بَغداد… عاد البَربَهاري حاكماً / رشيد الخيّون

كان أبو محمد البَربَهاري الحسن بن علي بن خلف (ت 329 هـ) رئيسَ الحنابلة ببغداد، لكن لا صلة لهم بالإمام أحمد بن حنبل البغدادي (ت 241 هـ)، سوى الاسم، فالإمام لم يجمع حوله عصابة، ولم يكسر الأبواب للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولم يؤلف ما يشبه الميليشيا تدور في الشَّوارع وتعتدي على النَّاس لتطبيق الحسبة عليهم، ولم يحاصر العلماء والمؤرخين مثلما حاصرت تلك الجماعة الإمام محمد بن جرير الطَّبري (ت 310 هـ)، ولما مات دُفن ليلاً خشيةً العبث بجنازته (مسكويه، تجارب الأمم).

 

لقد عانت بغداد الكثير مِنْ تسلط أشباه البَربَهاريين المتشددين -النِّسبة إلى أدوية البَربَهار الهندية (الفرَّاء، طبقات الحنابلة)- عبر تاريخها، غير أنها ظلت ثابتة على هويتها المختلطة بقبول الثُّنائيات على ساحتها: النُّساك والفقهاء وأهل المرح والطَّرب والخيال، وها هي اليوم تُعاد عليها واحدة مِنْ أشد التَّجارب كونها تنطلق مِنْ السُّلطة، نرصدها عبر التَّطورات السَّريعة خلال الأسابيع الماضية لأسلمة بغداد وبابل والبصرة.

 

ألغى مجلس محافظة بابل الاحتفال الموسيقي، بعذر أن بابل محافظة إسلامية، وهي بادرة إلى الأسلمة وإخراج كلِّ المعنيين بالفن والموسيقى مِنْ الإسلام، بداية مِنْ الفارابي (ت 339 هـ) وإخوان الصَّفا (الرَّابع الهجري) إلى الفنانين المعاصرين. كذلك اتخذ مجلس محافظة البصرة قراراً بإلغاء مهرجان الغناء الشَّعبي الجنوبي بالعذر نفسه، وبهذا حُكم على أكبر فناني العِراق بأنهم خارج الإسلام، ويأتي في مقدمتهم الرائدان داخل حسن (ت 1985)، وحضيري أبو عزيز (ت 1972)، وهما مِنْ أهل النَّاصرية. بعد البصرة وبابل اتخذ مجلس محافظة بغداد قراراً بإغلاق النَّوادي، ومنها نادي اتحاد الأدباء، لأن بغداد مدينة إسلامية. أغلب أعضاء مجالس تلك المحافظات مِنْ "دولة القانون". ودعماً للقرار خرج على أهل بغداد محمود المشهداني، رئيس مجلس النُّواب السَّابق، وكان منتسباً لجماعة أُصولية، داعياً إلى الأسلمة، ومصرحاً بأن الإسلاميين حصلوا على السُّلطة ولن يعطوها، ونسي أن تلك السُّلطة كانت هبةً أميركية، ولولاها ما صار تقاعده 30 ألف دولار شهرياً.

 

بعدها أصدر وزير التَّربية والتَّعليم السَّابق الخزاعي، وهو مِنْ "حزب الدَّعوة"، أمراً شفهياً بعزل الطَّلبة والطَّالبات بمعهد الفنون الجميلة، الموسيقى والتَّمثيل تحديداً، واحتج المدرسون والطَّلبة على هذا الإجراء، لكن الأمر يبدو أبعد مِنْ هذا فهو التَّهيئة لإلغاء قسمي الموسيقى والتَّمثيل، إلا أن الوزير الجديد محمد تميم ألغى هذا القرار تحريرياً، والوزير المذكور مِنْ "القائمة العِراقية".

 

وحال تعيينه وزيراً للتَّعليم العالي والبحث العِلمي، التقى علي الأديب، قيادي في حزب الدَّعوة، بالمرجع الباكستاني، والمقيم بالنَّجف، بشير النَّجفي، وأوصاه الأخير، حسب راديو دجلة، بإلغاء الاختلاط في الجامعات، وهو وإن لم يُباشر بتنفيذ هذا الأمر الذَّي يُذكر كثيراً بولاية الفقيه، فإن زيارته حال تسلمه الوزارة للمرجع الدِّيني تُعد بحدِّ ذاتها بادرة نحو الأسلمة، وتكريساً لتلك الولاية.

 

آخرها أكد وزير العدل، وهو مِنْ "حزب الفضيلة" الإسلامي، حسن الشِّمري على حجاب الموظفات، وبعد الاحتجاج رد بالقول: أكدتُ على قرار سابق يوصي بالحشمة، ومعلوم ماذا يقصد الوزير بالحشمة، وهو غطاء الرَّأس وارتداء الجبة، أما الحشمة المطلوبة فملتزم بها ولا تحتاج إلى تأكيد الوزير.

 

عودة على بدئه، هناك تسمية للجماعات التي تأخذ على عاتقها أسلمة المجتمع، وتُنصب نفسها للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهي "المُهْرِجون"، وهو عنوان لكتاب الباحث سعود السَّرحان، جاء في مقدمته: "للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر تاريخ قديم، مرتبط بالسِّياسة وبالمجتمع، فهو شعار الثَّائرين بدءاً مِنْ الثُّوار على عثمان بن عفان، وليس انتهاءً بحركة طالبان في أفغانستان والمحاكم الإسلامية في الصُّومال، وبين هذه البداية وهذه اللانهاية تاريخ عريض مِنْ الحركات والثَّورات، التي اتخذت مِنْ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر شعاراً سياسياً مسوغاً لثَّوراتها". ولا تخرج حملة صدام حسين (أعدم 2006) الإيمانية مِنْ إطار"المُهْرِجون"، التي كان الإسلام السياسي العِراقي (الثَّوري آنذاك) ينتقدها، وبعد تمكنه مِنْ السُّلطة أخذ يعتمدها وينفذها. وصاحبنا البَربَهاري أحد رموزها في تاريخ بغداد.

 

كتب ابن الأثير (ت 630 هـ)، ما جاء تحت عنوان "فتنة الحنابلة ببغداد": "فيها (يقصد السَّنة 323 هـ) عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون مِنْ دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنيةً ضربوها وكسروا آلة الغِناء، واعترضوا في البيع والشِّراء، ومشي الرِّجال مع النِّساء والصِّبيان(أنظر ما أمر به المرجع النَّجفي)، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذَّي معه (انظر المحرم للنِّساء) مَنْ هو، لأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشُّرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأهرجوا بغداد" (الكامل في التَّاريخ). ومِنْ معاني الرَّهج: الشَّغب، والفتنة (القاموس المحيط).

 

بعد الفتنة والاشتراط على النَّاس في الطُّرقات والأسواق والمنازل أصدر الخليفة الرَّاضي بالله (ت 329 هـ) كتاباً منع به تسلط البَربَهاري وجماعته على رقاب البغداديين، ومحاولة فرض عقيدتهم عليهم، ولم يسلم مِنْ ذلك المسلمون مِنْ غير مذهبه، فما بالك بما كان يعانيه منهم أهل الأديان الأُخر، وبغداد مدينة مختلطة في كل شيء. اختفى البَربَهاري عن الأنظار، وقيل اعتقل ونُفيَ إلى البصرة. ومِنْ القرارات التي أُتخذت: "ألا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد" (تجارب الأمم). وهي معادلة لا تقبل التجزئة، مَنْ يقسو على المغني والموسيقي لا يرحم العِالم والفقيه، ومحنة الإمام الطَّبري مشهورة في التَّاريخ.

 

جاء في كتاب الرَّاضي: "لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم، ومعوج طريقتكم، ليوسعنكم ضرباً وتشريداً، وقتلاً وتبديداً، ويستعلمنَّ السَّيف في رقابكم، والنَّار في محالكم ومنازلكم، فليبلغ الشَّاهد منكم الغائب، فقد أعذر مَنْ أنذر، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب" (نفسه). ها هو التَّاريخ تُعاد حوادثه على بغداد، عاد البَربَهاري شيعياً لا حنبلياً، حاكماً لا محكوماً. وكان أملنا بالخليفة الرَّاضي، إن كان رئيس جمهورية أو رئيس وزارة بالكف عن أسلمة بغداد، لكن ما العمل والبَربهاري أحسبه جمع المنصبين!

 

ختاماً، قال العِراقيون عندما اجتمع وباء الطَّاعون مع حكم الحَجَّاج (ت 95 هـ) عليهم في سنة مِن السَّنوات: "لا يكون الطَّاعون والحَجَّاج" (ابن تغرى، النُّجوم الزَّاهرة)، ولنا القول: لا يكون الفساد وسوء الحال والبَربَهاري حاكماً!

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 19/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق