة الثامنة والنصف.. كل هذه الألوان، والعالم ليس عارياً بعد، وحتى هذا العري لا يبدو حقيقياً…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق