بيتر بروك.. وجهة نظر مسرحجية حول حقيقة الفن

(قد نبدأ باحتفال، نبدأ بأي شيء، لكننا لا نبدأ أبداً بالأفكار)

عندما بدأ بيتر بروك عمله في الإخراج المسرحي لم تكن لفظة الإخراج قد تبلورت بعد ولم تكن قد حصلت على الامتيازات المتوفرة لها الآن، كانت لفظة الإنتاج المسرحي هي السائدة إبان تجارب بروك الأولى وكانت أيضاً تقتصر على إنتاج نص يكون قد اختير سلفاً من قبل رؤساء الفرق ومديريها، لكن بروك راح ينادي بأهمية اختيار النص من قبل المخرج، وأكثر من ذلك كان يصر على اعتباره المسؤول الأول والمباشر عن العمل برمته من البداية وحتى النهاية.

هذه المساهمة التي أداها بروك لمفهوم الإخراج حملت في طياتها نظرته الخاصة والمختلفة للمسرح، وبها سيتجاوز حدوده المكانية ويصل إلى العالم كله يبحث ويجرب، وهو في كل هذا البحث والتجريب يأخذ مركز الوسط ويقع في منتصف الثنائيات الواردة في سيرته. والمتتبع لهذه السيرة سيجد هذا المخرج ينبش دوماً بين الشرق والغرب، بين الجمهور والعرض، بين الممثل والشخصية، بين الطقس وبين النص، بين الفكرة والشكل، وبالنهاية بين المسرح والحياة.

إن أكثر القضايا التي شغلت تفكير بروك هي مسألة التلقي والاتصال مع الجمهور وأخذت الحيز الأكبر في تجربته المسرحية الطويلة، والتساؤلات دارت حول الإشارات التي يبثها فضاء الحدث السحري نحو فضاء التلقي المستلب والموهوم، وللوهلة الأولى يبدو هذا الكلام تقليدياً ومطروقاً لكن ما فعله بروك انطلاقا من هذه العلاقة هو محاولة البحث عن لغة مسرحية عالمية يفهمها الجميع، وهذا التواطؤ الشاعري خرج من حدود العلبة الإيطالية إلى الشوارع والساحات في الأودية وعند الشواطئ. وعندما أقول لغة متفقاً عليها لا أقصد هنا لغة كلامية منطوقة، وإنما لغة مسرحية تشتمل على عناصر دالة وجمالية وطقسية، وليس من تطرف منهجي في هذه الوجهة غير أنها تحولت إلى عنصر من عناصر هذه اللغة الشرطية ولم تعد الحامل الأساسي للأفكار والمشاعر بل أحد الحوامل، وبهذا التقصير القصدي نحو اللغة المنطوقة كاد أن يكون للمسرح لغة عالمية خاصة، إلا أن الأمر بقي في حدود تجاوز الموضوع الأخلاقي وأولويات التجريب المنهجية.

يعتمد العرض المسرحي في مدرسة بروك على ما يسمى بالتوظيف، أي رصد الصيغة الانفعالية على أساس التمايز والاختلاف الثقافي، وبمعنى آخر الصيغة الانفعالية لرجل اسكندينافي تختلف عن الطريقة التي ينفعل بها رجل أفريقي، وأكثر ما يظهر هذا (التوظيف) في النصوص الأدبية الجاهزة كالشكسبيريات مثلا ، إذ يعمل بروك على استفزاز المخزون الثقافي والتربوي لكل ممثل على اختلاف مناطقهم، وبالتالي يعيد تشكيل الصراع على أساس التمايز المناطقي الثقافي بكل ما يشتمل عليه هذا الاختلاف من خصوصية بيئية وعفوية تربوية لها الأهمية الكبرى في تكوين العالم الانفعالي الخاص بالممثل واختزال هذا العالم في الشخصية المسرحية؛ وبذا يصير التمايز غير مرهون بتنوع الصفات والأفعال وإنما بخصوصيتها، هاملت العربي كان "ليثأر" لأبيه الملك؛ أما الأمير الأوربي فهو يسعى "للانتقام".

وإذا كان النظام الرمزي في الطقس يحقق ذاته عبر التكرار والتمثل، ويحزم كل المجتمع في طريقة نظرته إلى المحيط داخل إطار ميثولوجي، فإن النظام الشرطي في مسرح بروك سبيل لمحاكاة عناصر الطقس، مع فارق أن هذا الراجع المخبري العائد نحو الأصل المسرحي يثب فوق السياج البيئي المغلق على طقسه ويتسع بعدها لكل الطقوس ويحتفل بها من اجلنا وهنا يكون عرضا مسرحياً.

لكن لماذا ينال بروك هذه المكانة والانتشار العالميين؟؟

الغواية والإيحاء في نشاط بروك المسرحي هما أكثر ما يحدد حركة المؤشر نحو المادة المراد التعامل معها، خاصة إذا كانت هذه المادة تنبعث من ثقافات الشعوب وطقوسهم ووسائل تفسيرهم للظواهر الإنسانية والكونية. وأي من هذه العلاقات، إن كان اتجاهها عمودياً يحاكي فيها الإنسان علاقته بالخطيئة والفضيلة المتمثلة بالرب والشيطان أو أفقياً يرصد أشكال النشاط البشري العبثية والمسرفة في وجوديتها، فإنها تقوم بالجوهر على الصراع، حتى إن اتخذت عبر المغالاة السلطوية (والتبطر) الزمني أشكالاً أخلاقية أو عاطفية ومن ثم عبودية. بهذه القناعة أصبح الإخراج بالنسبة لبروك بمثابة اقتفاء أثر الصورة الأولى ومبتدأ اللاوعي البشري، والغواية تبدأ عندما يوحي السلوك البشري بجذره الطقسي مؤذناً لبروك برحلة قد لا تنتهي بين عادات الشعوب وتقاليدهم. بهذه النظرة يصبح الفن قضية شخصية ومبرراً للوجود يبحث من خلاله عن الإنسان الخالص المندفع بالفطرة والقائم على غرائزه واشتهاءاته الأولى بعد أن ينفض عنه غبار الأيديولوجيا والصراعات الجزئية المرتجلة، ويضعه على محك الصراعات الأزلية الكبرى، لذلك نرى أن الإحساس والتواصل الشعوري القائم بين العرض والمشاهد يحتل المرتبة الأولى في مسرحه والأولوية في كل خطوة تجريبية يخطوها، ويدفع دائماً بالأفكار نحو منازل متأخرة مصراً على أولوية الإنسان في مسرحه الذي يتقدم على الفكرة وعلى الشخصية المكتوبة، ويلاحظ أن ممثليه يجهدون في مواجهة أنفسهم أولاً قبل مواجهة الجمهور.

المسرح الشامل، هذه التسمية لم يكتسبها بروك فقط من قدرته على التحكم بعناصر العرض المسرحي بخفة وجمال، وإنما ببحثه عبر المسرح في الدلالات والمزايا الجمالية لكل شعب أو حتى قبيلة وحواره مع الآخر من منطلق تثاقفي مهما اختلف مشرب هذا الآخر، وبهذا الصدد لابد أن يعي كل منا أن المسرح لا يمكن له أن يبقى في إطار نمطي، خاصة عندما يعلق مصيره واستمراره بالمقولة الواعظة والرسالة الأخلاقية الجاهزة، ولن يكون المسرح مسرحاً إن قرر يوماً الاصطفاف في رتل الوعاظ وأقطاب الكلام والعبرة.

لم يكف بروك إلى اليوم عن قهر المسافة مهما امتدت من أجل فهم نص أو طقس ما.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق