تأثيرات 11 سبتمبر على منظومة عمل الأمم المتحدة

{{ على سبيل التقدمة:}}

تنص المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن أحد الأهداف الرئيسية للأمم المتحدة تتمثل في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، إذ تنصّ هذه المادة على أنّ مقاصـد الأمـم المتحدة تشمل: “حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية، وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحلّ المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها…”، فضلا عن أهداف أخرى تضمّ إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس مبدأ التسوية بين الشعوب، وتحقيق التعاون الدولي على حلّ المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية.

وفي سبيل تحقيق تلك المقاصد حاول واضعو ميثاق الأمم المتحدة عند صياغته تجنّب العديد من المثالب التي اعتورت التنظيم الدولي في تجربة عصبة الأمم، لاسيما فيما يتعلق بفكرة الأمن الجماعي. ومن ثم نص ميثاق الأمم المتحدة على امتناع جميع أعضاء المنظمة عن استخدام، أو التهديد باستخدام القوة في علاقاتهم الدولية، كذلك أناط الميثاق بمجلس الأمن الدولي مهمّة تولّي تبعات اختلال الأمن والسلم الدوليين، وذلك وفقا لأحكام الفصل السابع من الميثاق والتي تجيز له استخدام القوّة عند الضرورة لإعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما.

إلا أن ظروف الحرب الباردة وما شهدته من تحول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية إلى متنافسين في الحرب الباردة، أدت إلى منع الأمم المتحدة عن الوصول لهدفها في تحقيق الأمن الجماعي، خاصة مع تحوّل مجلس الأمن الدولي إلى إحدى أدوات الصراع بين قطبي الحرب الباردة، وعجزه عن التصرف في النزاعات العديدة التي شهدها المجتمع الدولي بسبب إسراف أعضائه الدائمين في استخدام حقّ النقض “الفيتو”، ومن ثمّ فقد كان إعمال نظام الأمن الجماعي في مرحلة الحرب الباردة رهنا بمعطياتها التي فرضت العديد من القيود وحددت من فرص تفعيل هذا النظام في ظل حالة الاستقطاب التي سيطرت على أجواء العلاقات الدولية في ذلك الحين. إذ تعقّدت مهمّة “لجنة أركان الحرب” فلم تتمكن الدول الأعضاٍء من الاتفاق على كيفية وضع المادة 43 موضع التطبيق، بل إن اللجنة ذاتها تجمدت تماما وأضحت دون دور أو وظيفة تمارسها. وعليه، فقد نظام الأمن الجماعي في الأمم المتحدة أحد أركانه الرئيسية بعد أن حرم من الأداة التي تكفل له مواجهة العدوان على أسس وقواعد ثابتة ومؤسسية.

ويرى البعض أن عجز الأمم المتحدة عن تطبيق نظام الأمن الجماعي كان السبب وراء ابتكار نظام جديد لمواجهة الأزمات والصراعات المسلحة أطلق عليه “عمليات حفظ السلام”. وقصد بذلك التدابير التي اتخذتها الأمم المتحدة في محاولة تهدئة الصراعات والنزاعات السياسية الحادة، وكان من أبرز صورها: قوات حفظ السلام، والمراقبون الدوليون العسكريون، ومهمات المساعي الحميدة، بالإضافة إلى ممثلي الأمين العام في كل نزاع على حدة. واستند الأساس القانوني لعمل هذه العمليات على المادة 43 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تحث الدول الأعضاء في المنظمة على إبرام اتفاقيات مع مجلس الأمن الدولي لوضع وحدات من قواتها الوطنية تحت تصرف المجلس حتى يتسنى له التدخل عسكريا لمواجهة حالات العدوان. أي أن حفظ السلام فرضته الضرورة الناشئة عن فشل الأمم المتحدة في تأسيس قدرتها العسكرية الخاصة والاضطلاع بالمهام الموكولة إليها بموجب الميثاق في تحقيق الأمن الجماعي. ويتأكد ذلك في ضوء حقيقة أن ميثاق المنظمة الدولية خلا من الإشارة إلى عمليات لحفظ السلام.

وهناك ما يشبه الاتفاق على أن الأمن الجماعي قد شهد تطورا جديدا مع بداية القرن الواحد والعشرين بسبب تزايد أعداد الصراعات داخل الدول فضلا عن أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ أدت هذه الأحداث وما تلاها من تفاعلات على الساحة الدولية إلى تغيرات لا يمكن إغفال آثارها على المجتمع الدولي بصفة عامة وعلى طبيعة الرؤى المختلفة للأمم المتحدة كمنظمة دولية فوق قومية كما أراد لها البعض أن تكون، وكما تصور آخرون أنها سوف تكون بعد انتهاء الحرب الباردة بصفة خاصة، وفيما يلي محاولة لإلقاء الضوء على المتغيرات التي تركت آثارا، أو التي من المتوقع أن تكون لها آثار على عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.

{{قراءة في المتغيرات التي أثمرتها أحداث 11 سبتمبر:}}

يمكن إجمال أهمّ العوامل أو المتغيرات التي تركت آثارها على محددات عمل منظومة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فيما يلي:

{{ثبات انفراد الولايات المتحدة بقمة النظام العالمي}}

على الرغم من أن بعض حقائق النظام العالمي الجديد ليست مستجدة أو خاصة بمرحلة ما بعد 11 سبتمبر، إلا أنها أضحت أكثر وضوحا بسبب متغيرات تلك الفترة، فعلى سبيل المثال لا يعدّ الانفراد الأمريكي بقمة النظام العالمي ظاهرة جديدة، إذ يمكن القول إنّه واقع منذ ما بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا أن اهتمام الولايات المتحدة بقضايا محاربة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وطريقة التعامل معها جعل الولايات المتحدة تبدو أكثر بروزا كمهيمن على النظام العالمي. لقد كان السبب وراء عدم تقديم الولايات المتحدة الدعم الكامل لفكرة العمل الجمعي أو التعاون المؤسسي متعدد الأطراف على الساحة العالمية خلال التسعينات، هو أن العمل الجماعي في هذا السياق كان منصبا على أفكار من قبيل التدخل لأغراض إنسانية ومواجهة الحروب الأهلية، وهي أفكار لم تكن على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن جدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تكن معارضة لهذه التوجهات، أي أن الولايات المتحدة لم تكن تدعم هذا التوجه إلا أنها لم تعارضه، ومن ثم لم تثر أية عقبات تعرقل مسيرته واكتفت برفع يدها عنه، الأمر الذي جعل عمليات الأمم المتحدة تسير على النحو الذي أخذته خلال تلك الفترة.

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر اتجهت الولايات المتحدة إلى أن تجعل قائمة أولوياتها في قلب اهتمامات النظام العالمي، وفي ذلك فإن اهتمام الولايات المتحدة بالأمم المتحدة باعتبارها الهيئة السياسية العالمية الوحيدة التي تملك أدوات التحرك يعدّ اهتماما محدودا. وعلى الرغم من ترحيب الولايات المتحدة بإدانة المنظمة الدولية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر ودعمها حرب التحالف (بقيادة أمريكية) ضد أفغانستان، فقد تمت كل تحركات الولايات المتحدة المضادة للإرهاب ولأسلحة الدمار الشامل خارج إطار الأمم المتحدة. كما قامت الولايات المتحدة بنشر المزيد من القوات في العديد من دول العالم مثل كولومبيا وجيبوتي وكينيا وقيرغيزستان والفلبين وأوزباكستان واليمن وغيرها، على أساس ترتيبات ثنائية وليست جماعية أو من خلال الأمم المتحدة.

{{إعادة تعريف بعض الظواهر العالمية}}

نتيجة أحداث 11 سبتمبر أعيد تعريف بعض الظواهر على الساحة العالمية، أو بمعنى أدقّ، أعيدت تسميتها، فبسبب تغيّر الأجندة الأمريكية حلّ الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والدول الفاشلة (الرخوة)failed/ soft states محل التدخل لأغراض إنسانية والحروب الأهلية، على قائمة أولويات المجتمع الدولي. ومن ثم أعيد تعريف بعض الصراعات التي كان يتم التعامل معها من قبل كحروب أهلية إلى التعامل معها كحروب ضد الإرهاب العالمي، الأمر الذي كانت له تداعيات واضحة ليس فقط بالنسبة للدول الأطراف في هذه الصراعات، بل وأيضا بالنسبة للدول المجاورة.

{{التغيرات في السياسات الخارجية لمختلف قوى العالم على خلفية تغيرات السياسة الأمريكية}}

تلعب السياسة الأمريكية دورا كبيرا في تشكيل هياكل السياسات الخارجية في كل من أوروبا، الصين، الدول العربية، على نحو يخلق فرصا ويضع قيودا على عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الوقت ذاته.

وفي تفصيل ذلك يمكن الإشارة إلى أن السياسة الخارجية للعديد من الدول المهمة تأثرت بالتغيرات في السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالموقف من الأمم المتحدة ومن ثم عمليات حفظ السلام. ولعل أبرز ما يمكن ملاحظته في هذا السياق هو الاتحاد الأوروبي، إذ استجاب الاتحاد للطلب الذي قدمه مجلس الأمن الدولي لفرنسا للمساهمة في عملية حفظ السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية على نحو شديد الإيجابية بإرسال ونشر قوات عسكرية. وهو ما يمثل تحوّلا هيكليا في علاقة الاتحاد الأوروبي بالأمم المتحدة، والتي كانت علاقة تنافسية أكثر منها تعاونية في غالبية الأوقات. من اللازم الإشارة إلى أن الإستراتيجية الأمنية للاتحاد الأوروبي (إلى جانب اهتماماتها الأصلية بالأمن الإنساني Human Security) تهتم كذلك بعدد كبير من القضايا الواردة على قائمة الأولويات الأمنية الأمريكية، وإن كان الاتحاد الأوروبي أقلّ ميلا للتدخل العسكري كما هو حال الولايات المتحدة، يعتبر الأوروبيون أن هذا التلاقي في الاهتمامات يعد واحدة من سبل تجسير الفجوة الناشئة على جانبي الأطلنطي، إلا أنّ الاتحاد الأوروبي حتى الآن لم يحسم ما إذا كان الاهتمام الموسع بالقضايا الأمنية سوف يصرف الانتباه سياسيا عن تقوية تفعيل عمليات حفظ السلام في الحالات التي لا تنضوي على تهديدات بالإرهاب، مثلا كما هو الحال في إفريقيا، والتي ينجم عن النزاعات فيها تهديد حياة ملايين من الأفراد.

كما أدت التحولات في السياسة الأمريكية إلى إعادة تشكيل السياسات العسكرية في الدول الأوروبية على نحو فردي، فعلى سبيل المثال اتجهت القوات المسلحة في الدول الأوروبية من النمسا وحتى النرويج إلى إعادة الهيكلة، بحيث تكون متوافقة مع متطلبات الحرب العالمية (بقيادة أمريكية) ضد الإرهاب واتفاقيات الشراكة المترتبة عليها، بحيث أضحى ذلك أحد مكوّنات البيئة الإستراتيجية، التي في إطارها يتم رسم السياسات الدفاعية للدول الأوروبية، وقد أدت تلك الترتيبات إلى زيادة طاقات الدول الأوروبية وقدرتها على التحرك والانتشار السريع، وعلى الرغم من تفاؤل البعض بأن هذه الزيادة في القدرات العسكرية للدول الأوروبية تصبّ في صالح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فإن معطيات الواقع تؤكد أن تلك القوات تتحرك بناء على طلب الولايات المتحدة أكثر من الأمم المتحدة. ولعل الانقسامات التي حدثت بين الدول الأوروبية فيما يخص الحرب الأمريكية على العراق يعد من أهم المؤشرات في هذا السياق، إذ يرى البعض أن مشاركة دول أوروبا الشرقية بقواتها في العراق يعد دليلا على أن مشاركة هذه الدول في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة سيكون رهنا بالموقف الأمريكي من هذه العمليات.

كذلك أثرت التحولات في السياسة الأمريكية على السياسة الصينية تجاه عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، على نحو أسفر عن انتشار قوات صينية جديدة في جمهورية الكونجو الديمقراطية وغيرها. من ناحية أخرى اتجهت الصين إلى التعاون مع القوى الأخرى الناشئة على الساحة العالمية خاصة البرازيل وجنوب إفريقيا، بغرض تنسيق المواقف إزاء التطورات الحاصلة في العلاقات بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ويزيد المراقبون من قيمة مثل هذا التعاون في ضوء الدور الكبير الذي تلعبه كل من البرازيل وجنوب إفريقيا فيما يتعلق بترتيبات حفظ السلام، فضلا عن تنامي الدور الذي تسعى الصين إلى القيام به في السياق ذاته.

{{رؤية استشرافية:}}

هناك مؤشرات على أنّ المتغيرات التي شهدتها الساحة السياسية العالمية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 لا تدفع باتجاه قيام الأمم المتحدة بدور فعال في حفظ السلام العالمي من خلال آلية عمليات السلام، ومن هذه المؤشرات:

لا يمكن للهياكل التقليدية للأمم المتحدة أن تواجه مشكلات الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، لاسيما في ظل الطبيعة الخاصة لتلك المشكلات، والتي أضحت تقوم على وسائل الاتصال المتقدمة والانتقالية بين المؤسسات الممولة وجهات التدريب والتسليح والنقل من جهة أخرى. أي أن الأمم المتحدة لا تملك الأدوات المناسبة للتعامل مع ذلك، فحينما حاولت الأمم المتحدة التعاطي مع جرائم متعدية للحدود مثل تجارة الرقيق الأبيض والمخدرات على الحدود بين كوسوفا وألبانيا، لم تنجح في ذلك خاصة وأن قواتها كانت متمركزة على جانب واحد في حين كانت أهدافها تتحرّك على الجانبيين.

على الرغم من وجود مجموعة من الدول الداعمة للأمم المتحدة والتي تدفعها باتجاه لعب الدور الرئيسي لتفويض القيام بأي استخدام للقوة (تضم قائمة هذه الدول بريطانيا-فرنسا- ألمانيا-دول الشمال الأوروبي- غالبية دول مجموعة الـ 77-الدول العربية)، فالسؤال هو إلى أي مدى ستستمر هذه الدول في تقديم الدعم المالي والعسكري للأمم المتحدة طالما تستمر الولايات المتحدة في تفضيل التحركات الثنائية وتخوف غالبية الدول من وضع ننفسها في مواجهة أمام الولايات المتحدة.

الموقف الأمريكي (لاسيما خلال إدارة جورج بوش الابن) غير راغب في أن تلعب الأمم المتحدة دورا عملياتيا (ميدانيا) في أنشطة مكافحة الإرهاب أو مواجهة أسلحة الدمار الشامل، وفي الحقيقة فإنّ الولايات المتحدة قد أبدت قدرا كبيرا من عدم الثقة في الأمم المتحدة حتى من قبل أحداث 11 سبتمبر (خاصة في عهد الأمين العام بطرس غالي)، وإن خفّت حدّة الانتقادات الأمريكية في هذا السياق بعد تولّي كوفي عنان منصب الأمين العام. وقد طال توجّه واشنطن السلبيّ تجاه الأمم المتحدة خلال إدارة بوش عمليات حفظ السلام، إذ تراكمت مديونيات الولايات المتحدة تجاه الأمم المتحدة، لاسيما فيما يخص ميزانيات هذه العمليات.

ورغم أنّ الولايات المتحدة أعلنت في 2002 في إستراتيجية الأمن القومي اهتمامها بقضايا الدول الفاشلةfailed states ، الأمر الذي يؤشر إلى زيادة الانغماس الأمريكي في منظومة عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة التي اهتمت على مدار عقد التسعينات من القرن العشرين بقضايا النزاعات الداخلية ومن أبرزها قضايا الدول الفاشلة. إلا أن الدور الأمريكي المحدود في عملية الأمم المتحدة في ليبيريا يعد مؤشرا على أن الاهتمام الأمريكي بقضايا الدول الفاشلة سيكون محدودا جغرافيا وفق أولويات واشنطن، وهو ما يعني حرمان المنظمة الدولية من الدعم الأمريكي. وفي نفس السياق، يرى المراقبون أن الاهتمام الأمريكي سوف ينصب خلال الفترة المقبلة على منطقة “الشرق الأوسط الكبير” التي تضم إلى جانب دول الشرق الأوسط العادية كلّا من دول القرن الإفريقي والخليج العربي وبعض أجزاء من آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، ومع التغيرات في إدراك الولايات المتحدة لأمنها فمن المتوقع أن يكون الاهتمام الأمريكي بهذه المنطقة مكثفا، ومن ثم فمن المتوقع كذلك أن نرى تواجدا ملحوظا للأمم المتحدة في هذه المنطقة بما في ذلك عمليات حفظ السلام، إلا أن آخرين يرون أنّ الهجمات التي تعرّضت لها القوات التابعة للأم المتحدة في بغداد وجنوب أفغانستان تعدّ مؤشّرا مهمّا على المشكلات التي من المتوقع أن تواجهها المنظمة الدولية في هذا السياق.

إلا أن الأطروحات الأكثر تفاؤلا تفرض نفسها على الجانب الأكبر من المعنيين بشئون المنظمة الدولية في هذا السياق، لاسيما مع تقديم الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما لأطروحاته حول الدور المتوقع للأمم المتحدة وطبيعة توجهات الولايات المتحدة تجاهها، وهى رؤية إيجابية في مجملها، إذ أعرب أوباما بشكل واضح أنّه شريك قويّ للأمم المتحدة، مؤكدا قبوله لفكرة التعددية ودعم كافة الأغراض والأهداف الرئيسية للأمم المتحدة، بما فيها تغيّر المناخ والأهداف الإنمائية للألفية.

وقد تأكد ذلك التوجه في إدارة أوباما مع تعيين سوزان رايس (التي كانت تشغل منصب مستشارة في عهد الرئيس الأسبق كلينتون) سفيرة الولايات المتحدة الحالية لدى الأمم المتحدة، فقد كانت معارضة للتوجه الأحادي الجانب لإدارة الرئيس جورج بوش في السياسة الخارجية، ويرى كثيرون في تعيين رايس في ذلك المنصب برتبة وزيرة توجّها من الإدارة الحالية نحو اعتماد مقاربة متعددة الأطراف في التعاطي مع القضايا الدولية، بالتعاون مع كافة الأطراف المعنية وعلى رأسها الأمم المتحدة. وقد تعهدت رايس بإحداث “تغييرات” في تعامل واشنطن مع المنظمة الدولية.

أما فيما يتعلق بآليات حفظ السلام على سبيل التحديد، فقد أوضح أوباما بما لا يدع مجالا للشكّ، رؤيته لأهمية عمليات حفظ السلام في منع وإنهاء الصراعات وحفظ الأمن والسلم الدوليين، وإلى جانب ذلك أكد أوباما على أهمية الدور الذي تحتاج الولايات المتحدة أن تلعبه لضمان نجاح هذه العمليات. وهذا ما يتأكد أيضا مع التصريحات التي تلقيها سوزان رايس سفيرة الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية في هذا الصدد، إذ أكدت رايس أن تعزيز عمليات حفظ السلام، لاسيما في المناطق الساخنة في إفريقيا مثل إقليم دارفور السوداني، سيتصدر قائمة أولويات الولايات المتحدة. وقالت رايس أيضا: “إن سلم الأولويات في هذه المرحلة يجب أن يتضمن حماية فعالة للمدنيين”، وأنّ مهمّة حفظ السلام الراهنة في دارفور التي مضى عليها عام، يجب أن تزود بالكامل بالقوى البشرية “كي تتكون لديها الطاقة الميدانية لتبدأ بالتأثير على عملية الدفاع عن المدنيين.”

ورغم ذلك فإدارة أوباما لا تغفل الصعوبات التاريخية والواقعية التي تواجه هذه العمليات معترفة أنها ليست على قدر ما هو متوقع منها، وللتغلب على ذلك يقترح أوباما مستويين من الحلول:

فيما يخص الأمم المتحدة: لا بدّ من تنمية قدرة الأمم المتحدة على التعاون في عملياتها مع غيرها من الفاعلين الدوليين في نشر القوات متعددة الجنسيات.
فيما يخص الولايات المتحدة: لا بدّ من زيادة أعداد وتنمية قدرات العاملين المدنيين الأمريكيين (بما في ذلك الدبلوماسيون) المؤهلين للعمل في عمليات بناء السلام في أعقاب الصراعات.

{{مروة نظير: مدرسة مساعدة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- مصر.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق