بين الدين والأصولية الدينية

{{- 1-}}

علينا ألا نخلط بين الدين، وبين الأصولية الدينية.

فالدين “إيمان”، والأصولية الدينية “عقيدة”، كما يقول مراد وهبة.

والأصولية الدينية جعلت من الإيمان معتقداً، تستعمله لخدمة أغراضها السياسية والدينية والإيديولوجية.

الدين بيان وقيم وإخبار، والأصولية الدينية اجتهادات وتراكم أحكام، ومراقبة، وعقاب.

جمهور الدين هم الخاصة، وجمهور الأصوليات الدينية هم العامة، من أتباع التدين الشعبي الذي يختلط فيه الدين بالخرافات والأساطير والشعوذات وتقديس الأئمة.

الدين يهدف إلى تكوين صالحين، ودعاة خير ومحبة. والأصولية الدينية تهدف إلى تكوين إرهابيين، بدعوى الدفاع المسلح عن الحقيقة المطلقة، التي لا جدال فيها. فإما معنا وإما الموت. وهذا ما حصل منذ فجر التاريخ حتى الآن. فسقراط كان ضحية الأصولية اليونانية صاحبة الحقيقة المطلقة، عندما تعرّض لها، وسخر منها. وغاندي كان ضحية الأصولية الهندوسية. والأصولية اليهودية هي التي قتلت اسحق رابين، كما قتلت الأصولية الإسلامية أنور السادات. وما إرهاب “القاعدة” وباقي الجماعات الأصولية المسلحة، إلا حماية الحقيقة المطلقة التي يعتقدون أنهم يملكونها وحدهم، والدفاع عنها.
الدين هدفه الناس كافة، دون استثناء. والأصوليات الدينية هدفها فئة معينة قابلة للتسييس والموت.

الدين ليس من صنع البشر، في حين أن الأصولية الدينية من صنع البشر المستغلين للدين، على مدار التاريخ، وحتى الآن.
وهذا ينطبق على كافة الأصوليات الدينية، مع بعض الفروقات الخاصة القليلة.

{{-2-}}

الخلاف الحاد بين الليبرالية العربية والأصولية الإسلامية، يتمركز حول دعوة الفكر الليبرالي إلى قراءة النصوص الدينية المقدسة، قراءة تاريخية ومجازية – كما نادى ابن رشد بوجود معنى ظاهر وآخر باطن (المجاز) للنص، ومعنى للخاصة ومعنى للعامة – وليست قراءة حرفية تواكلية تسليمية مسبقة.

ومعنى هذا، أن الليبراليين يقفون إلى صف المعتزلة القدامى في قولهم بخلق القرآن؛ أي إن القرآن تكوّن متدرجاً، حسب الأحداث التاريخية التي واجهها الإسلام والنبي عليه السلام. ولم يكن مكتوباً مسبقاً، ومحفوظاً منذ الأزل في اللوح المحفوظ، كما تقول السُنَّة والأشاعرة وغيرهم من الأصوليين الدينيين.

{{-3-}}

فالأشاعرة – على سبيل المثال – أنكروا وجود القوانين الطبيعية، التي تتحكم بهذا الكون. وهذا يعني بكل بساطة إلغاء “نظرية السببية” في التاريخ والطبيعة، وبالتالي إلغاء العقل والتفكير. علماً بأن القرآن أقرَّ قانون السببية ولكن ليس بصراحة العلم الحديث ووضوحه. فالقرآن كتاب هداية وقيم أخلاقية، وليس كتاب علم وقوانين طبيعية.

وذكر القرآن كلمة “سبب” و”أسباب” تسع مرات. فقال عن ذي القرنين: ﴿إنا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً﴾ ﴿فاتبع سبباً﴾ (الكهف: 84 ،85)، ﴿ثم اتبع سبباً﴾ (الكهف:92)، ﴿إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب﴾ (البقرة: 166) ، ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ (ص: 10)، ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب﴾ (غافر:36)، ﴿أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً﴾ (غافر:37).
وتأتي الأسباب، بمعنى الطُرق والأساليب، كما في الآيات: (البقرة: 166)،(غافر:36).

وتأتي الأسباب بمعنى العلل، كما في الآيات (غافر:37)، و(ص:10). وبعض العامة والباحثين يظنون أن نصَّ “وجعلنا لكل شيء سبباً” من القرآن. والصحيح أن لا نص في القرآن أتى بهذه الصيغة. ولكن الأشاعرة القدامى والجُدد ينكرون أن القرآن قال بالسببية.

{{-4-}}

ونرى أن الأصولية الدينية، ليست قاصرة على الإسلام وحده، أو على منطقة معينة من العالم كمنطقة الشرق الأوسط مثلاً، ولكنها موجودة في الأديان السماوية الأخرى وفي مناطق مختلفة من العالم حتى المتقدم منها.

فهناك أصولية مسيحية متشددة في أمريكا، تمنع تدريس نظرية دارون في المدارس والجامعات في بعض الولايات الأمريكية حتى الآن. والأصوليات جميعها تشترك معاً في قواسم مشتركة واحدة، وهي التطرف، والغلو، والتشدد، والتفسير الحرفي للنصوص، ومعاداة النظريات العلمية، ومنع إعمال العقل في النص الديني، ولكن بدرجات متفاوتة.
ولو كان لدينا ما اقترحه هاشم صالح في كتابه “معضلة الأصولية الإسلامية” من إقامة “علم الأصوليات المقارنة”، لاستطعنا أن نكتشف بوضوح أن الأصولية الإسلامية، هي أقل الأصوليات الدينية السماوية الثلاث تطرفاً، وغلواً، وتشدداً، وكذلك مساحةً وفضاءً.

ولكن جامعة شيكاغو استطاعت أن تقوم بجزء كبير من هذه المهمة (علم الأصوليات المقارنة) عندما رصدت خمسة ملايين دولار، من أجل كتابة بحوث عن الأصوليات المقارنة، والتي انتهت في خمسة مجلدات، درست كافة الأصوليات في العالم، دراسة علمية مقارنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق