بين مُعاين الدمار ومُكابده: في مديح الأنانية والانتهازية

في ندوة ضمت عدداَ من المثقفين والفنانين من انحاء العالم، نظمتها “دوكيمنتا”، وعقدت في فيينا عاصمة النمسا، قال الروائي اللبناني حسن داوود ان الأصدقاء الذين زاروا لبنان في الفترة التي أعقبت حرب تموز (يوليو) كانوا يصرون على زيارة مناطق الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية وفي الجنوب والبقاع اللبنانيين، لكنه لم يكن يستطيع أن يرافقهم في تلك الزيارات. ذلك أنه كان يشعر أنه عاش الدمار نفسه وليس ثمة ضرورة لمشاهدته. فالمشاهدة في هذا المعنى لا تفعل أكثر من تأزيم العيش المضطرب أصلاً.

لم ينطق حسن داوود بلسان شخصي على الأرجح. إذ بدا في تلك اللحظات الكالحة من أيام بيروت، أن مجاورة الحرب في المعنى والنتيجة والآثار المادية والثقافية على حد سواء، تجعل أمر معاينة الدمار ثقيلة الوطأة على من وضعته المصادفات في جوار هذا الخراب. إذ لا تفعل المعاينة أكثر من التوثيق الأعمى للكارثة المحسوسة والمدركة والمستشعَرة.

لكنني أحسب أن ثمة فارقاً آخر يجدر بنا التنبه له بين المهتمين والمتحمسين لقضايانا نحن اللبنانيين، أو الإيرانيين أو الفلسطينيين أو العراقيين، وأهل هذه البلاد نفسها، أي الذين يقع عليهم عبء إزالة آثار الفجائع في صورة رئيسية. هذا الفارق مكاني في الدرجة الأولى ومن جهتين على الأقل، وثمة آثار تترتب على ارتباط هذا الفارق باختلاف الأمكنة.

ينجم عن اختلاف المكان بين المقيم في بيروت أثناء الحرب الاخيرة والمقيم في نيويورك تفاوت في استعمال الحواس، فمنذ البداية كان المشهد الذي يشاهده المقيم في نيويورك على شاشة التلفزيون هو إعادة للمشهد الصوتي والبصري الذي يختبره المقيم في بيروت قبل عرض المشهد على الشاشات بوقت طويل، وتزيد الحروب من طوله. ذلك أن دوي القصف دليل على موت أو دمار حصل، لكن معرفة حجم الدمار وهويات القتلى تتأخر بالنسبة للمقيم في بيروت ساعات طويلة ليتسنى للصحافيين حصر آثار ما جرى وجمْعها في تقرير يبث للمقيم في نيويورك وبيروت في الوقت نفسه على حد سواء. ويجدر بهذا الفارق الزمني بين الحدثين، حدث القصف وحدث البث، أن يؤخذ في الاعتبار جيداً. ذلك ان هذا الحدث بالنسبة للمقيم في بيروت حدثان، واحد مبهم وغامض وآخر واضح ويوثق ما جرى.

الحدث المبهم بالنسبة للمقيم في بيروت هو الحدث المحزن. أي أن المقيم في بيروت في زمن الحرب يخاف ويحزن حين يقع القصف، لكنه حين يشاهد الموتى وأمكنة الدمار يدرك أنه نجا، وهو في هذا الإدراك لا يخفي شعوراً بالفرح لأن القذيفة استهدفت احداً سواه، وسوى من يعرفهم. بخلاف المقيم في نيويورك الذي يحزن على القتلى حزناً خالصاً لا تشوبه شائبة من أي نوع وخصوصاً من المشاعر الأنانية التي تبدو من اختصاص الناجين في كل زمن. هذا الحزن الخالص من كل شائبة يجعل المرء يعيش قضيته من دون تبكيت ضمير، وبقدر من الشجاعة والنزاهة لا يتمتع بهما من يعيش تحت القصف. وفي التمتع بداهة بهذه الصفات ما يردنا قليلاً إلى “محاكمة رودولف إيخمان” لحنة ارندت، حيث لم تتردد الناجية اليهودية، التي كانتها ارندت، في تثبيت مشاعر الأنانية والانتهازية التي تضرب الضحايا في أي زمان ومكان. وتلك مشاعر ينبغي ـن تؤخذ على محمل الجد، ذلك أن شجاعة الضحية أمر يشبه التسليم أكثر مما يشبه الإقدام والمغامرة.

والحال أن تميز المرء بالشجاعة في حال كهذه يعني انفصاله انفصالاً تاماً وكاملاً عن الضحايا ووقوعه في موقع آخر تماماً. ويستوي في هذا الحكم السيد حسن نصرالله وباتريك سيل على نحو لا تفريق فيه. فحسن نصرالله يبقى تحت القصف شجاعاً وصامداً ما دام يرى موقعه مختلفاً عن موقع الضحية، فهو مقاتل ومدافع أولاً وهو منتصر أو ساع للنصر في أقل تقدير، ومستعد لتحمل الكلفة الناجمة عن مثل هذه الحرب، بخلاف الضحايا الذين ما كانوا يريدون الموت ولا فقد أحبائهم. من جهته، يقع باتريك سيل أيضاً في موقع من يستطيع أن يكون شجاعاً وحزيناً على الضحايا لأنه لا يجد سبباً لأن يكون انتهازياً وأنانياً كالضحايا انفسهم.

والحق انني في هذه المعادلة الجائرة انحاز لكوني انتهازياً وأنانياً اكثر من تطلبي الشجاعة والحزن الخالص. وعليه، ليس في وسعي أن أحزن على صدام حسين مشنوقاً وليس في وسعي أن أتخذ موقفاً شجاعاً في الاعتراض على موته ورثائه كما يفعل السيد عبد الباري عطوان المقيم هو الآخر في لندن شأن باتريك سيل، على ما أظن، لأن ذلك من حق العراقيين الذي لا يشاركون فيه أحد، فهم من يسامح وهم من يدين. ويكفي أن يستطيع صدام حسين التحلي بهذه الشجاعة لحظة شنقه لنضع علامات استفهام كثيرة وكبيرة على القيمة التي نوليها للشجاعة والأسباب التي تدعونا لإعلائها على سائر القيم.

وعلى ما سبق وتبيّنّا، ليست الشجاعة هي القيمة الوحيدة التي ينبغي علينا إعادة تصنيفها، فالحزن الخالص من كل ما يشوبه أيضاً يبدو لي، منذ ان قرأت نيتشه على أقل تقدير، نوعاً من المتعة السلطوية المنتشية التي تجعل الفارق بين الحزين والمحزون عليه هائلاً إلى درجة يصعب ردم الهوة بينهما. وهذا كله يتعلق بالوجه الأول لمترتبات اختلاف المكان بين المقيم في نيويورك والمقيم في بيروت زمن الحرب.

اما الوجه الثاني، فقد يكون أكثر عمقاً بكثير بحيث يبدو الإفصاح عنه شائكاً أكثر مما نتوقع. وقد يكون متعلقاً بأوهام السلطات كلها، والصحافة في مقدمها، من حيث قدرتها على الاختزال والانتقاء والازدراء والتجاهل. فأن يشاهد المرء أحياء برمتها سوية الأرض في مدينة عمودية كبيروت، فذلك يعني أن المشاهد الزائر والمقيم هنا في بيروت يقفان في مكانين مختلفين ولا قنوات اتصال بينهما من أي نوع، إلا إذا افترضنا أن الفضلات قادرة على أن تكون وصلات جيدة في الاجتماع الحديث. هذه الأحياء التي دكت وسويت بالأرض تضم تحت ركامها وسائد وأسرة وسرائر وأسرارا وصوراً وكتباً وروائح ومخادع ومهاجع. ومع تسويتها بالأرض يكون أهلها قد دفنوا تحت الركام بعض حياتهم. ومنذ تلك اللحظة التي دكت فيها الطائرات تلك المباني بات الناجون من سكانها يملكون جزءاً من حياة غير منظورة وغير مؤرشفة وغير مصورة. شطر أساسي من هذه الحيوات بات بعيداً عن متناول الكاميرات وسجلات الرقابة وأرشيف المحاكم. بات خارج أي سلطة ممكنة، بما فيها سلطة حفريات المعرفة، ولم يعد ثمة سبيل لإدراجها ضمن المدونات والقيود والأرشيف، سواء في ذلك الأرشيف المصور الذي ينبشه بتأن أكرم الزعتري من تحت الأشجار أم ذلك الذي تبحث مجلى ناشيونال جيوغرافيك عن مسكته وبلغته. الأمر أشبه ما يكون بتحول الناس إلى جرذان بالمعنى الحرفي. ذلك أن الجرذان بين الكائنات المعروفة لنا نحن البشر هي الكائنات الأقرب، من حيث الجوار للإنسان، لكنها الأكثر تكتماً على أحوالها وسبل عيشها وأسرارها، إذا جاز لنا ان نحملها اسراراً. حياة الجرذان تقع خارج كاميرات الرقابة وهي عصية على ضبطها بالقيود والسجلات. والخيط الذي يصلها بالناس يتصل اتصالاً مباشراً بالفضلات.

والحال أن الحرب انشأت للمقيمين في بيروت عالماً تحت أرضي غير قابل للحصر والمراقبة، وهو تالياً يخرج عن اختصاص دعاة المحافظة على البيئة بالدرجة نفسها التي يخرج فيها عن اختصاص محترفي اليسار في بلاد الله الآمنة. لذلك، لا يستقيم المعاين لمشاهد الدمار بمن دفن في العالم التحت أرضي بعض حياته في الموقع والموقف والمرتبة. فالمعاين انما يقبض على مشهد عام وسطحي ويتخذ مواقفه اعتماداً على عماء العين لا على إبصارها. ذلك أن الركام يحث على الظن والتخمين ويُعجز معاينيه عن التوثيق والتدقيق. وكل توثيق وتدقيق في هذه الحال بارد كبرودة الأرقام التي تصدرها منظمات الأمم المتحدة. جل ما يستطيعه المعاين لا يتعدى القول: إن كلفة إعادة الإعمار تبلغ كذا وكذا، وان عدد العائلات التي شردها القصف ودمر اجتماعها يبلغ كيت وكيت، وهو إن أحسن وأنعم، يستطيع أن يخمن ويتصور أن ثمة لحظات سعيدة وأخرى تعيسة لا بد وأن يكون ساكنو هذه البيوت قد اختبروها، قبل أن تدمرها آلة الحرب. لكنه لن يستطيع أن يحدس ـن جامع تذكارات من مدن العالم كلها كان يسكن في إحدى تلك الشقق وأن متحفه الشخصي الذي جمعه من تلك المدن لا يمكن تعويضه على أي نحو كان. هذا ما دفن وهذا ما بقي: المدفون هو هذه الحياة التي تعصى على التدوين، والباقي هو الركام الذي تحول إلى سطح فوق أرضي تُبنى فوقه ـالزائرين ومواقفهم على حد سواء. جل ما يستطيعه هؤلاء الزائرون طيبو القلوب وأنقياء السريرة أن يجعلوا من السلم الذي يعقب هذا الدمار جائزة الناجين وتعويضهم عما فقدوه. وبكلام آخر ان يبدأ الناجون حياتهم من دون ماضيها، ليبدأوا تدوينها على صفحة بيضاء ناصعة.

إذن، ثمة ما يخفيه الركام تحته. أمور شتى هي في طبيعة الحال أكثر تبليغاً مما يقع خلف المشهد المعاين. فالتقنية التي تدعونا الصورة، اي صورة، إلى تبنيها في قراءة ما يقع خلفها، لا تكف عن جعل الصورة نفسها مرجعاً. بمعنى أن صورة البيت تلزمنا بالتخمين أن حياة ما كانت تجري في داخله، أن هذه الحياة على وجه العموم تشبه أي حياة اخرى. وكذلك فإن صورة الموديل العاري في اللوحة أو في الصورة تلزمنا بقراءة شهوات الجسم المضطجع ورغباته. لكنها لا تحيلنا إلى تعبه وهرمه وشيخوخته وموته في ما بعد. والحق أن عاريات روبنز ورينوار وغويا متن جميعاً وتحللت عظامهن لكنهن بقين في اللوحات بلا أسماء ولا سير ولا قصص. ذلك أن موضوع الفن وموديله بدا على الدوام فانياً وزائلاً أو هو في أضعف تقدير أقصر عمراً من العمل الفني نفسه الذي يطمح إلى الخلود. وبمرور الزمن لم يبق من هاته الموديلات إلا تلك اللحظات التي اضطجعن فيها أمام عين الرسام، مما يجعل الفن قطعاً قسرياً لسياق له ما قبل وما بعد، ويلزمنا ـن نقرأ تاريخ الموديلات انطلاقاً من لحظة الاضطجاع حكماً وليس من اللحظة التي سبقتها.

ومعاين الدمار المتضامن مع الضحايا، والحزين عليهم والذي يتخذ بمناصرته لهم موقفاً شجاعاً، يريد، أقله لتكون حجته اقوى، أن يباشر هؤلاء الضحايا تاريخهم من لحظة وقوع الفاجعة. أي أن يلزمهم بموقع المجروح والميت والمفجوع ليتسنى له أن يدافع عن قضيتهم في أقصى لحظات تجليها فظاظة وقسوة. وبهذا تكون محرقة النازيين في حق اليهود لحظة العالم الشجاعة والحزينة، وإقطاعهم أرض الميعاد جائزتهم التي يفترض بها أن تطمس ما قبل المحرقة لدى الطرفين. فالمحرقة في نهاية المطاف تضطلع بمهمة مسح ما سبقها من تعذيب وملاحقات وتمييز عرقي وديني في حق اليهود من جهة الأوروبيين، وتؤدي دور خاتمة الأحزان بالنسبة لليهود أنفسهم. لهذا يبدو كل اعتداء على اليهود في فلسطين بعد المحرقة في الفكر الأوروبي جريمة لا تغتفر. الحال التي تتيح لليهود أنفسهم اضطهاد غيرهم وتشريدهم بدعوى أن محرقة هؤلاء لما تحدث بعد، وتالياً فإن حقهم في أن يكونوا ضحايا نموذجيين، بلا تاريخ سابق على المحرقة لمّا يصل إلى نقطة استوائه بعد. لهذا لا يرى حزانى اليسار العالمي وشجعانه بداً من تعريض الشعوب التي يدافعون عنها لمحارق صغيرة ليتسنى لهم الدفاع عن هذه الشعوب على أكمل وجه.

تستند على هذه الخلفية النظرية بعض أعمال ونشاطات المتضامنين مع الشعب اللبناني وشعوب العالم الثالث عموماً، وفي مناقشات “دوكيمنتا” التي جرت في فيينا كان ثمة ممثلين لهذه الوجهة حسني الطوية، وبعضهم دافع طويلاً عن انتماء ملتو للعالم الثالث ودفاع عن قضاياه ما كان ليتم بهذه الطريقة لولا أنهم عادوا إلى عالمثالثيتهم بعد تخل عنها. أي ـنهم عادوا عودة القادر على أن يكون شجاعاً وحزيناً وغاضباً بخلاف أقرانهم الذين ما زالوا انتهازيين وانانيين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق