… بل خسر العلمانيون وخسرت العلمانية أيضاً! / ممدوح الشيخ

في عدد «الحياة» الصادر في 19 أيلول (سبتمبر) كتب ياسين الحاج صالح معقباً على الاستفتاء الذي أجري في تركيا أخيراً مقالاً عنوانه: «خسر العلمانيون وفازت العلمانية»، تضمن من الترجيحات والتأويلات والأحكام ما يعيد بناء السياقات المختلفة: السياسية، الثقافية، والمعرفية لواقعة انحياز الغالبية في تركيا إلى خيار اقترحه الإسلاميون فكان التصويت له انتصاراً للعلمانية!

 

وفي تقديري فإن أول الاجتهادات التي تستحق التعقيب ما أورده عن الاختلاف والتشابه بين الإسلاميين. فهم: «في الواقع مختلفون ومتنوعون، يشبهون مجتمعاتهم وبيئاتهم أكثر مما يشبهون أصلاً عقدياً مشتركاً ينتسبون إليه». وهذه الإحالة على البيئة كـ «محدد» لتوجهات الإسلاميين، وبالتحديد في مواجهة «المشترك العقدي» تعيد إنتاج فكرة أن البيئة (الأرض والناس والثقافة) هي الفاعل الحقيقي لا الأصل العقيدي (السماء)، وعليه فإن الإسلاميين هم في الحقيقة نتاج ظاهرة «تاريخية» حتى لو ألحوا على أنها لا تاريخية أو مفارقة للواقع والتاريخ.

 

 

والجدل هنا قد يكون جديداً قديماً، فـغالبـيـة، إن لم نـقل كل، الحجـج التي طالما ساقها طرفاه مستنفدة، ولا مبرر يجعل حسمه ممكناً بعد أن استقر في العقل العربـي كموضـوع خلافـي، لكن الأهم هنا أن هذه البيئـة لم تـكن عنصراً محايـداً تعرض له العلمانيون والإسلاميـون معاً، بل كانت بيئة صنعتها دولة مركزيـة قامعة استوردتها نخب التحرر الوطني العسكرية في تركيا والعالم العربي، فكان في تركيا علمانية عقلانـيـة وكانت في العـالم العربي علمانـيـة لا عـقلانية. واسمح لي أن أروي لك هذه الواقعة.

 

 

عندما تولى السياسي التركي نجم الدين أربكان رئاسة الوزارة في التسعينات، التقاه المفكر المصري الراحل عادل حسين وكان أميناً عاماً لحزب العمل المصري، وظن أنه يمكنه الاستفادة من تجربة حزب الرفاه في مصر، فلما شرح له عادل حسين ما يحدث في الانتخابات في مصر من تبديل للصناديق وتزوير وتضييق على مندوبي المرشحين و… فغر أربكان فمه دهشة وقال إن مثل هذا لا يحدث في بلاده، وقد يقرر العسكر وقف المسار الديموقراطي بانقلاب، أما حين تحدث انتخابات فإنها تكون نزيهة. أي أن هذه البيئة التي وضع الإسلاميون العرب تحت إكراهاتها هي من ثمار حكم علمانية العسكر. فالديموقراطية الشكلية أخطر بكثير من الاستبداد السافر.

 

 

وأما قول الحاج صالح إن: «ثمة مشتركاً «أبستمولوجياً» يجمع الطرفين: افتراض أن العلاقة بين الدين والعلمانية محكومة دوماً وحتماً بمحصلة صفرية، في السياق الإسلامي بخاصة»، فهو قول «صحيح إلا قليلاً». فلعبة الاستئصال هي في الحقيقة غرس علماني، فالعلمانية – وأنا هنا أتبنى التفرقة التي قال بها المفكر المصري الراحل عبدالوهاب المسيري – علمانيتان: شاملة وجزئية، وهو ما تؤكده المسافة بين التجربتين الأميركية والأوروبية. فالأولى سمحت بظهور الرئيس الأميركي بوش الابن وحديثه عن تدينه وعن مرجعية الإنجيل فلم تضع نفسها في صراع مع الدين أو التدين، أما الأوروبية فاعتبرت الدين والتدين «ثمرة محرمة» في الشأن العام فلم تحتمل الحجاب ولا النقاب ولا المآذن، وأصبحت موضع انتقاد شديد حتى من المنظمات الحقوقية الغربية.

 

 

وكان من سوء حظنا أن الصيغة التي اختارتها نخب التحرر الوطني العربية الصيغة الأوروبية، أما تركيا فتحولت تدريجياً، بسبب عضويتها في حلف الأطلسي، نحو الصيغة الأميركية فاستطاع الإسلاميون دخول ساحة المنافسة وحققوا ما حققوا بآلياتها. فالاستئصال هو من حيث المنشأ مرض علماني نقل إلينا مع النموذج الأوروبي للدولة!

 

 

وقد أصاب الكاتب كبد الحقيقة عندما قال في حديثه عن التصور الصفري للعلاقة بينهما إن «هذا التصور بالذات يقود إلى تديين العلمانية، أي جعلها عقيدة مطلقة»، وهذه «العلمانية الجهادية» لا تقل خطراً على مستقبلنا عن الأصولية الدينية المتشددة. أما ان «التجربة التركية الحالية ثمينة من حيث إنها تنفي علاقة التنافي المحتوم بين الدين والعلمانية»، فلا أراه وصفاً دقيقاً لخلاصة التجربة، والصحيح أنها تجربة رائدة في التغيير الجذري عبر الآليات الديموقراطية، ما يعني أن ما يحدث ليس انتصاراً للطرفين معاً ولا صيغة توافقية ولا حلاً وسطاً، بل ترجمة افتراضية للعبة «إما أو»، لكن عبر التصويت. والنتائج ليس مدارها هنا تداول السلطة بل إعادة بناء الدولة والسلطة معاً.

 

 

والفارق ليس كما صوره الكاتب بين «الإسلام التركي الليّن»، و «الإسلام العربي الصلب»، فما يفعله أردوغان هو فعلياً جعله: ديناً ودولة وعلماً وأخلاقاً وقانوناً وأمة، لكن بآليات ديموقراطية، والخطيئة الأخطر للأكثر تشدداً من العلمانيين العرب قناعتهم بأن رسالتهم المقدسة هي منع هذه الرؤية من أن تطرح في ساحة العمل العام (السياسي والثقافي) وأن تظل دائماً «تياراً محظوراً»، فنجاح إسلاميي تركيا ليس سوى رد فعل لقبول العسكر الأتراك فكرة التخلي عن دور «المصد» الذي لا هدف له سوى منع المجتمع من الأكل من «الثمرة المحرمة»!

 

 

إن النخبة العسكرية التركية هي التي تحولت في الوقت المناسب – وبتأثير قوي للموقفين الأميركي والأوروبي – إلى «العسكرة اللينة». أما الإيحاء بأن الإسلام التركي ينفرد بأنه «إسلام دستوري» ففيه ظلم كبير لإسلاميي العالم العربي الذين لا يسوغ لأي من فصائلهم إنكار الدستورية التي أسست لها وثيقة المدينة التي كانت تدويناً لـ «عقد دستوري مدني اختياري» بين مسلمين وغير مسلمين. أما تطبيق الشريعة فسؤال ظل معلقاً حتى أثبتت التجربة السياسية العراقية أن بالإمكان طي صفحته بالنص على أنه لا يجوز تشريع ما يخالفها، ما يعني أن التحديد الصحيح لـ «الثمرة المحرمة» يجنبنا الكثير من المعارك الوهمية.

 

 

وكما يقول الحاج صالح فإن «المعسكر العلماني التركي لا يزال يعتنق علمانية صلبة، مطلقة وغير ديموقراطية»، لكن تداعيات السنوات القليلة الماضية – وفي مقدمها قضية تنظيم إرجنكون السري التركي – قد تعني أن الجيش التركي نفسه تخلص من الحلقة الضيقة المغلقة الممتدة داخل الجيش وخارجه من العلمانيين المتشددين. أما الاستنتاج الذي يسوقه الحاج صالح في قوله: «لقد فازت العلمانية وخسر العلمانيون»، فليس صحيحاً، فالعلمانية تواجه اختبارات صعبة في الغرب نفسه ومشكلتها هي الدين والتدين وليس «الإسلام الصلب»!

 

 

والقارة الأوروبية، مهد العلمانية الصلبة، تشهد تحولات مهمة في هذا السياق ويقود الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مسعًى تاريخياً لإعادة بناء علاقة إيجابية بين العلمانية والدين في اعتراف ضمني بأن العلمانية الأوروبية ولدت في بلاده مسكونة بمعاداة التدين عموماً. أما قوله: «لقد فاز الإسلاميون، وخسر المفهوم الإسلامي، هذا المطلق، الصلب، الاستبعادي»، ففيه من البلاغة أكثر مما فيه من الحقيقة.

 

 

عن جريدة الحياة 28/9/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق