بيان محمد الطالبي الأخير!

في مطلق ظني أن كتاب محمد الطالبي “ليطمئن قلبي” في جزئه الأول أثر يندرج في صنف”المقابسة Essai ” بما يعنيه ذلك من تجاوز لمدلول البحث المعرفي ومتطلبات التمرين البحثي لدى مؤلفه، وكذا لدى تقييمات قرائه ممن اعتادوا صلابة تعامله مع مطلق الوثيقة منهجا ومضمونا.
“محمد الطالبي” مؤرخ تونسي خبر البحث الأكاديمي المحكّم، لا تحتاج بحوثه لمن يعرّف بها أو لمن يقدّمها للمنكبين على تاريخ “إفريقية” خلال الفترة الوسيطة. غير أن ما تصدّر لانجازه ضمن مؤلفه أو لِنَقُل “بيانه الأخير” في جزئه الأول الموسوم سجالا بـ”ليطمئن قلبي” يطرح أكثر من تساؤل. فالأستاذ “الطالبي” يُلقي على أضرابه داخل الجامعة التونسية وخارجها، وبعد سنوات مديدة من المكابدة والترقي، أسئلة لا نخال أن مثله ممن دأب على التعامل مع فخاخ الخطاب التاريخي لا يدرك حدود الإجابة عنها حاضرا.


يطرح “الطالبي” بلا مقدمات إشكالية “مطلق الإيمان بما حواه النص القرآني”، دون أن يحدد الحيّز الذي تتقصّاه أطاريحه ولا الجمهور الذي يتوجه له بالخطاب. ولئن بدا من كلامه أنه يتوجه بذلك “إلى الحائرين وإلى المغرّر بهم من عموم المؤمنين”، فإنه من تمام حقه منطقا أن يعلن للملإ تمسّكه بمنطوق القرآن ومقاصد السنة النبوية، شريطة أن يعكس تعبيره عن مثل ذلك الحق لمن تمرّس على سجلات التاريخ انتصارا للحياد المعرفي دون سواه.
نعم يعتقد “محمد الطالبي” ومن هو على شاكلته من الباحثين، بل ويوهمون متلقي منهجهم “السجالي” أن لا شيء يفصل بين المعرفة وبين “الإيمان”، غير أنهم يعلمون يقينا أن مغامرة البحث ليست على تلك الشاكلة تماما. فقد “نطمئن” كما هو حال أستاذنا الجليل إلى مدلول “متعال” للخطاب الديني، دون أن نترك مجالا لعدم تسلل السجال لدى التصدّر لدحض مسلمات أولئك الذين يعمدون إلى تنـزيل نفس ذلك الخطاب المقدس منـزلة الفعل البشري.


صراحة لست من المدافعين أو من المتحاملين على توجه الخائضين في المدلول الحضاري والثقافي للإسلام من بوابات “الإستشراق” أو “الإسلامولوجية” أو “الأنطروبولوجيا” كذلك، لأنني وببساطة شديدة لست بحاجة منهجا للكشف عن مضمرات خطابهم مهما أوغل ذلك الخطاب في التورية أو تعمد المخاتلة والتضليل. غير أنّ إصرار “محمد الطالبي” على “السجال” والمنابزة مع غيره من قبيل “وصم” مخالفيه في التوجه أو الرأي بـ”الفرنسي ذي الأصول البربرية المدافع على التوجهات التبشيرية لمن درّسوه من الآباء البيض سابقا ولمحافظي أمريكا الجدد حاضرا ” أو بـ”الجزائري الداعي إلى ترحيل فكرة الله إلى جبل أولمب اليوناني” أو كذلك بـ”المبشر المسيحي الذي تحوّل إلى باحث في التاريخ الإسلامي”، متغافلا في حق نفسه عن زلاته الكُثْرِ، فاعلا داخل الجامعة التونسية وحلقة تنفيذ مباشرة للسياسة الثقافية المُسقطة للدولة البورقيبيّة، فضلا عن إرادة القدر بمدّ حبل حياته وانقلابه بعد أن “فُطم” عن ممارسة لعبة السياسة من الضدّ إلى الضدّ، جميعها أمور تدعو قارئ “بيانه” إلى الحيرة حقا.
يعيب المؤلف صراحة – ومن منظور أخلاقي إيماني صرف – على من وسمهم تحقيرا “بالانسلاخسلامية”، ويقصد من لم يعلنوا خروجهم عن الإسلام كما تمثلّه شخصيّا، تلبيسهم لمقاصده السمحة، متناسيا أن من ترصّد هناتهم المعرفية على تمام حق، بَشَرٌ يدعون مثله -وإن كابر- إلى مطلق الفضيلة بمكافحة الروايات المتاحة حول غابر الحدث، دون أن يملكوا لمنهجهم حجّة حسم أو حقيقة صرفة، وتلك قمة الإيثار، حتى وإن اثبتت براهين “الطالبي” الدامغة أن أطاريحهم المعرفية لم تصادف الصواب.


“الطالبي” رجل علم يُؤثر “الإيمان” على ما سواه، وغيره رجل “إيمان” يؤثر خوض تجربة البحث دون استباق نتائجه، فهل يتعين على “المؤمن” أن يشنّع على “العالِم” مع صدق معرفته بأن ما اعتور مقاصده غير رغبته في تجاوز “فساد الزمان وأهله” ؟
لمن ينتصر “الخطاب الإيماني” لـ “محمد الطالبي” إذن، وهو أعلم بأن ما يكشفه ذلك الخطاب لا يُزيل الغشاوة ولا يُنضج واقعيا تمرُّسا على مضمون الاشتراك في السيادة وحرية الاختيار، وهما قيمتان معلنتان مرجأتان تحت شمسنا، وضالة مؤلف هذا “البيان” –بزعمه- ؟

يَصْدُقُ “الطالبي” عندما يقارع الحجّة بالحجّة –لا الحافر بالحافر-، و”يتلوّن” أيّما تلوّن عندما يتحوّل إلى مجاف لما تعلمه طالبا فباحثا فمؤطّرا، مكتفيا في مفارقة بليغة بإعلاء حجة “الإيمان” على ما سواها.
ولئن لا يخامرنا أدنى شك في صِدقية ما أعلاه وحقيقة ما دعا إليه، فإننا لسنا على يقينه من أن أسئلته “السجالية” حول معنى الوجود وما بعده، يمكن أن تحتملها علوم الإنسان في تشظيها الفوضوي حاضرا.
لم يتخط محبّر هذه “الوصية” موقع المساجلة في تعامله مع “الغيرية العقدية”، حتى وإن أصرّ إثبات عكس ذلك. فهو “رجل إيمان” يُعمل مِعْوَل الشكّ “لطمأنة النفوس القلقة”، ولا يجرؤ على القبول بالواقع احتمالا أو تمثُّلا خارج منظور الحدود التي وضعها لذلك “الإيمان”، حتى وإن أزرى تصرفه بتشوّف وجدانه إلى “مطلق الخلاص” مكتفيا بتعقّل الفعل البشري وفق مقصد الضر والنفع ليس إلا.


ينفعل مؤلف هذا “البيان” منتصرا للإسلام ضد من يُعمِلون معاول منهج التفكيك méthode de déconstruction  في نصه التأسيسي وبيانه القرآني المنَـزل المعجِز، محذّرا من مغبة الوقوع في تضليل من يصرّون “بهتانا” على إسقاط الذهنية اليونانية الهيلينية على ذهنية عرب ما قبل الإسلام، لأن “ميثة” “الإلياذة” أو “الأوديسة” وملاحمهما التي تسمح لأبطالها، بحرية مثيرة، التنقّل بين الأرض والسماء، أمر لا يحتمله القرآن بالحجة والدليل، صَابًّا في انفعاله هذا جام غضبه على “الهمّاز المشّاء بنَمِيم عبد المجيد الشرفي” وعلى ” التونسي يوسف الصدّيق ” وعلى ” القبائلي الفرنسي محمد أركون ” ومن لفّ لفهم أو من كان على رسلهم من الباحثين، مبيّنا الفارق في الشأو بين “يسوع الإله” الذي “كان يزور بيوت العاهرات فيسرعن لإرضاء رغباته” والنبي محمّد وهو “رجل ككل الرجال…يأكل، ويشرب، ويغضب، ويرضى، ويتألم، ويهوى، ويشتهي، ويحب، ولا يأتي محرّما أو فسوقا أبدا “.
لذلك يقتص المؤلف في استهداف شنيع من باحثين خالفوه الرأي في مسائل، لا تلغي جوهرية مقاصدها اتصالها بحياة البشر بل وتولّدها من رحم حياة كائنات طينية ناقصة. فيتعقب خطابات خصومه أسرارا مَشْفُوهة ونصوصا مكتوبة ويفضحها في وشاية باردة تهدر كرامة أصحابها، متعمدة التحريض في أشنع أشكاله ضد من يدعون إلى الخروج إلى ضوء الشمس بدل غلق الأبواب من الداخل مُكبرين في “المؤمِن موقفه من العالَم [ذلك الموقف] المخالف للعالِم…إذ هو يسمع كلام الله بقلبه في خشوع [وهو ما] لا صلة له بسلوك العالِم أو الفيلسوف [الذي]يزن ويقيس ويحلل”، معتبرا ذلك منتهى التضليل والنفاق لأن “الحرية” التي يَجِدُّ في طلبها مؤلف كتاب “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” ويقصد ع.م الشرفي – وفي نباهة أستاذنا الجليل التي لا تضاهى- مُطلقَة لا يقيّدها سوى ضمير طالبها “المتمطط حسب فلسفته وشهواته”، علما أن الأخلاقيات بوصفها “مواضعات اجتماعية” قابلة للتجاوز وغير مُلغية للخوض في تصرفات “المثليين” و”اللواطيين” وجميع من أدرجتهم هشاشاتهم البشرية – التي لم تصب من غالبيتنا غير الازدراء والتجريح-  في الهامشية والإقصاء أيا كان شكله ومدلوله المكشوف أو المبطّن.  


وِفْقَ منطق محمد الطالبي إذن لا عزاء لـ ع. م الشرفي في التصنيف فهو ليس بـ”النفاتي” ( من النفاة – المحرّر ) ولا بـ”اللاّ أدري” لأن “قوله وقاحة” في حق الإسلام والمسلمين إذ يدعوهم إلى “غلق بيت النبوة والرتع في الفلا كالسوائم”، والحال أنهم حمّالو أمانة أشفق من حملها سواهم وقبلوا تعديا على أنفسهم قبل غيرها حملها.
ألا يعتقد “محمد الطالبي” وهو الصابر في جلد على حِـمله صبر الجمال العاتية أن من حق من سفّه منطقهم، مشبّها إياهم نكالة وتحقيرا بـ”القراد” وهي كائنات حية شبه مجهرية تمتص دماء الجمال في انتهازية باردة، أن تئن ويعلو صوتها حتى وإن كانت محمولة غير حاملة!  بلى، لأن سجال المؤلف وتهكّمه البارد لم يعرض على مخالفيه في الرأي سوى ربط حبل المشانق حول أعناقهم، لأنهم غير مكترثين –بزعمه- بمصيرهم وغير متحمّلين لجسيم مسؤولياتهم.

ذلك هو منطق محمد الطالبي في جميع فصول “بيانه الأخير” “ينشر ويطوي” “يتمدد وينقبض” يُومِئُ تلميحا بقرب طيّ بساط الكون ويسفّه دعاة الحوار من أهل الكتاب أو من غيرهم، مشنّعا بـ”كلبيتهم” التي لا تفتأ على التلون كالحرباء ملبّسة سبيل من تشوفوا إلى الخلاص وتجرعوا كأس المهانة بأراجيف “الحب والإحسان” الكاذبة.
يكمن لب “الحوار” إذا ما تملّينا منطق “بيان محمد الطالبي الأخير” إذن في المماحكة والاحتساب بعدّ الأنفاس على أصحابها، لأن مطلق الحقيقة في القرآن، وليس لأي سعي خارج تأوُّل بيانه بمنطق الراسخين في العلم – ومنهم من تجاهل المؤلِف في مصادفة بليغة وبقصدية باردة تقليب أرائهم في المسألة- من غاية ترجى في انقشاع الغمامة وتوضيح الرؤى ونحت المصير.



د. لطفي عيسى
مؤرخ تونسيّ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق