بين عنف القراءة والنص المخطوف / بشير عيسى

يمكن اعتبار حرية الاعتقاد، المدخل الأساسي لاحترام الإنسان ككائن مستقل بذاته، بغض النظر عن الهوية التي تشكله أو التي ستشكله. فله ملء الحق في حرية التفكير والاختيار، بعيداً من منطق الفرض والإلزام المسبوق بخلفية عنصرية تفرز العالم بين الأصيل والهجين، أو الأخيار والأشرار. وهو فرز يأخذ شكل المطلق والبديهي، حيث الحوار يأخذ طابع المنازلة عبر مفهوم “الغلبة”.

هذا الفهم، هو إنتاج فكر لم يتعوّد أن يرى ويقرأ بقدر ما تعوّد أن يقرأ ليبلّغ، باعتبار أنه فوق التاريخ وفوق مستوى العقل البشري. من هنا يعتبر “العقل الديني” نفسه صاحب الشرعية الوحيد والأوحد في تملك الحقيقة، مُدخِلا العقل ذاته في غيبوبة، بعدما اكتفى بتفسير كل حرف وكلمة خدمةً لنصه المغلق، الذي لا ينفتح، إلا على ذاته، مستبعداً كل نص آخر، باعتبار أنه ناسخ لكل النصوص والشرائع، حيث تقاس قيمة الأفكار والأفراد والجماعات بمدى اقترابها من ذلك “المقدس” أو ابتعادها عنه.

هذا التفسير الكلياني أنتج خطابا أكثر يقينيةً وقداسة، على اعتبار أنه الوصي الشرعي لنص بات مصادَراً لا بل مخطوفاً لديه، إذ من دونه تصبح القراءة زائفة، إن لم نقل باطلة.

فالخطاب الذي قام بقراءة النص، كان استحواذيا، بحيث سدّ المنافذ والسبل أمام أي إيحاء أو احتمال من شأنه أن يترك المجال لخطاب آخر أو قراءات أخرى، يدخل معها في جدل حقيقي قد يؤسس لفهم جديد للمعنى.

ما حدث هو العكس تماماً، فقد تم تكريسه كلازمة لا تقبل الفصل عنه، مسنوداً بسلطة تقوم على حمايته، لأنه يمدها بمشروعية البقاء بما هي عليه كسلطة.

من هنا جاءت إشكالية التعددية، من حيث تستمد ضمناً شرعيتها من النص، مما يعطيه أحقية الاعتراف بأنه تعددي و”حمّال أوجه”. غير أن كل قراءة أرادت احتكاره لها، فبات حبيس لغة فتحت أبوابه، لا لتحرره وإنما لتعيد احتلاله وتتملكه، لتعود الإشكالية إلى الخطاب، الذي أصبح مسكوناً بعنف القراءة، بعدما قدّم نفسه على أنه الطريق “الصواب”، لاغياً احتمال تشكيل المعنى وإنتاجه.

تعود مرةً أخرى قيمة الأفكار والأفراد والجماعات، فتقاس بمدى اقترابها ليس فحسب من النص، وإنما من الخطاب ايضاً، وبذلك تم اختزال تعددية الفكر الى الفكر الواحد “التوحيدي”، الذي أفضى بدوره الى الواحد “الوحدوي” الأكثر انكماشا وعصبية.

هنا يصبح آخر الداخل أشد خصومة من آخر الخارج، كونه ينازعه سلطة امتلاك النص، والتي تفضي بدورها الى “المرجعية” في السلطة، ليصير الحوار حول التلاقي واحترام الاختلاف تصادمياً إلغائياً، يقوم على تقاسم السلطات. بذلك تفقد التعددية دورها في إغناء المجتمع كونها تفتقر الى الحرية، حيث لا حرية مع المقدس. فهي تسلطية على نفسها كما هي على الآخرين، ما يمنعها من التواصل والاندماج ويبقيها مصدراً للخلاف والفرقة، وذلك لطبيعتها المنغلقة على مكوّناتها، متماهيةً مع تاريخها من خلال سياسة قطع مع آخر الداخل، لتمنع كل تفاعل حقيقي من شأنه أن يؤسس لحراك مجتمعي يفتح بدوره المجال لظهور أحزاب ومؤسسات مدنية فاعلة تخرجها من المسلّم والمألوف.

واقع الأمر يجعل كل حركة تغيير بمثابة “المروق”، الذي قد يؤول الى الانتحار الوجودي بشقيه المعرفي والحيوي.

ضمن هذا السياق، نرى أن المدخل الأساسي لاحترام حرية الاعتقاد هو ممارسة الحرية الدينية بعيداً من منطق العنف والإلغاء، حتى تكون الطائفة بعيدةً عن الطائفية، تاركين مسألة “الهداية” و”الضلال” لله وحده. تتحول الطائفة من كونها عامل ضعف الى عامل إغناء، من شأنه أن يحرر العقل من مكبوته وخوفه، فيعيد إنتاج خطابه التعددي بدلاً من خطابها الواحدي الشمولي المسكون بالغرائز والعصبية، والذي يصنف فيه البشر تبعاً لأجناسهم وانتماءاتهم، واضعاً ذاته فوق الجميع معتبراً نفسه أصيلاً والآخر هجيناً، معتمداً على منطق كثرته في الكم لا في النوع، كما هي حال الديموقراطية الطارئة لديه بمفهومها العددي لا التعددي.

من غير الممكن حل المشكلات عبر القفز من فوقها، على اعتبارها “تابو” لا يمكن المساس به لحساسيته المجتمعية والتاريخية. الحل في مواجهة هذه المشكلات والغوص في عمقها وتبيان مواضع الخلل فيها، من ثم وضع الحلول المناسبة بجرأة وشفافية، من خلال قراءة نقدية لخطابنا الديني- السياسي لنصل في نهاية المطاف الى مفهوم دولة المواطنة بدلاً من “دولة الملة” مبعدين الدين عن السياسة والنظر الى الإنسان بوصفه قيمة مادية وأخلاقية ■

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق