بيروت: المجد العاقر والحرب الولود

حين يكتب سمير قصير في “تاريخ بيروت” عن بيروت الكوسمبوليتية، يسارع إلى تذكر بيروت حاضنة الثقافة العربية. ففي بيروت الخمسينات والستينات من القرن الماضي وفد أكبر مثقفي العرب وشعرائهم إلى بيروت. يوسف الخال السوري، وقد اسس مجلة “شعر” التي ذاع صيتها وطبقت شهرتها الآفاق العربية، ونزار قباني وادونيس السوريين ايضاً ومحمود درويش الفلسطيني. بيروت هذه التي يتحدث عنها قصير بوصفها حاضنة ومبدعة ومنتجة اساسية في متن الثقافة العربية، لم تتسع إقامة للكثير من المصريين طبعاً، رغم ان المصريين كانوا ولا يزالون يكنون الود كله لبيروت وأهلها.

أما بغداد، وهي الحاضرة الثقافية الأكبر والتي شكلت طوال العقود الذهبية لدور النشر اللبنانية الدجاجة التي تبيض هذا الذهب، فلم تهجّر شعراءها نحو بيروت في ذلك الزمن. اقام بدر شاكر السياب زمناً قصيراً في بيروت وكذلك فعلت نازك الملائكة، وأيضاً عبد الوهاب البياتي، لكن إقامة سعدي يوسف العراقي في بيروت لم تكن في سنوات الستينات بل في السبعينات الملتهبة، سبعينات الحرب الأهلية. هذا أيضاً يسجل لبيروت، التي حتى في حمأة حروبها الأهلية كانت أقدر على الترحيب بالمثقفين والشعراء من بغداد الكمداء تحت نير حكم البعث. على أي حال، لطالما شكلت الجامعة الأميركية في بيروت قطباً جاذباً لمثقفين وباحثين من العالم العربي والغربي معاً حتى في أحلك أيام الحروب الأهلية. لكن هذه السنوات العجاف في بيروت الحرب الأهلية لم تشكل يوماً من الأيام سبباً للفخر ودافعاً لتمجيد دور المدينة التي يقول سمير قصير فيها أنها وفية لنفسها حرباً وسلماً، وأنها كانت دوماً بلا قضية لكنها تتبنى قضايا الآخرين.

سنوات المجد البيروتية ظلت على الدوام محصورة بعقد الستينات من القرن الماضي. أي العقد الذي سبق انفجارها العنيف الذي ما زالت آثاره اليوم بادية في الشوارع والوجوه على حد سواء. والأرجح أن اللبنانيين يرجعون زمن مجدهم إلى تلك السنوات بالضبط، لأن الخراب الذي أعقبها جعل تلك السنوات تبدو أشبه ما يكون بالمنام القصير الذي مر سريعاً ولم نستشعر جماله إلا بعد أن استفقنا على كابوس اليقظة. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم لا تزال بيروت تجهد في محاولة تكرار سنواتها الذهبية من دون جدوى. ويندر أن يمر عام على الصحافة الثقافية اللبنانية من دون أن تتفقد مقاهيها ومجلاتها الثقافية، ودائماً يخرج المتفقدون باستنتاج مسبق يطبع مثل هذا التفقد: لم تعد المقاهي هي نفسها، ولا المجلات الثقافية تملك التأثير نفسه. والخلاصة، عبر زمن المجد إلى غير رجعة، ولم يعد باستطاعة البيروتيين استعادته، لأن استعادته الحرفية غير ممكنة على الإطلاق.

كتب أحمد بيضون، وهو ابرز مؤرخي ومفكري لبنان اليوم، عن ذلك الزمن المفقود مستهجناً مثل هذه الأحكام. فحين شاء أن يحصي المجلات والصحف في بيروت الستينات وجد أنها لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وحين فتش عن الغاليريات ودور النشر المزدهرة وجدها أقل بما لا يقاس من مثيلاتها في زمن الحرب وما بعده، وحين استحضر الصالونات الأدبية والفكرية وجد أنها كانت نادرة في زمن المجد، بخلاف وفرتها في زمن الحرب. لكن هذا الإحصاء الدقيق لا يمنع المثقفين في بيروت من تمجيد سنوات الستينات بوصفها عصر بيروت الذهبي الذي لا رجعة إليه. والحق أن جانباً من هذه القراءة الإحصائية غشاش ومكار. فبعض، بل وربما معظم، الصالونات الأدبية في بيروت الحرب الأهلية، وكذا حال الصحف والمجلات والمنابر السياسية، تدين باستمرارها إلى تنطحها للبحث في الأسباب التي تمنع بيروت الحرب من إعادة إنتاج بيروت الستينات. وهذا في حد ذاته يجعل الستينات مرجعاً ثقافياً وسياسياً لم يتأهل ولم ينجب، في حين أن بيروت الحروب منجبة وولود.

في سنوات المجد هذه تزامنت ظاهرتان لامعتان. ظاهرتان لا تتصلان ببعضهما اتصالاً عضوياً، لكن تزامنهما في بيروت جمعهما في سلة واحدة. انهما على التوالي مجلة “شعر” التي اسسها الشاعر السوري يوسف الخال في منتصف خمسينات القرن الماضي، ومقهى ““الدولتشي فيتا”” في محلة الروشة على شاطئ بيروت، والذي اسسه رجلان، طرابلسي من شمال لبنان وآخر سوري ايضاً.

عرفت مجلة “شعر” منذ نشأتها شهرة واسعة. الشهرة التي تحصلت لهذه المجلة تعود في بعض أسبابها إلى جبروت خصومها. “شعر” منذ البداية حملت لواء التحديث في الشعر العربي. اطلقت قصيدة النثر واحتفلت بروادها الأوائل، الذين كانوا من شعرائها وكتابها الأساسيين. ضمت “شعر” في هيئة تحريرها معظم شعراء النثر الأوائل: انسي الحاج، شوقي ابي شقرا، يوسف الخال، ادونيس، ومحمد الماغوط. ناهيك عن احتفائها بنصوص صلاح عبد الصبور المصري، وسركون بولص العراقي. وهذه كلها اسماء سرعان ما لمعت في سماء عالم الثقافة العربية وما زال بريقها قوياً حتى اليوم. كذلك اهتمت المجلة بترجمة الأفكار والشعر الغربيين، الإنكليزي والأميركي منه خصوصاً، ففيها ظهر عزرا باوند وعلى صفحاتها تعرف القراء والمهتمين إلى ت. س. اليوت، فضلاً عن ملارميه وأبولينير ولوتريامون.

والحق ان الترجمة في حد ذاتها لم تكن من اختصاص “شعر” الحصري. فالمجلة التي ناصبتها العداء، ثقافياً وسياسياً، كانت أيضاً تهتم بالترجمة أيما اهتمام. ويعود الفضل في تعرف القراء العرب إلى كتاب غربيين كبار من طراز ألبير كامو وجان بول سارتر وسيمون دو بوفوار إلى مجلة “الآداب” البيروتية التي كانت تخاصم “شعر” وتناصبها عداوة في الثقافة والسياسة. لكن “شعر” كانت تشبه جمهورية صغيرة تريد الاستقلال بنفسها على شاطئ المتوسط. وهي بهذا المعنى كانت لبنانية على المعنى الذي ارساه ميشال شيحا للبنانية. أو على وجه من تلك الوجوه التي حددها شيحا للبنانية. فاللبناني بالنسبة لميشال شيحا ليس من ولد على الأرض اللبنانية وحمل الجنسية اللبنانية. إذ أنه حتى آخر أيامه، كان يتأمل في أهل الجنوب اللبناني ويراهم أشبه ما يكونون بأهل طليطلة. بل ان اللبنانية، بالنسبة له هي امتياز يجب أن يحوزه المرء حتى يحق له أن يصبح مواطناً بصرف النظر عن مكان ولادته أو جنسيته، كما لو أن لبنان بالنسبة لأبي دستوره واكثر منظري كينونته شهرة كان أشبه بشركة مساهمة يملكها ويستفيد من خدماتها من يحوز الشروط التي تؤهله لذلك.

هكذا نجحت “شعر” في تنسيب أدونيس القادم من بداوة سوريا إلى بيروت وجعلت من محمد الماغوط بيروتياً بامتياز، فضلاً عن نجاحها في تغييب أصول مؤسسها يوسف الخال عن النقاش اصلاً. كان شرط “شعر” الأول للانتماء أن يخلع القادم من العالم العربي الواسع جنسيته عند الباب، وأن يدخل إلى بيروت مواطناً مميزاً أو راغباً ومنشداً لهذا التميز الذي تشكل المواطنة علامته الحاسمة. وكان على كل من يريد ان يدخل إلى ظل “شعر” وفيئها ان يجتاز امتحاناً ثقافياً وسياسياً وحضارياً، لم يكن اجتيازه متيسراً لكل الناس. فعلى صفحات “شعر” حدد أنسي الحاج، وهو أحد أهم شعرائها وشعراء العالم العربي اليوم، قوانين لكتابة الشعر النثري. قوانين كانت تلزم كل من يريد الدخول إلى كنفها أن يتبعها بحرفها، وفضلاً عن هذه القوانين المطبوعة والموثقة كان ثمة قوانين وأعراف أخرى يجدر بالداخل إلى هذا العالم أن يتبعها. لم يكن استقبال الكتاب من خارج أسرة شعر نادراً طبعاً، لكن “شعر” بقيت ملكاً حصرياً لأصحابها، لكتابها وشعرائها. وما زالت تملك حتى اليوم سلطة عليهم تمنعهم من خيانتها. اليوم ثمة مجلات وصحف كثيرة لبنانية يتسابق الكتاب العرب على الكتابة فيها، لكن هذه الصحف والمجلات لا تشترط على هؤلاء أن يخلعوا جلدهم قبل الدخول. لذلك لم تنجح بيروت ما بعد زمن “شعر” في أن تستعيد مجداً كان لتلك المجلة.

لم تنجب “شعر” أبناء وبنات. وإن أنجبت أيتاما يتوزعون اليوم في أصقاع العالم. و”شعر” العاقر تشبه في عقمها “الدولتشي فيتا” العاقر هو الآخر. ذلك المقهى قدر له أن يكون على ناصية الشرق الاوسط الفني والثقافي والسياسي في لحظة مفصلية من تاريخ العالم العربي. والأرجح أن الزمن السياسي نفسه الذي أتاح لـ”شعر” تحقيق لبنانيتها هو الذي أتاح لـ”الدولتشي فيتا” أن يحقق شهرته الواسعة. وإن كان ثمة ما هو مشترك في العمق بين المقهى والمجلة فربما يكون سببه تلك اللحظة العربية من انعدام الوزن السياسي والثقافي. ففي تلك الفترة الزمنية شهد العالم العربي أكثر طفراته الاجتماعية والسياسية خطورة وقلقاً، قبل أن يستقر على السمت الذي هو عليه اليوم.

زمن الستينات العربي هو زمن الهزيمة الكبرى، عام 1967، الهزيمة التي أسست لحركة سياسية ونضالية ملأت دنيا العرب وشغلت ناسه. بل وامتدت آثارها إلى العالم الأوسع. وقد يكون هذا القلق العربي هو السبب الرئيس في عيش بيروت ذلك الزمن في مساحة حرة بمعنى من المعاني. وبسبب من العجز العربي الذي كان مهموماً بقلاقل داخلية وعاجزاً عن التمدد الذي يعقب أي استقرار سياسي وأمني استطاع “الدولتشي فيتا” أن يحضن بين زواياه معظم مدبري انقلابات العالم العربي في تلك الأثناء. ويروي الذين عاصروا مجد ذلك المقهى ان قادة الانقلابات المنفيين من بلادهم كانوا يحددون ساعة الصفر في “الدولتشي فيتا” ويمضون إلى مصائرهم وهم يرتدون بيجاماتهم تحت سراويلهم، فإذا نجح الانقلاب صاروا حكاماً وإذا فشل وكان مصيرهم السجن خلعوا سراويلهم ومضوا إلى نوم طويل في السجون التي كان الداخل إليها مفقوداً والخارج منها مولوداً. وهناك في ذلك المقهى التقى معظم المنفيين العرب، من سوريا إلى مصر فالعراق فالأردن فالمملكة العربية السعودية فالسودان واليمن.

إذا جاز لنا أن نضع وصفاً للعلاقة بين “الدولتشي فيتا” و“شعر” في ستينات بيروت، ربما صح في وصفهما المعادلة التالية: كان “الدولتشي فيتا” يجاهد في أن يكون تقاطع طرقات متنافرة، أما “شعر” فكانت تجاهد في أن تصير شقة مخفية في شارع خلفي. كان المنفي من العرب يقيم في “الدولتشي فيتا” وهو يغالب خيارين، إما العودة إلى بلاده حاكماً او سجيناً، وإما الضياع في شوارع بيروت الخلفية والخروج من المشهد العام إلى الظل. ولا يندر أن تجد بين رواد “الدولتشي فيتا” في ذلك الحين من امضى عمره متردداً بين الخيارين ودفع ثمن انتماءين متعسرين مرتين. عاصم الجندي السوري من السلامية والذي كان سياسياً معارضاً وأديباً وشاعراً كان من رواد “الدولتشي فيتا”، لكنه تردد بين مهنتين: مهنة الشاعر والكاتب ومهنة السياسي والثائر. هكذا لم ينتسب إلى “شعر” ولم يتدخل في الانقلابات. لكنه دفع الثمن في الشعر والسياسة، إذ تعرض إلى محاولة اغتيال كادت تودي بحياته، ومات حين مات غريباً في الثقافة والسياسة معاً. وحين مات رثاه أصدقاؤه الخلص. لم يربح الرجل مجداً أدبياً ولا مجداً سياسياً، ربح بضعة أصدقاء كانوا قد أيقنوا بعد سنوات الحرب الطويلة والمنهكة، أن الصداقة هي كل ما تبقى لهم في هذه المدينة التي تقع دائماً على حواف البراكين.

بعد عقود على غياب “شعر” واقفال “الدولتشي فيتا”، عاد أدونيس إلى بيروت. ادونيس الذي كان من ابطال “شعر” وكبارها. والقى محاضرة في هجاء المدينة البشعة عمرانياً والمتخلفة على مجدها الغابر. ولقيت محاضرته يومذاك نقداً حاداً في بيروت. لأنه أولاً كان يهجو بيروت لم تعد موجودة، وكانت قد تحولت منذ زمن إلى المدينة الضائعة لمريديها، ولأنه ثانياً تنكر لبيروت التي انتسب إليها مواطناً ممتازاً في الستينات. لكن أدونيس ليس الوحيد الذي تنكر لبيروت وهجاها. السياسيون الذي سهروا في “الدولتشي فيتا” ونظموا انقلاباتهم من هناك عادوا إلى بيروت بعد حين بثياب الميدان. قتلوا في شوراعها بشراً وحجراً ونظموا في خباياها حروباً صغيرة وكبيرة. بيروت هذه يوم كانت العواصم العربية لا تنتج إلا أيتامها في زمن الستينات، كانت هي تربي قتلتها بمعنى من المعاني. كانت تربي الذين سيعودون بعد وقت طويل إلى شوارعها أصحاب مشاريع سياسية وثقافية لا حظ لها من النجاح من دون تدمير الحاضنة التي رعت طفولتهم وشبابهم. مع ذلك لا تكف بيروت عن الحنين إلى ذلك المجد. مجد الأم التي تربي ابنين اثنين: واحد منفي ويحكمه الحنين، وآخر قاتل ويحكمه الطموح. وفي بعض الأحيان: في ما بعد زمن “شعر” و”“الدولتشي فيتا”” على وجه الخصوص ربت بيروت بين ظهرانيها القاتل والمنفي عنها في شخص واحد. محمود درويش كتب بعد خروج الفلسطينيين من بيروت عام 1982: “لم اجد فيك الخميلة ولا الجزيرة، اين مات الشاعر؟ اين استسلمت للزوج ليلى؟… خمشناك، قد يخمش الغرقى يداً تمتد لتحمي من الغرق”.

لكن الشاعر الفلسطيني الكبير الذي يضمه سمير قصير إلى عداد من ساهموا في أسطرة بيروت، لم ينتسب يوماً إلى مجدها. لقد انتسب إلى سنوات خرابها، وهو بين قلة قليلة من الذين عاصروا زمن المجد يذكر بيروت ويحن إليها وطناً للمنفيين، ويعتذر منها بوصفه الغريق الذي من شدة محنته كاد أن يقطع اليد التي امتدت لإنقاذه. لم يبق في بيروت اليوم متسع لأمثال ادونيس في الشعر وميشيل عفلق في السياسة، لكنها كل يوم تنجب أمثال محمود درويش. كما لو ان هذا الشجن الذي يختزنه شاعر فلسطين الأكبر هو مجد بيروت الوحيد.

-*سمير قصير: صحافي ومؤرخ لبناني، اغتيل في 2 حزيران 2005، وهو صاحب كتاب تاريخ بيروت.

-*احمد بيضون: مؤرخ وكاتب واستاذ جامعي. له كتب عديدة، ويعتبر اليوم من ابرز مفكري وكتاب لبنان.

-*ادونيس: شاعر سوري الأصل لبناني الجنسية، كان من مؤسسي مجلة “شعر”، واسس مجلة “مواقف” في ما بعد.

-*أنسي الحاج: احد اهم الشعراء اللبنانيين الأحياء، ويتعبر بحق أب قصيدة النثر، ولم يكتب إلا نثراً

-*محمد الماغوط: شاعر ومسرحي سوري، كان من شعراء “شعر”

-*شوقي أبي شقرا: شاعر لبناني من أسرة مجلة “شعر”، بدأ يكتب شعراً موزوناً مقفى وتحول واحداً من أبرز شعراء النثر العرب.

-*يوسف الخال: شاعر سوري أقام في لبنان وحمل الجنسية اللبنانية، وهو مؤسس “شعر”.

-*ميشال شيحا: سياسي ومفكر لبناني عاصر الحركة الاستقلالية، وكان من أبرز المنظرين لاستقلال لبنان. ويعتبر الأب الفعلي للدستور اللبناني.

-*عاصم الجندي: كاتب وشاعر وسياسي سوري معارض، عاش في بيروت ومات فيها.

-*محمود درويش: شاعر فلسطيني. والنص مقتبس من مطولته “مديح الظل العالي”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق