بين برهان غليون وصموئيل هنتنغتون

في إحدى زياراته إلى سورية، التقيت بالدكتور برهان غليون وتباحثنا مطوّلا في قضيّة الحرب الأمريكية في العراق. وبينما كنت أرى أنّ الاحتلال جاء استجابة موضوعية لحركة التاريخ بطريقة عنفية تستند إلى القوة، وعلينا أن نجعل تلك الاستجابة في المستقبل قائمة على العقل، كان الأستاذ غليون يرى في الحرب نوعا من الهمجية الأمريكية. وقد كرّر موقفه منها في كتابه ” العرب وتحوّلات العالم،” الذي أعدّه على شكل حوار الكاتب السوري رضوان زيادة.

جاءت أفكار غليون في ص 81 من الكتاب كما يلي (كيف نردّ على تكريس الهيمنة الأمريكية وسعيها إلى القضاء على أية مقاومة ثقافية أو فكرية أو سياسية أو ايديولوجية تقف أو يمكن أن تقف في وجه هذه الهيمنة . )

لم أفاجأ برؤية غليون المعروضة على صفحات الكتاب حول أمريكا. المفاجأة كانت في رأيه بمفكر كبير منها هو صموئيل هنتنغتون وكتابه الشهير – صدام الحضارات وإعادة تأهيل النظام العالمي- لم يخطر على بالي أبدا أن يقرأ الدكتور كتاب هنتنغتون بنفس الطريقة التي قرأها آخرون طريقة – لا تقربوا الصلاة – يقول الدكتور في الكتاب ص 79 “إنّ حوار الحضارات ظهر كرد فعل على نظرية صدام الحضارات (civlization The clash of ) . وقد ظهر هذا المفهوم ضمن طار إعادة ترتيب الاستراتيجية الأمريكية باتجاه التعبئة ضد العالم العربي والإسلامي. وهو أداة في يد السياسة الأمريكية اليمينية الجديدة في الولايات المتحدة. وما أراد أن يقوله هنتنغتون هو أن حالة الحرب مستمرة، وأنّ انتهاء الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي لا يعني نهاية الحرب في العالم. وإنما انتقلت الحرب إلى مجالات أخرى وصار خط الفصل بين المعسكرات المتنازعة التناقض والتنافس بين ثقافة حديثة متطورة ولبرالية تعنى بالفرد والحريات، وثقافة دينية متطرفة معادية للغرب. وأعطى مثالا على هذه الثقافات في الثقافة الصينية والإسلامية. وهي نظرية تهدف الى تبرير الحرب على الشعوب الأخرى)).

هذه الكلمات ذكّرتني بالمقدمة العجيبة للكتاب وقد تصدرت ترجمته العربية (الطبعة الثانية ) بقلم الدكتور صلاح قانصوه، وجاء فيها حرفيا ص 25: ” وهو من شأنه أن يساهم مساهمة نشطة في تزييف وعي المواطنين في مختلف بلدان العالم، ويفضي ذلك جميعا إلى صرف الانتباه عمّا يجري في الواقع العالمي بحيث يتم تحريك الأطراف المختلفة بكفاءة واقتدار، لخدمة مصالح بعينها. بعيدة عن مصالح أوسع فئات الجماهير سواء في الشرق أو في الغرب. فالكتاب كله تذكير ملح على واجب المواطنين في التشبث بالخصومة بين البشر، حتى يفرغ أصحاب المصالح لشئونهم وإدارة العالم الممزق. ونظرته في” الصدام الحضاري ” ليست أكثر من ثوب قشيب لفكرة أو ممارسة عتيقة جدا هي ” فرق تسد”.

كُتبت مقالات عدة وأُلقيت الكثير من المحاضرات التي تعتبر الكتاب يهدف إلى تبرير السيطرة الأمريكية على العالم، وقد جاء في محاضرة للدكتور محمد الحاج صالح ألقاها في طرطوس عن الكتاب ما يلي: “أن الكتاب قراءة مغلوطة للتاريخ وتفسير خاطئ لتطوره استنادا للصراع الديني داخله، وله أهداف في مقدمتها تبرير السيطرة الأمريكية على العالم .”

يمكن أن يتفهم المرء دوافع تلك الحملة الشعواء على الكتاب سياسيا والتي تقف وراءها جهات معينة، أمّا أن يكتب مفكّر مثل برهان غليون عن مُنظِر مثل هنتنغتون بنفس الطريقة، فتلك مسألة أخرى، فما كنت أحسب أن يتهم الدكتور برهان مفكرا بهذه البساطة والسرعة، ولا يحترم جهده على الأقلّ مهما اختلف معه .

أن نختلف مع المفكّر في الرؤيا شيء وأن ننظر إلى المفكر بأنه يهدف إلى تبرير الحرب على الشعوب شيء آخر .

تلك العقلية هي التي قادت الكثير من سياسيينا للمطالبة بمقاطعة “الحرّة” كقناة أمريكية، حتى ولو كانت القناة تخاطب العقل وتنطلق منه وتقدم برامج جادة تساهم في تخفف جهلنا وتخلفنا أكثر من كل ما تقدمه القنوات العربية .

قرأت مؤخّرا كتابا صادرا عن الهيئة العامّة للكتاب في سوريا سنة 2007 تحت عنوان – مدخل إلى الفكر الايديولوجي – تحرير وترجمة معين رومية، أغلب من ترجم لهم علماء أمريكيون يدعون إلى تأسيس فرع جديد من علم النفس يؤسس لأخلاق بيئية جديدة، مختلفة جذريا عن الأخلاق البيئية القديمة، يعتبر فيها الإنسان عضوا في مجتمع الطبيعة وليس سيدا في هذا المجتمع، ومما جاء فيه حرفيا على لسان علماء أمريكيين من كاليفورنيا ص 109 “لا يؤدّي المجتمع التكنولوجي إلى تغريب البشر عن بقية الطبيعة بل أيضا إلى تغريبهم عن أنفسهم وعن بعضهم البعض، فهو يعزّز بشكل أساسي تدمير القيم والأهداف الذي غالبا ما يؤدي بدوره إلى تدمير الأساس الضروري لإقامة تفاعل مستقر وقابل للحياة بين المجتمعات البشرية والعالم الطبيعي.”

ترى هل نرفض هذه الدعوة لأنّها تأتي من علماء أمريكيين لا تقبل حكومتهم حتى الآن التعاون التام مع المنظمات البيئية، ونرى أنها تحمل السم بالدسم مثل نظرية هنتنغتون وقناة الحرة! وهل سيطالب البعض من الكتاب بسحب الكتاب من التداول كونه يروج لبضاعة أمريكية؟

أنا شخصيا قرأت كتاب هنتنغتون ثلاث مرّات وعجزت أن أجد فيه تأسيسا لنظرية جديدة تدعو لصدام الحضارات، الأنكى من ذلك أن الكاتب الأمريكي يدعو إلى عالم جديد يشبه العالم الذي يريده الدكتور برهان، ولو اختلف الأسلوبان، وهذا ما حملني إلى التفكير بأنّ الأستاذ برهان لم يطّلع على الكتاب حتى نهايته، بل حكم عليه من صفحاته الأولى .

يجهد هنتغتون في بداية كتابه لإيضاح مفهوم الحضارة كما يبدو له، فهي عنده مزيج معقد من الأخلاق والدين والفنّ والفلسفة والتكنولوجيا والرخاء المادي، ويمكن أن يحدّد في كل حضارة عدد من المستويات الدنيا والعليا، والمعادل الموضوعي لكل حضارة والتي تعطيها هويتها برأيه هي الثقافة، والموضوع الرئيسي لكتابه كما يقول في الصفحة 37 من الفصل الأول “هو أنّ الثقافة والهويات الثقافية والتي هي على المستوى العام هويات حضارية، وهي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة .”

وهو يحدد ست أو سبع حضارات رئيسية، لكلّ منها هويتها الثقافية المميزة، ودولة أو دوليتان مركزيتان تعبّران عنها، باستثناء الحضارة الإسلامية، ويرى في الحضارات القبائل الإنسانية النهائية، وصدام الحضارات هو صراع قبلي على نطاق كوني في عالم ما بعد الحرب الباردة، والكتاب بمجمله يعتبر ردّا على نظرية فرانسيس فوكوياما – نهاية التاريخ – والتي ترى في الليبرالية الديمقراطية الغربية الشكل النهائي لحكومة إنسانية موحدة على المستوى الكوني.

الكاتب يرى أن اعتقاد الغرب بعالمية ثقافته، اعتقاد زائف ولا أخلاقي وخطر، والاستعمار هو النتيجة المنطقية الضرورية لتلك العالمية. “عالمية الغرب خطر على العالم لأنها قد تؤدي إلى حرب بين دول المركز في حضارات مختلفة، وهي خطر على الغرب لأنها قد تؤدي إلى هزيمته.” ص(503)

“إنّ التدخل الغربي في شؤون الحضارات الأخرى يمكن أن يكون المصدر الوحيد والأشد خطرا بالنسبة لعدم الاستقرار والصراع الكوني المحتمل في عالم متعدد الحضارات.” ص (505)

ويضيف أنه في عالم متعدد الحضارات فإن “المسار البناء هو التخلي عن العالمية وقبول التنوع والبحث عن العوامل المشتركة.” ص (516)

والبديل عن صدام الحضارات لديه هو العمل بموجب ثلاثة قوانين

الأول: قانون الامتناع : أن تمتنع دول المركز عن التدخل في صراعات داخل الحضارات الأخرى .

الثاني: قانون الوساطة المشتركة: أن تتفاوض دول المركز مع بعضها الآخر لاحتواء ولإيقاف حروب خطوط التقسيم الحضاري بين دول أو جماعات داخل حضارتها .

الثالث: قانون العوامل المشتركة: لا بد أن تبحث شعوب جميع الحضارات عن تلك القيم والمؤسسات والممارسات المشتركة بينهم وبين شعوب الحضارات الأخرى وأن تقوم بتوسيعها.

من أهم محاور الكتاب أيضا هو رصده للصراع بين الإسلام والمسيحية على مدى قرون عديدة عبر التاريخ، ومعالجته للصحوة الإسلامية الحالية، من جيش محمد في أندونسيا إلى نيجيريا والشيشان والبلدان العربية، وتحذيره الغرب من التدخل بشؤون المسلمين على طريقة أمريكا والتي ستدفع نحو الصدام، وهو ما قرأه هينتغتون بعيني نبيّ، حيث وقع الصدام في قلب أمريكا أوائل هذا القرن بعد سنوات معدودة من صدور كتابه .

مع ذلك يتهمه أمثال قانصوه بأنه يروّج للأصولية الإسلامية، مع أنّه دعا في كتابه لقطع الطريق عليها بإقامة نظام عالمي جديد يقوم على الحوار بين الحضارات، عنوانه مجلس أمن جديد تكون فيه الحضارة الإسلامية ممثلة بدولة مركزية أو أكثر تتمتّع بحقّ الفيتو فيه !!!

المفكر برهان غليون يرى أنّ فكرتي صراع الحضارات وحوارها معا ليستا فكرتين علميتين، وإنما فكرتان إيديولوجيتان تسعيان بالنسبة للأولى إلى تبرير وإضفاء الشرعية على نزوع أمريكا إلى إعادة ترتيب العالم على أساس ترسيخ سيطرتها الأحادية وكسر مقاومة العالم العربي والإسلامي ) كما جاء في كتابه ص 81، على أنّ اتهامه للكاتب الأمريكي ينطلق من أرضية أيديولوجية أكثر مما هي أرضية علمية، ولو غلب العلم على الأيديولوجيا لرأى الكثير من الجوانب المشتركة بينهما وخاصة دعوة كل منهما إلى نظام عالمي جديد يريده غليون كما جاء في كتابه ص52. والسؤال المطروح علينا في مواجهة العولمة في السنوات القادمة هو: هل سننجح في بلورة إستراتيجية ليست خاضعة بالمطلق لمنطق السوق والربح؟ وبالتالي هل سيكون الفاعلون الرئيسيون في إستراتيجية العولمة مستعدين لأخذ مصالح جميع المجتمعات بالاعتبار وفي التعامل مع أبناء الجنس البشري كأعضاء في جماعة واحدة، أم أننا سنذهب إلى حروب طاحنة لا نهاية لها.

وباختصار، فإنّ تجنّب حروب رئيسية بين الحضارات في الحقبة القادمة يتطلب أن تحجم دول المركز عن التدخل في صراعات الحضارات الأخرى. وسوف تجد بعض الدول بلا شك صعوبة في قبول هذه الحقيقة. وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية .

في الحقبة الناشئة صدام الحضارات هو الخطر الأكثر تهديدا للسلام العالمي ، والضمان الأكيد ضد حرب عالمية هو نظام عالمي يقوم على الحضارات.

ترى متى ينظر مفكرونا في الشرق العربي والإسلامي نظرة موضوعية لتراث وتاريخ وحضارة أمريكا والغرب نظرة موضوعية يجعلها تتكامل مع ثقافة وتراث وحضارة الشعوب في العالم؟ وهو ما يخدم قضايانا العربية والإسلامية أكثر بكثير من العزف على وتر الصراع الذي ساد بينهما في الماضي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق