بوذي من التيبت: قصة لوبسانغ رامبا في سفره الروحي وتبادل الأجساد / نجيب البعيني

كانت الحروب والغزوات تقاد بالأمس باسم الدين والمعتقدات، واليوم تخاض باسم الحضارة والديموقراطية، بتأييد شرعي من مجلس الأمن الدولي. فما السبب؟ السبب عقد نفسية موروثة متحجرة نمّت في الانسان ميلاً الى التنافس الأناني، والجهاد في سبيل الوجاهة والمصالح الشخصية، وبقي الهاجس الرئيسي لهذا الانسان تحقيق مكاسبه الخاصة وتقدّمه المادي، ولو على حساب الآخرين وحقوقهم.

هكذا كانت الأنانية، ولا تزال، هي الخطيئة الأصلية، وليس من خطيئة سواها… هذا الانسان المعذب بأنانيته، السريع الانقياد الى الشر، كلما زاد اطمئنانه الى وجوده المادي ازداد قلقه وتفاقمت تعاسته الروحية. لقد جهل مقوماته الذاتية فعجز عن تحقيق ذاته، ونسي أن قيمة الحياة الانسانية تفوق قيمة الدول والأحزاب والأديان، تمسّك بأفكار سلفية موروثة، فنسي أن الحقيقة المطلقة لا يمتلكها فرد أو طائفة او دين. وعلى هذا الاساس تحجرت العقيدة وهيمنت الطقوس وتلاشى سحر الآلهة في نفوس البشر، فأخفق الجميع في بناء الانسان. تناسوا أن الأديان والمذاهب في أصقاع الأرض ما هي إلا مظاهر شتى لحقيقة واحدة أزلية مطلقة، وتناسوا أيضاً أن الانسان الحقيقي ليس له وطن محدد. إنه أخ الانسان أينما وجد، لأن الأنا الحقيقية هي نفسها في كل الأجساد البشرية.

غير أن اخواننا في الشرق، في آسيا، ذهبوا أبعد منا بكثير. لم يركعوا ليطلبوا من الله، بل عملوا بقدراتهم الروحية التي أوجدتها فيهم عظمة الله ومحبته فتوصلوا الى اكتشاف حقيقة الانسان. درسوا التخاطر من بعد، والاستبصار، والسفر النجمي، وما الى ذلك من ظواهر غريبة، وتمكنوا من صداقة الحيوانات الضارية، ورأوا الهالة التي تحيط بأجساد الناس.. فهل نستطيع نحن اللحاق بهم؟!

إن لوبسانغ رامبا رجل من التيبت وصل الى رتبة دينية سامية – مرتبة اللاما-عاش مرحلة من حياته في الغرب، وكانت مهمته تأليف كتب تسلط الضوء على الفكر الشرقي وتجربته الروحية الخاصة، فكان له ما يقرب من العشرين مؤلفاً ترجمت الى العديد من اللغات وطبعت في اصدارات عدة وبيعت منها ملايين النسخ. احد هذه الكتب “قصة رامبا” الموجودة في هذا الكتاب كما رواها هو بنفسه. هي ليست فقط قصة رجل تعرض للاضطهاد والتشرد والمعاناة، ولا قصة شعب عانى القهر والتنكيل فحسب، وانما هي قصة تسلّط الضوء على فلسفة تؤمن بقدرات الانسان، وتعرف الهدف من وجوده. هذا المخلوق المتفوق، الذي وصفه ابن عربي بأنه يجمع في نفسه “الحقّ والخلق” معاً، و”فيه انطوى العالم الأكبر”.

في هذا الكتاب “بوذي من التيبيت” شرح لقانون الكارما “انما أعمالكم ترد اليكم” بالمعنى الصلاة، تلك القوة العظيمة اذا استخدمت بمعناها الصحيح، والحبل الفضي ودورة الرابط الحياة بالجسد، والسجل الأكاشي الحافظ لكل ما جرى وما يجري، والهالة الانسانية، التي يمكنها ان تساهم في تشخيص الامراض والعلاج منها فيما لو درست في شكل جيد.

لكن السؤال الرئيسي في هذا الكتاب هو: هل في امكان الروح ان تستخدم جسداً آخر لتتابع مهمتها على الارض كما يستبدل سائق سيارته لمتابعة رحلته؟

ان للناس في حيواتهم مذاهب ومعتقدات أغرب من الخيال احياناً. وقد سافر اللامات بين النجوم والعوالم فرأوا تجلي جمال القدوس على هيكل كل موجود.. وما جمال العوالم غير مرايا جمال المبدع.

الكتاب قصة حقيقية عاشها رجل من التيبت – لوبسانغ رامبا – الذي تدرّج في معارج الرقي الروحي في رحلة مشوّقة ومؤثرة عبر فنون الاستغراق في التأمل، والسفر النجمي، وقراءة الهالات، والظواهر الغامضة.

كتاب هو باكورة سلسلة جديدة من المحتوى نفسه تفتح خزائن الشرق العامرة المليئة بالذخائر النفسية والقيم الرفيعة رأى “المركز العربي للبحوث والتوثيق” ان يساعد في نشرها في هذا الوقت الذي نحن بأمسّ الحاجة الى مثل هذا السفر بمضمونه وعناوينه.

بعد الاهداء والمقدمة الضافية جعل المؤلف الكتاب في سبعة فصول حملت العناوين التالية: الفصل الأول: الغزو. الثاني: السفر في الفضاء. الثالث: ترويض الكلاب. الرابع: تأرجح بين الحياة والموت، الخامس: نيويورك ذهاباً وإياباً. السادس: الصلاة، السابع: تبديل الأجساد.

تجدر الإشارة الى أنه بعد انتهاء القراء من قراءة هذا الكتاب ربما سيتساءلون: أي تطور جرى اليوم على مستوى الروح الانسانية اسوة بهذا التطور الجبار للبشرية على مستوى التكنولوجيا. وهل يختلف مواطن القرن الواحد والعشرين عن ابن الجاهلية في المستويين الروحي والنفسي؟.

( تأليف د. غازي الحلبي، صادر عن المركز العربي للأبحاث والتوثيق في بيروت، الطبعة الأولى 2010، في 192 صفحة من القطع الوسط.)

عن جريدة النهار 30/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق