بين الدولة التنموية والدولة الديموقراطية / رغيد الصلح

يقدم المثال الصيني في التقدم والتنمية أملاً كبيراً للشعوب الفقيرة في الفكاك من أسر التخلف ومن عقال التبعية التي تحرمها من مواردها البشرية والمادية. لقد راهن الكثيرون في القوى المهيمنة على النظام الدولي الراهن على تعثر رحلة الصعود الصينية فانهيارها. ولكن هذه التجربة تنتقل من نجاح الى نجاح اكبر، ففيما تعاني دول الأطلسي الخسائر من الأزمة العالمية التي نشأت في ديارها، تمكنت الصين من تجاوز هذه الأزمة عندما أقرت خلال العام المنصرم رزمة إجراءات ومشاريع وبرامج بقيمة 4 تريليونات يوان بقصد معالجتها والتغلب على آثارها.

سخر البعض في الغرب من التقديرات الصينية المتفائلة عندما توقع المسؤولون في بكين ان يصل معدل النمو لاقتصاد بلادهم لهذا العام الى 8 %، ولكن تبين فيما بعد ان هذه التقديرات كانت في محلها وان معدل النمو سوف يكون اعلى من ذلك خلال العام المقبل، وانه سوف يكون مرتفعاً الى درجة تمكن الاقتصاد الصيني من اللحاق بسرعة بالاقتصاد الياباني ومن تجاوزه كثاني اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الاميركي. وتقول الإحصاءات ان مساهمة الصين في النمو الاقتصادي اليوم هي اكبر من مساهمة الاقتصاد الاميركي والاوروبي. ويؤكد البنك الدولي هذه التقديرات مضيفاً اليها ان واردات الصين من الخارج اليوم تساهم مساهمة ملموسة في الحد من تراجع التجارة الدولية.

من الطبيعي ان يثير صعود الصين آمالاً كبيرة في المنطقة العربية، وان يستقبل العرب هذه التحولات التي تلم بالنظام الدولي بالارتياح. فلقد عانت المنطقة العربية من جراء السياسات الغربية المضرة بالمصالح والحقوق العربية. وبالمقارنة بين الدول الكبرى في النصف الشرقي من العالم والصين في مقدمتها، وبين الدول الكبرى في الغرب، فإن المقارنة سوف تكون من وجهة نظر عربية، لمصلحة الأولى.

ان الصين اليوم قد لا تقف الى جانب العرب بنفس القوة التي ميزت مواقفها خلال منتصف القرن الماضي، ولكن مواقفها لا تزال افضل بما لا يقاس من مواقف دول الغرب الكبرى. فإذا أحسن العرب الاستفادة من الفرص الهائلة التي سوف يوفرها صعود الصين للدول المحدودة القوة، فسوف يتمكنون من تحقيق الكثير على صعيد الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم. فضلاً عن ذلك، اذا استفاد العرب من دروس التقدم المذهل الذي حققته الصين، فبإمكانهم ان يلحقوا بغيرهم من نمور آسيا وأميركا اللاتينية. ولكن الاستفادة الحقة من النموذج توجب التبصر والدقة والأمانة، وبخاصة اننا كثيراً ما حاولنا الاستفادة من تجارب الآخرين فأخفقنا في ذلك إخفاقاً كبيراً.

ان الصين تعتبر اليوم دولة تنموية بامتياز، وهذا هو السبب في نظر البعض في حجم إنجازاتها التاريخي. الميزة الأساسية التي تتصف بها الدولة التنموية هي التركيز – بداهة – على التنمية وعلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ولكن هناك جدل واسع حول صفات الدولة التنموية وشروط نجاحها. فهناك عدد من علماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد، ممن يدرج بين هذه الشروط القومية الاقتصادية وحماية الصناعة وقيام تحالف متين يضم «الدولة» والعمال والمصالح الصناعية، يحرك عجلة التطور والتركيز على التربية والتعليم. وهناك من ينطلق من القول بأن الدولة ليست شيئاً مجرداً لكي يؤكد اهمية وجود نخبة حاكمة مصممة على تحقيق التنمية على رأس البلاد، وتوفر بيروقراطية حكومية كفوءة محصنة ضد الضغوط الخارجية، وادارة فعالة للقطاعات والمصالح الاقتصادية غير الحكومية.

ان هذه الشروط والمواصفات قد لا تشكل مادة جدل كبير في المجتمعات العربية. ففي أغلب الأوساط العربية هناك اعتقاد بأن النخبة الحاكمة تلعب – اذا شاءت واذا امتلكت الكفاءة اللازمة – دوراً رئيساً في التنمية، وبأن القومية الاقتصادية ومنها حماية الصناعة الوطنية الناشئة هي ايضاً أمر مهم في نجاح التنمية المستدامة. ولا يجادل كثيرون في تقدير اهمية الادارة الكفوءة المنزهة عن الفساد والمستقلة عن ضغط اصحاب المصالح في تحقيق التنمية.

بيد ان العديد من علماء الاجتماع والسياسة المعنيين بالتنمية مثل ادريان لفتويتش استاذ العلوم السياسية في جامعة يورك في بريطانيا يضيف الى المواصفات التي أوردناها اعلاه مواصفات اخرى تضع الدولة التنموية في مصاف الدول الاستبدادية وتقيم ثنائية بينها وبين الدولة الديموقراطية. هؤلاء يعتقدون ان تقديم هدف النمو الاقتصادي على الإصلاح السياسي، وضعف المجتمع المدني ومنظماته، ولجوء النخب الحاكمة الى القمع الشديد في المعارج والمنعطفات الحرجة، كما فعلت النخبة الحاكمة في الصين عندما قمعت المتمردين في ساحة تيانانمين الشهيرة، هي ايضاً من عوامل نجاح الدولة التنموية. لماذا؟ لأن الدولة النامية لا تستطيع، في نظر اصحاب هذه النظرة، تلبية طلبات القطاعات الشعبية الملحة الى الخدمات والتقديمات، من جهة، وتوظيف مواردها المحدودة، في الوقت ذاته، في المشاريع التنموية البعيدة المدى. بتعبير آخر، على النخب الحاكمة هنا ان تختار بين الديموقراطية والتنمية.

ان هذه الشروط الأخيرة تثير جدلاً واسعاً بين المعنيين بتجارب الدولة التنموية في العالم. فهناك من يرفض رفضاً باتاً تلك الثنائية بين الدولة التنموية والدولة الديموقراطية. استطراداً يرى باحثون كثر مثل ابراهيم فقير، الباحث الرئيس في احد مراكز البحوث السياسية في جوهانسبورغ في جنوب افريقيا، ان الدراسات المعمقة للتجارب التنموية الناجحة تنفي وجود علاقة سببية بين هذه النجاحات وبين الاستبداد المحدود او الواسع الذي مورس في الدول التنموية مثل كوريا الجنوبية او تايوان او الصين. تأكيداً على صواب هذا الرأي يقول هؤلاء ان النجاحات الاقتصادية جاءت جنباً الى جنب مع الانفتاح السياسي الذي طبق في هذه البلدان، وان التحولات الديموقراطية ادت الى تزخيم تلك النجاحات ولم تنل منها. وهكذا تمكنت هذه الدول ان تنجز خلال كل عقد من الزمن ما انجز خلال نصف قرن في الولايات المتحدة وخلال ستين عاماً في بريطانيا.

ان ما يبدو جدلاً اكاديمياً في بعض الدول الديموقراطية والتنموية يتخذ منحى آخر في المنطقة العربية. فالمنطقة التي تكرسها الإحصاءات كواحدة من اكثر مناطق العالم تخلفاً – ان لم تكن الاكثر تخلفاً – بالمعايير الديموقراطية، تشكو من تخمة في حجم القوى التي تعمل على إجهاض مساعي الإصلاح السياسي والتحول الديموقراطي. وتوفر الثنائية المفترضة بين الدولتين التنموية والديموقراطية لهذه القوى حجة جديدة للتمسك بالوضع الراهن. يبقى ان يسعى الإصلاحيون والديموقراطيون، من جانبهم، الى اجلاء حقيقة التحولات التنموية والديموقراطية التي طرأت على القارة الآسيوية وعلى العلاقة الوثيقة بين هذه التطورات. ولعلهم يسلطون الأضواء في هذا المضمار على التجربة التركية القريبة التي تمضي بخطى ثابتة على طريق التحول التنموي والديموقراطي معاً. ففي ظل الحكومات الاستبدادية، كانت الليرة التركية عديمة القيمة وكانت تركيا تعاني من التخلف الشديد، وكانت اليد العاملة غير المدربة هي اهم صادرات تركيا الى الدول الصناعية. اما اليوم حيث تنتقل تركيا الى مرحلة توطيد الديموقراطية، فإنها تتحول بسرعة الى نمر آسيوي جديد.

اكثر من ذلك، يمكن القول من دون تردد كبير، ان الربحية ليست معياراً وحيداً لتقدم الانسان وسعادته. لا ريب في ان التنمية هي هدف عظيم ينبغي العمل على تحقيقه بكل قوة. ولا ريب في ان التقدم الاقتصادي يوفر المزيد من الفرص للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وللأمن الوطني والاستقرار. ولكن الحرية الفردية هي ايضاً هدف انساني. وتحقيق هذا الهدف الكبير يجعل المواطنين ارقى حالاً بما لا يقاس من المواطنين التعساء الذين يعيشون في ظل انظمة مطلقة لكي يكتشفوا، في نهاية المطاف، انها لم تحقق لهم آمالهم في التنمية وفي الحرية ولم تقدم الى شعوبها الا الأوهام.

عن جريدة الحياة 26/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق