بين سلطة الوصاد وتيه الفراغ الباب: شفرة النجاة

 الأماكن الموصدة تستولد هيئات  الرهبة، وأشكالاً من الرعب، وتتقوّس  داخلها الفراغات الحبيسة، يتقوّس أيضاً خطّ الكلام، وشذا العطر، نبر الصوت، والحبّ المغيّب، ويستدير شكل الهواء المبهم،
وتتخذ الأوقات أشكالاً ممتلئة أقرب إلى الأورام المستديرة .
تلبث الذاكرة وحدها  في فراغ المغلقات متخذة خطها المستقيم الثابت المحدد بآليات الغياب: غياب الماضي الذي أضحى رمزاً وغياب أيّ حدث في الآن سوى (الحدث الحيويّ) للجسد الإنساني المحتجز بسلطة الوصاد..
 
تستولد مجرّات الأقواس المتعامدة داخل المغلقات توابع قوسية من أفكار ينضجها الصمت وتشويها العزلة، فتكبر وتتوتر ثم تعلو قوس الهدوء لتنفجر بكلّ رحيقها من الصور والكلمات والرموز والمعاني في صحراء الفراغ.  وفي المغلق تحدث انفجارات الأفكار انزياحا في المعاني، ويغدو السكون شائكا، وينكسر داخل المغلقات خط  الافتتان   بكلّ جميل – ويتزلزل المعنى فلا مسافة بين  البدء والمنتهى، وتتشوّش  جغرافيا الأمكنة  داخل المغلقات  يتقوس المستقيم، يستقيم القوس يتسطح الوعد على السفح والمنحدر ويميل المرتفع وتتشابك الجهات : انتحرت البوصلة ..

وفي المغلق توجه سلطة الوصاد استيهامات الكائن نحو العيش في تجريدات متلازمة، سواء  في الذاكرة أو المخيلة، إذا تنجدل الذاكرة والمخيلة في ضفيرة طوباوية من رموز وصور تنظم الوهم: ويعوم الكائن في بركة مفردات (.. كان حدث، صار، مر، مات وسوف وعسى، لو، ليت..) يلغي الحاضر في غمامة التخيلات الخادعة، ويؤجل كل توق ورغبة  ، ولا شيء يحدث، الحدوث الوحيد هو فعل الاستيهام- والفعل الحيوي داخل الجسد- لكن الجسد الماثل في الفراغ يظل معزولاً عن الفعل التواصلي  في الزمن- وراء حد المغلق.

وتفرض سلطة الوصاد على الكائن وضعاً خارجياً هو الحجز ووضعاً داخلياً هو التحلل في الركود، وتستولي الأقواس على حدود الجسد- جسده أو جسدها لتحيطه بهلام الخوف، وللخوف في المغلقات أفواه ماصّة كتلك التي لأخطبوط الأعماق.
ما الذي يؤول إليه الكائن المعرض للامتصاص والتحلل والذي لا ينجز لوجوده سوى استيهامات وتذكرات؟  فيتحول إلى مخلوق (رخويّ) عائم في سائل معاد لكينونته ..
الفلسفة الهندية قالت: (ذلك الذي يفهم لديه أجنحة) إذن الكائن المحصور المحجور في المغلق- بما إنه لا يحلق لانعدام الأجنحة فهو محروم من الفهم، ومحجوب عن الرؤيا وهو يكابد في معزله موتاً خاصاً لتوقف عملية الامتداد في المكان والزمان، رغم أنه يتوهم بوجود قناع وقاية يحميه من التسمم بالموت الخارجي المجاني وراء سور المغلق- .
(الاعتقال إنقاذ- ذلك معروف منذ باسكال) ريجبيس دوبريه: مذكرات بورجوازيّ صغير ..

المغلق ملاذ، المغلق محمية، المغلق لا يأخذ المرء إلى خطأ استراتيجي يفقده حياته، ولا تستبقي التحولات القوسية داخل المغلق أية صيغة مفتوحة سوى صيغة الحلم والذاكرة، فهي تغلق الكلمات والمقاطع والعبارات بمزدوجات وأقواس وعلامات، وتبتكر للمنافذ المادية وسائل الإيصاد، مزاليج، أقفالا، سلاسل أمانٍ منزلقة سقاطات محاور دوارة، عتبات مسننة، إغلاقا إلكترونيا تلقائيا، رزّات غير مرئية تحرس استسلام الكائن لاشتراطات الوصاد.
 
وتتضامن في المغلق سلطة الحجارة والأسمنت والمعادن مع سلطة الرعب والحذر والاستسلام لتعزز سلطة الحجر والغلق والحجز.
وفي المغلقات تتقاطع توهّجات الوعي مع أقواس الرعب فتتوالد أسراب من الكلمات في رأس الكائن. يتحول العالم الداخلي إلى صور ورموز، بعضها من خزين الذاكرة وأقلها من نتاج الحلم، والعالم الخارجيّ يمضي بسرعة ضوئية نحو (المستقبل) الزمان والمكان الآخر.
لبعض الغرف المغلقة زوائد مكانية- تبرز في الفراغ الخارجي  لتشكل  (شرفات- إطلالات- مراصد) تحجبها مشبكات أو مظلات أو مشربيات  أو شناشيل- لها نسق زينة وزخارف تحجب وتحجز، وتطل وتطلق، تتيح للهواء والكلمات والروائح تسللاً وعبوراً وانتشاراً، أما الكائن- الجسد- فيبقى رهن مغلقه.
في بلاد المغلقات المتسلسلة يستسلم البعض من شاغلي المغلقات لفكرة القبول بالقدر وتسمية
التحمل ( تضحية) ويعلنون الرضا بأقدارهم، وتترسخ  في نفوسهم  الاستكانة والقنوط..
غرف أخرى من طراز المغلقات تتكور في تقوساتها وتستدير وتستحيل كواكب عزلة لها مدارات جدي وسرطان وخطّ انزواء وقطب تنافر وتباعد وفي داخلها الشاغلون صفائح دمهم على قوس من التضحية والتنازل متسارع يبلغ حضيضه عند مقام (الرضا بما يريد القضا).
 تقترح  بعض المغلقات للكائن عزلة متشددة و تطرفاً في- المنع- فلا تعود عندها تمثل حصناً دفاعياً بل زمن يباب ومقتربات غروب وتحريما للتماسّ وإلغاء لرعشة الجسد، وتأجيلا للمواصلة  وتمتصّ المغلقات الأصوات والكلام واللغات، وتكبح تدفق الصبوات والرغاب فيتكثف كل شيء في أعماق الكائن، ولا تنبثق  من الحركة الحيوية المحدودة في الحيز المسور سوى  حالة الكتمان والسكون والتراخي- الاستسلام، وتكرس المغلقات فراغاتها الشحيحة لتكون مضاداً لحيوية البوح  والتلقي وتبادل الأفكار والخبرات..
 المغلقات ليست حصوناً مشادة لأغراض الاحتماء ، فهي أشبه بصحارى صغيرة تعجز حتى عن استيلاد وهم السراب، كل شيء فيها يفضي إلى جدار، البحث، الصوت الرغبة.
 
يدعي البعض أن المغلقات توفر في جغرافيتها نوعاً من أمان لشاغليها، لكنه أمان تثقله المحددات وتحكمه سلطة الوصاد، ويسوغون سلطة المغلق بدفاعه عن الكائن ضد الهجمات الخارجية واختراقات ( العدو) ،
 تتدبر المغلقات أمر الكائن بأسلوب رواقيّ، فلا يعود مباليا، بما هو فيه، إذ  يتقبّل  قدره ويرضى بسلطة تدير حياته الوجهة التي تشاء، وليس له  أن يجزع   فالسعادة لا تنتجها المتع وإنما   تأتي من قبوله بالقدر !!
وعندئذ يتصدى الكائن إلى  ملاذ منسوج من الأحلام يستوفي فيه مسراته ويبتكر عبره أبوابا
ومجازية ونوافذ  وشرفات في نزهة  حلمية مراوغة كما يدعوها كارل يونغ   فيصنع   أقفالا  مطواعة ومفاتيح ويطفو في ممرّات ومتاهات ويرى مشاهد متطرفة، تشير إلى غلوّ في الرغبة وغلوّ في الحركة:
( يرى أجسادا محط رغبة مستثارة،  يرى سلال ثمار تقترح رفاهاً شهيا، وثياب حرير وموسلين تقترح ترفاً محرّماً، ويشمّ عطور مسك وراتنج صنوبريات تقترح انجذاباً وغواية) وفي الحلم تؤجل النهايات، ويكتفي الكائن بالزمن السائل بديلا   للحاضر المسجون، يؤجّل حكم العزلة والحجر، وبالتالي يرجئ فعل الفناء مقابل غياب الباب والمعبر إلى الخارج- الآخر- إلى المرآة التي يرى فيها الكائن نفسه منعكساً في (البرزخ) ما بين الجسد والصورة (حسب وصف محيي الدين بن عربي)
جغرافيا الأمكنة المفتوحة.

نفي القاعدة:

الوقت يزاول   مهنة اصطيادنا، اتساع الغابة ليس هو المبتغى في الرحلة البشرية، ولا هو علامة الأمل، إنما المنشود في النهاية هو الملاذ- الكوخ- المأوى- دفؤه، محدوديته، هذا الذي سنعثر عليه بعد التجوال في مجاهل الظلمات الغابية وطرقها المضاءة وآيات جمالها وشجرها الألفي، ومخاطرها المباغتة.
الجدران في الملاذ لن تكون مطلبنا لبلوغ  الأمان، إنّ ما ننشده حقاً هو (الباب) الذي يحدّد لنا معنى الفعل والحركة في الاتجاه المتعارض: الخروج والدخول، ويمنحنا أهمية أن نكون “مع” أو “في” أو “وراء” أو “أمام” “داخل” أو “خارج” فالباب غاية تفضي إلى  معالجة  سلطة الوصاد  والتعامل مع المغلق والمفتوح، ففي الاتساع المفزع للمساحات الفراغية تصبح المسميات: الوراء والأمام والشمال والجنوب  لغة بلاغة منسية لجهات ملتبسة.
لا يحدث شيء في الفراغ ولا يقاس شيء، لن يكون حاضراً سوى الكائن المستوحد- الذي سيحلم بباب يدخل ويخرج منه إلى حاضر أو آت إلى أمام أو وراء.. يصبح الباب رؤيا الكائن وحلمه  كل لحظة وبقدر ما ينعشه امتداد الفراغ بقدر ما يضلله العماء الكبير فيه والتشوش المتحقق من انعدام الحدّ والخطّ والفاصل. ففي المغلق والمفتوح يكابد الكائن معضلات متشابهة فالباب يصبح ضرورة في الفراغ كما هو في المغلق لكي يتخذ الكائن والمكان حجماً ولكي يسبغ اجتيازه على الحركة اتجاهاً ومعنى وهدفاً. الباب هو حدّ الوصول والاتصال، وبدء الخطوة إلى الخارج ومثيلتها إلى الداخل. وهو  مضادّ المغلقات ونقيض الفراغ اللانهائي، وانعدامه بداية (رعب) في المكان المغلق المسوّر وعلامة ضياع في الفراغ المفتوح على اللانهائيّ.
 
الباب نقيض العزلة. العزلة تنفي التواصل، الباب يدحض الرعب في المغلق ويمنع التيه في المفتوح وهو الذي يأخذ الكائن إلى الـ( هنا )  والـ( هناك) الغامضة  يأخذه ليعرف ويكتشف ويتعرض للعاصفة والجمر والثلج  ويدرك كيف يكون التضاد والتعارض والتقابل فيميز صوت الآخر وحجمه ورائحته. فبدون ذلك (الآخر) وراء الباب أو أمامه لا يعرف الكائن ما يتعذّر قياسه في المغلق.
عندما يرغم  الكائن على عزلة المغلق – في سجن أو بلد ذي سلطة قامعة دينية كانت أو سياسية – ويخرج منها إلى ما يشبه المتاهة، تفاجئه مقاييس تعلن درجات الزلزلة ومديات البعد، وحجم الضجيج، ومعدل السرعة، يجد نفسه غريباً عن سياقات التسارع والمتغيرات، لكنه يدرك أنّ المتاهة ليست وسيلته إلى المستقبل، والكلمات المتاحة لا تملك مفاتيح لأسرار الكون، إنما الكلمات التي تأخذ حيرة الكائن إلى المعرفة وتملأ فراغ العدم بالمعاني.

الباب مغلقاً أو مفتوحاً ضرورة، فوراء الباب وأمامه تكمن مفاجآت، كشوفات وربما كنز، ويتخذ الباب رهافة الحدّ القاطع  الذي يفصل بين الانطفاء في المغلق والتوهج خارجه، بين الرماد والجمر ويحدث هذا في المغلق والمفتوح بالطريقة ذاتها. 
الباب موصداً يحقن الخيال الحلمي بمحفزات، الباب مفتوحاً يمنح جسد الكائن حيزاً جديداً في الفراغ- امتلاك مكان وزمان آخرين، ومن دون الباب يتساوى الفراغ ونقيضه.
إذن نفي القاعدة هو الكشف عن تناقض أهدافنا فنحن نبحث في الاتساع اللا نهائي عن باب وفي الغابة وغموضها عن مأوى..
المغلق والمفتوح ينهضان فنياً، ومن داخلنا، ونحن ننحت أطر الأبواب والنوافذ لنطلق رؤانا ونحلم ونوجد في حقول الدهشة والغرابة- وبعدها نكتب أو نرسم أو نغنّي، أو نخوض تجربة الإبداع التأمّليّ.

إنّ ابتكار باب مغلق أو مفتوح في جدران أربعة أو سور دائري، في فراغ أو غابة أو كلام ينجز ترسيم الحدود بين آليات الحجر والتيه، والباب هنا يُشخّصُ باعتباره شفرة سحرية تمتد بين (ذاكرة مهيجة) في محدودية المغلق وأسواره، وبين مخيلة جامحة في الفراغ الحرّ المفتوح، نحن نبحث عن الباب في السور والباب في الفراغ والباب في النصّ حيث نعثر عليه من خلال التأويل والتفكيك، نغلق ونفتح مغلقات وانفتاحات متتالية في اجتيازنا الأبواب إلى جهات جديدة ومن مناطق موصدة نبتدعها ويبتدعها لنا الآخر، ويبقى الباب سرّنا، وشفرتنا، وهدفنا- لتحقيق الرؤى والوصول، أو الدخول في مغلقات جديدة تطبق علينا أبوابها وتحجزنا لكي تدفعنا إلى ابتكار أبواب جديدة حتى تصبح غاياتنا: أبواباً وثغرات في كل سور وفي كل مغلق أو فراغ مفتوح. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق