تأثير النظام الاقتصادي العالمي في مراحل التحول الديمقراطي / هناء عبيد

ارتبطت دراسة تأثير النظام الاقتصادي العالمي في التحولات الديمقراطية بموجة التحول الديمقراطي التي واكبت انتهاء الحرب الباردة، واستمدت المقولات والافتراضات الأساسية من تلك التجارب التي لعب فيها العامل الخارجي، خاصة العامل الاقتصادي، دورا واضحا، وإن كان على هامش عمليات التحول.فقد شكل النظام الاقتصادي العالمي سياقا حاكما لكثير من عمليات التحول الديمقراطي،منذ انتهاء الحرب الباردة، إذ مثل حافزا مهما لها، خاصة في دول المعسكر الاشتراكي السابق، أو قوة ضغط رئيسية لدفع عمليات التحول أو منعها من الانتكاس في فئة أخري من الدول التي تتمتع بحساسية أو انكشافية معينة تجاه تغيرات وضغوطات هذا النظام،خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.

وقد تراجع الاهتمام نسبيا بتأثيرات العامل الخارجي عموما،بما في ذلك بعده الاقتصادي، في عمليات التحول الديمقراطي مع بداية الألفية الجديدة، بينما تجدد الاهتمام بدراسته وبحث محدداته،وأشكال واتجاهات تأثيره في ضوء التحولات السياسية التي يشهدها العالم العربي بعد الثورات.

استراتيجيات تأثير النظام الاقتصادي العالمي:

بداية، فإن المقصود بالنظامOrder في هذا السياق هو: “مجموعة الترتيبات والقواعد الحاكمة التي تتضمن القواعد والمعايير والقيم والإجراءات المنظمة للسلوك والمتحكمة في نتائجه”(1).ومن ثم، فالنظام الاقتصادي العالمي هو مجموعة القواعد الحاكمة للتفاعلات ذات الطبيعة الاقتصادية والمالية،والمنظمة للمعايير والإجراءات والتوقعات، وفي القلب منها المؤسسات المنظمة لهذه العمليات،خاصة المؤسسات المالية الدولية، مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأفكار والسياسات،أو معايير السلوك المرتبطة بها.

وتسمح نظريات النظامRegime Thearyبدراسة التفاعل بين القوة المادية وقوة الأفكار، كما تسمح بدراسة تفاوت هيكل القوة داخل النظام، وكيف يتم تصعيد قيم معينة،اتساقا مع توجهات القوي المؤثرة داخل النظام، أو تفعليها انتقائيا تجاه بعض الأطراف أو في بعض الأوقات. وفي هذا السياق، فإن المناخ الدولي،عقب انتهاء الحرب الباردة، سمح ببروز قيمة”الديمقراطية”،خاصة في أبعادها الإجرائية، وأفرز ذلك منظومة الأفكار والسياسات تحت المظلة الفكرية لمفهوم الحكم الرشيد التي تبناها البنك الدولي، وصمم في إطارها برامج لـ”المشروطية السياسية”،ربطت بين الحصول على المعونة واتباع الدول المتلقية للمعونة سياسات اقتصادية وسياسية تربط بين برامج التحرير الاقتصادي وسياسات مستحدثة ترتبط بمكافحة الفساد،أو الإصلاح السياسي والمؤسسي والإداري.

ورغم صعوبة دراسة التأثيرات لغير المادية للنظام الاقتصادي العالمي، تذهب بعض الاتجاهات إلى أن النظم تؤسس لنوع من الارتباط الذي يشكل تفاعلا استراتيجيا أو نوعا من التأثير،يستطيع من خلاله طرف أو أطراف ما التأثير في سلوك أو سياسات الطرف الآخر(2).ومن ثم، فبمجرد عضوية دولة ما في القلب المؤسسي للنظام الاقتصادي العالمي، تترتب توقعات معينة من السياسات والسلوك على الأعضاء، ويعد الخروج عنها نوعا من الانحراف الذي يقابله “عقاب” أقله الاستهجان،وأقصاه توقيع العقوبات المادية المباشرة،أو الحرمان من مزايا اقتصادية أو مادية بعينها.

ومن ثم، فقد تبلور تأثير النظام الاقتصادي العالمي في الموجتين الثالثة والرابعة من التحول الديمقراطي عن طريق نوعين من الاستراتيجيات، الأولي هي استراتيجية الربط، وتقديم حوافز مادية للدولة حديثة التحول نحو الديمقراطية. أما الاستراتيجية الثانية،فهي القدرة على الضغط والإكراه، التي تعد المشروطية السياسية إحدي أدواتها(3). ويأتي دور نظام المعونة الدولية، وفي القلب منه مؤسسات بريتون وودز(البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) كحلقة وسط تعكس تأثيرات النسق الدولي على نظم الحكم في الدول المتلقية للمعونة(4)، بعبارة أخري،يلعب نظام المعونة الدولية دورا أشبه بالعدسة المحدبةconverging lens التي تقوم بتركيز وتجميع المؤثرات الصادرة من البيئة الدولية، وتوجيهها تجاه الدول المتلقية للمعونة.

ويشير التشبيه بالعدسة إلى عدة عناصر في العلاقات بين الداخل والخارج، ودور المؤسسات المالية في هذا الإطار. فمن ناحية، يشير إلى أن طبيعة العلاقة بين الأطراف هي علاقةغير متكافئة، حيث إن اتجاه التأثير أغلبه من الخارج إلى الداخل. ومن ناحية أخري، يشير التشبيه إلى أن المؤسسات المالية الدولية،كقناة أو وسيط للعلاقة بين النظام الدولي والدول المتلقية للمعونة،ليست قناة محايدة،أو تلعب دور المرآة العاكسة فحسب، وإنما تتمتع بنفوذ وتأثير ذاتي قد يعظم من المعطيات الخاصة بالسياق الدولي، أو يمارس تأثيرا وسيطا على تداعياتها في سياقات محلية وإقليمية بعينها.

لقد كان التوجه نحو فرض المشروطية السياسية على مستوي منظومة المعونة الدولية هو انعكاسا لتغيرات نسقية عقب الحرب الباردة،من قبيل تراجع دور حسابات الجغرافيا السياسية،وإعلاء قيم الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وقد ترجمت منظومة المعونة تلك التغيرات على مستوي سياستها، من خلال برامج محددة اصطبغت بمفاهيم التنمية والحكم الرشيد الخاصة بالبنك وصندوق النقد الدوليين،ومشفوعة بآليات تنفيذية معينة،وعلاقات بالنخب،خاصة الاقتصادية،داخل الدول المتلقية للمعونة.

وفي هذا السياق، فقد شهد عقد التسعينيات الصعود المتزامن للمشروطية السياسية التي طبقتها المؤسسات المالية الدولية،في ظل برامج الحكم الرشيد، والاتجاه إلى تبني التعددية السياسية والحزبية في العديد من الدول النامية شديدة الاعتماد على المعونة،خاصة في إفريقيا، والتي كانت في جوهرها تربط بين المساعدات الاقتصادية، وتطبيق الدول لخطة إصلاح اقتصادي تمزج بين سياسات التحرير الاقتصادي،والحد الأدني من قواعد الحكم الديمقراطي، خاصة في بعده الإجرائي،المتمثل في السماح بالتعددية الحزبية،وإجراء انتخابات تعددية حرة. ومن ثم، تعد منظومة المعونة الدولية، والتي تصاعدت في إطارها قيمة الديمقراطية والآليات الإجرائية التي طورت في هذا الصدد-بدءا من الأجيال المختلفة من المشروطية الاقتصادية والسياسية، وصولا إلى نظام ما بعد المشروطية- هي التجسيد الرئيسي لتفاعلات النظام الاقتصادي العالمي مع عمليات التحول الديمقراطي في الدول النامية.

ولا يمكن فهم هذا التصاعد لقيمة الديمقراطية في ممارسات منظومة المعونة الدولية سوي في ضوء قيم القوي المهيمنة في إطارها.فبناء القوة بداخل تلك المؤسسات منذ نشأتها سمح للقوي الكبري بلعب أدوار مؤثرة،وبتوجيه سياساتها. فقد كان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في تأسيس هاتين المؤسستين،وتحديد نطاق عملهما، ومن ثم أصبح لها نسب حاكمة في عملية اتخاذ القرارات في المؤسستين، بحيث عكس نظام الحصص وآلية اتخاذ القرار هذا الوضع المهيمن للولايات المتحدة،التي استحوذت على نحو30٪من الأصوات، بما يعطيها ما يشبه الفيتو في مجلس الأمن على صعيد القرارات الاقتصادية.

وبرغم صعود قوي اقتصادية،كالصين والهند والبرازيل، وحدوث تغير فيما يتعلق بنظام الحصص وبالقوي التصويتية لتلك الدول، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بحصة مهيمنة في عملية صنع القرار. وبخلاف القدرة على التأثير المباشر في القرار بداخل منظومة المعونة الدولية، تؤثر منظومة القيم السائدة في الدول الكبري، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية،في منظومة القيم التي يتبناها ويروجها النظامorder ، بحيث ارتبط تصاعد قيم الديمقراطية في إطار منظومة المعونة الدولية بعد الحرب الباردة، مع تصاعد مقولات نهاية التاريخ،وتسيد نموذج ديمقراطية اقتصاد السوق الغربية.

إلى جانب نظام المعونة الدولية، قد تلعب بعض المنظمات الإقليمية والمنظمات ذات العضوية الاختيارية، سواء ذات الطابع الاقتصادي الخالص،أو المختلط،دورا مشابها في التأثير في التحول الديمقراطي،مقابل عوائد محددة منظورة أو متوقعة. وبالتالي،تعد عضوية دولة ما نوعا من الالتزام الطوعي،أو تقييد اليدين بالقواعد والمعايير السائدة في تلك المنظمات، والتعهد باحترامها.ومن ثم،تعد العضوية في هذه الحالة أداة لإثبات الالتزام بقيم أو معايير أو سياسات بعينها(5).

هذه الحالة الأخيرة تصف بشكل أوضح عمليات التحول في دول أوروبا الشرقية والمعسكر الاشتراكي السابق، والتي مثل انضمامها للمنظمات الأوروبية الغربية نوعا من التعهد الطوعي باتباع سياسات اقتصاد السوق الحر والتحول الديمقراطي في عقد التسعينيات، كان أحد حوافزها أو بواعثها الانضمام للاتحاد الأوروبي،بما يرتبه ذلك من مزايا.

حدود ومحاذير تأثير منظومة المعونة الدولية في التحول الديمقراطي:

تثور العديد من المحاذير العملية والمنهجية بخصوص تأثير النظام الاقتصادي العالمي ومنظومة المعونة الدولية في التحول الديمقراطي. ومن أبرز هذه المحاذير:

أولا- لا تعمل تلك المنظومة تلقائيا أو القوي الفاعلة في إطارها على دعم التحولات الديمقراطية،انطلاقا من اعتبارات قيمية أو معيارية تتعلق بمبادئ الديمقراطية في حد ذاتها، وإنما رغبة في تأمين مصالحها الاستراتيجية.ومن ثم،فقد يكون النظام الاقتصادي العالمي، وفي القلب منه منظومة المعونة،محايدا إزاء مسألة الديمقراطية،أو حتي معوقا لها،في حالة التعارض مع مصالح أخري جوهرية،سواء من وجهة نظر القلب المؤسسي لتلك المنظومة،أو القوي الكبري الفاعلة في إطارها.

ثانيا- إن نوع الديمقراطية التي قد يلعب العامل الخارجي،وبخاصة النظام الاقتصادي العالمي،دورا في تحفيزها أو دعمها،هي في الأغلب ذات طابع إجرائي،متمثلة في إجراء انتخابات تعددية بشكل دوري ونزيه، كما ترتبط بشكل وثيق بالنظام الاقتصادي الرأسمالي،أي هي ديمقراطية اقتصاد السوق.

ثالثا- إن تأثير العامل الاقتصادي الخارجي أكثر وضوحا في تفكيك النظم السلطوية،أو دعم الزخم باتجاه إطلاق عملية انفتاح سياسي، عنه في المراحل اللاحقة من التحول، والتي تعد أكثر تعقيدا،وتقل قدرة وإمكانات التأثير إزاءها.

رابعا- إن النظام الاقتصادي العالمي دأب على الضغط من أجل الدفع في سبيل الانفتاح السياسي،من خلال آليات قسرية،مثل قطع أو تعليق المعونات،أكثر من حرصه على”مكافأة” التحولات الديمقراطية بمنح تدعم استمرارية التحول،وهي الحالة التي اقتصرت تقريبا على دعم التحول في شرق أوروبا.

خامسا- إن هناك وجهة نظر مضادة، مدعومة بخبرات إمبريقية،تذهب إلى أن الدور الخارجي بوجه عام، وآلية المعونة بوجه خاص،قديكونان معوقين للتحول الديمقراطي من خلال الحديث عن”لعنة المعونة”Curse of Aid ، حيث إنها تقدم موارد ريعية، قد تقلل الحافز للإصلاح،أو توظف سياسيا لتعزيز الولاء للنظم القائمة،أو إفساد المعارضة، خاصة في حالات الدول التي تتمتع بأهمية استراتيجية،أو تقدم نظمها”خدمات”،أو ترتبط بتحالفات مع القوي الفاعلة في النظام(6).

بعبارة أخري، فإن منظومة المعونة الدولية تكون أكثر فعالية في التأثير في التحول الديمقراطي في حالة الدول التي تتسم بانكشافية تجاه التغيرات والضغوط التي تمارس من قبل المؤسسات المالية الدولية. وتتناسب تلك الانكشافية مع مدى اعتمادية الدولة على المعونة من ناحية،بمعني مدى الحاجة المباشرة للدعم المادي والمعونات الاقتصادية في لحظة ما، وضعف أوراقها التفاوضية من ناحية أخري، بمعني عدم تمتعها بأوراق تساومية.

ومن ثم، يتفاوت تأثير نظام المعونة الدولية من دولة لأخري،وفي الدولة نفسها من وقت لآخر،وفقا للموقف التفاوضي للدولة أو رأسمالها التفاوضيNegotiating Capital ، والذي يعتمد بدوره على تفاعل عدة عوامل،منها: الوضع الاقتصادي للدولة،ومدى احتياجها للمعونة، والمكانة الاستراتيجية للدولة، والتي تتناسب عكسيا مع قدرة العوامل الخارجية على التأثير. كذلك، يدخل في الحسبان سمعة النظام الحاكم،ومدى الشرعية الداخلية التي يتمتع بها(7). وبالتالي،فمفهوم رأس المال التفاوضي هو مفهوم ديناميكييتغير من لحظة زمنية لأخري،وفقا لحسابات الموقف،والقدرة على التأثير أو المساومة. ويفسر هذا الأمر اتجاه بعض الدول المانحة إلى التضحية بحلفائها التقليديين في حالة التدني الشديد لشعبيتهم،أو تزايد التكلفة المادية أو المعنوية لتوفير الغطاء السياسي،أو الدعم الاقتصادي لهم.

وتمارس منظومة المعونة الدولية تأثيرها من خلال قناتين رئيسيتين، هما:

أولا- القيم أو المعايير أو الأفكار السائدة.فالآلة البيروقراطية العملاقة للمؤسسات المالية الدولية،وعلاقتها المباشرة بالنخب الاقتصادية في النظم المختلفة، فضلا عن دورها في إنتاج”المعرفة” أو المعلومات التي تأخذ طابع”العلم”، وما يدخل في تعريف”الرشادة” في السياسات من عدمها، كل ذلك يمارس نوعا من التأثيرغير المادي أو المحسوس على سلوك الدول، وذلك من خلال عدة أشكال من التأثير،أشار إليها كارسنيرKrasner ، ومنها التأثير التعاقدي،والإجرائي،والقسري،والتأسيسي.

وقد قدم مفهوم”الحكم الرشيد” Good Governanceمظلة فكرية،وحزمة من السياسات والبرامج،لعبت المؤسسات الدولية المانحة أحيانا من خلالها أدوارا سياسية مباشرة، رغم أن تعريف المفهوم والإجراءات المرتبطة به قد تباين على مدى الفترات الزمنية المختلفة. ويعكس واقع الممارسة تداخل الحسابات والعوامل السياسية بشكل كبير مع العوامل الاقتصادية أو الفنية في توجيه قرارات المؤسسات المالية الدولية، في منح أو تعليق المساعدات الاقتصادية،بحيث عكست نوعا من التدخل السياسي ذي المنحي،والأدوات الاقتصادية أو التنموية.

ثانيا- التأثير المادي المباشر،المتمثل في القدرة على المنح والمنع،أو هيكل الحوافز والعقوبات، سواء التي تقدمها المؤسسات المانحة مباشرة، أو التي تحفز الغير على تقديمها،في حالة تعبيرها عن”الرضاء” عن السياسات الاقتصادية والسياسية،والأوضاع العامة في الدول المتلقية للمعونة.

ومن ثم، يتمتع نظام المعونة الدولية بالتأثير،بشكل مباشر،من خلال التأثير المادي في عملية صنع القرار في الدول النامية، من خلال سلطة المنح والمنع، فضلا عن التأثيراتغير المباشرة،من خلال إسباغالشرعية على أفكار وسياسات وممارسات بعينها، لذلك برز الحديث عن أثر سلطة الأفكار. هذا النوع الأخير من التأثير في توازن القوي الداخلي في المجتمع هو الأصعب في القياس،لأنه يتم بشكلغير مباشر، الأمر الذي يترتب عليه الصعوبة المنهاجية في عزله أو تقييم آثاره.

وقد تصاعد منحني استخدام المشروطية السياسية من قبل المؤسسات المالية الدولية،خلال عقد التسعينيات على وجه الخصوص، حيث طبقت في هذه الأثناء أشكال متفاوتة من الضغوط على الدول متلقية للمعونة،من قبيل الشروط المرتبطة بالقروض، فضلا عن الميل إلى الوقف المتكرر،أو قطع وتجميد برامج المعونة لحسابات سياسية. ومن ثم،فقد كان الحصول على معونات تنموية في تلك الفترة مرهونا في العديد من الحالات بالالتزام بعدد من القواعد والسياسات ذات المضمون السياسي،والتي تدفع في سبيل الإصلاح المؤسسي،ومعايير محددة للإصلاح الاقتصادي والسياسي. وترصد بعض الدراسات أن الاتجاه إلى التشدد في المشروطيات،بشكليها السياسي والاقتصادي،كان أكثر بروزا تجاه الدول الأكثر فقرا،أو أكثر احتياجا للمعونات.

ومنذ نهاية التسعينيات، دفعت تحولات في النظام الدولي إلى مراجعات في مقولات وممارسات المؤسسات المالية الدولية،خاصة فيما يتعلق بالمشروطية السياسية. هذا التراجع قد تزامن مع تغلغل بعض مفردات الحكم الرشيد في الأجندة الوطنية لبعض الدول. ومن ثم،فالتراجع الظاهري للدور الخارجي قد ارتبط بنوع من توطين الفكرة من ناحية، وقدرة أعلى على المراوغة والتقيد الشكلي من قبل الأنظمة الحاكمة من ناحية أخري.

فقد شهدت التسعينيات الصعود المتزامن لتطبيقات وسياسات الحكم الرشيد من قبل المؤسسات المالية الدولية، والاتجاه إلى تبني التعددية السياسية والحزبية في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهي تلك المجموعة من الدول الأكثر احتياجا للمساعدات الاقتصادية،والأكثر انكشافية لتأثيرات النظام الاقتصادي العالمي. بينما حدث تزامن،ولكن في الاتجاه المضاد،منذ بدايات القرن الحادي والعشرين. فمنذ نهاية التسعينيات، تراجعت التوجهات التدخلية في المجال السياسي من قبل المؤسسات المالية الدولية، وكذلك تقلصت التوجهات الديمقراطية-وفقا للتعريف الإجرائي المتبني في الدراسة- أو اتجهت في بعض الحالات للتراجع، والتي لا تشكل مع ذلك انتكاسا للظاهرة التي بزغت في التسعينيات.

هذه العلاقة الارتباطية التي ترصدها الكثير من التحليلات الكيفية تدعمها كذلك بعض التحليلات الكمية والدراسات الإمبريقية التي وجدت علاقة إحصائية إيجابية،أو تأثيرا مباشرا لمنظومة المعونة في التحول الديمقراطي في الدول المعتمدة على المعونة،وإن كانت درجة التأثير ضعيفة. حيث ترصد بعض الدراسات ذات الطابع الإحصائي هذا المنحني من الصعود والهبوط لتأثير النظام الاقتصادي العالمي في التحول الديمقراطي من خلال مؤشر تحسن تقييم الدول المتلقية للمعونة على مقاييس الديمقراطية الذائعة،مثل مقياس فريدوم هاوس،أو بوليتي فور(8)، حيث اتجهت العلاقة بين المشروطية السياسية والتحول الديمقراطي(وفقا لذلك المعيار الإحصائي) إلى التراجع أو الانتكاس عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية عام.2001

وفي هذا السياق، اتجهت منظومة المعونة الدولية إلى استبدال نظام ما بعد المشروطيةPost-Conditionalityبنظام المشروطيةConditionality، ذلك المفهوم الذي يتراجع ضمنيا عن فكرة فرض التحولات من الخارج، ويطرح مفهوم الامتلاك، بحيث تتبني الدول النامية سياسات مصممة داخليا،ويتقلص في إطارها الاتجاه الذي ساد في التسعينيات إلى فرض شروط واضحة ذات طبيعة سياسية،كثيرا ما كانت تتعلق بتعديلات دستورية،أو إجراء انتخابات تعددية.

جوهر التحولات في إطار نظام ما بعد المشروطية أن المشروطية السياسية،على وجه الخصوص،أصبحت تمارس من جانب المؤسسات الدولية بشكل انتقائي، وهو تراجع في كثافة التطبيق،وليس في جوهر الفكرة، حيث اتجه التركيز على أدوات التأثير الناعمة، والعمل من خلال الفاعلين الداخليين. إلا أن الممارسة العملية تشير إلى أن جوهر المشروطيات وإطارها الحاكم ظل على حاله، فالتغير الأساسي حدث على مستوي”خطاب” المؤسسات المالية الدولية.

ويعد هذا التراجع انعكاسا للتغييرات التي حدثت على مستوي النسق الدولي،سياسيا واقتصاديا. فعلى المستوي السياسي، طغت حسابات الحرب على الإرهاب على دوافع دعم الديمقراطية، بحيث اتجهت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن إلى تأمين ولاء ومساعدة الأنظمة الإقليمية،خاصة المحورية،في”حربها على الإرهاب”، وهو ما أعاق ممارسة أي نوع من المشروطية السياسية الفعالة إزاء تلك النظم.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية، عام2008، وبروز دور قوي اقتصادية صاعدة،مثل دول البريكسBRICS، والتي لعبت أدوارا مؤثرة فيما يتعلق بقواعد التصويت،وإسهامات الدول،وعمل لوبي للدول النامية داخل تلك المؤسسات،كل ذلك أثر في توجهات تلك المنظومة فيما يتعلق بالمشروطية السياسية. فقد تأثر نظام ما بعد المشروطية بوجود مانحين جدد لا يولون مسألة طبيعة النظام السياسي في الدول المتلقية للمعونة أو الديمقراطية الاهتمام. ومن ثم، فرض هؤلاء- خاصة الصين- بشكل ما تعديل قواعد اللعبة، أو أعادوا هامش المناورة للدول النامية، والتي كانت قد تلاشت بانتهاء الحرب الباردة.

دور النظام الاقتصادي العالمي في تحولات الربيع العربي:

بدأت موجة التحولات السياسية في عدد من الدول العربية بعد الثورات، في ظل تراجع الدور الخارجي”الضاغط” أو الداعم للتحول الديمقراطي بوجه عام، خاصة من قبل المانحين الرئيسيين والمؤسسات المالية الدولية، في ضوء الحسابات السياسية والاقتصادية المشار إليها. يضاف إلى ذلك الضعف النسبي لتأثير النظام الاقتصادي العالمي كسياق حاكم لعملية التحول الديمقراطي العربي، فإن القوة التفاوضية للعديد من الدول العربية التي تشهد حالات تحول لا تعبر عن موقع تفاوضي منكشف إزاء النظام الاقتصادي العالمي، لعدم اتسام بعض تلك الدول باعتمادية على المعونة الاقتصادية الغربية، والتي يعد مقياسها المعتاد هو أن تشكل المعونات الاقتصادية نسبة تساوي أو تزيد على10٪من الناتج المحلي الإجمالي للدولة المتلقية للمعونة.

في الوقت نفسه، تتمتع معظم الدول العربية بأهمية استراتيجية وأوراق تفاوضية أخري،تعوق فرض مشروطية سياسية واضحة عليها، وهو ما يفسر تأخر أو تردد القوي الدولية في دعم الثورات في مراحلها الأولي في معظم هذه الدول.

فإذا كان نظام المعونة الدولية يلعب دورا أشبه بـ”العدسة المحدبة” تجاه الدول المتلقية للمعونة، فإن التأثيرات الموجهة من البيئة الدولية،خاصة من النظام الاقتصادي العالمي،والموجهة لدعم التحول الديمقراطي في الوقت الحالي بوجه عام،وإزاء تلك المجموعة من الدول بوجه خاص، هي أكثر تشتتا وترددا من أن تحدث تأثيرا كبيرا في عمليات التحول الجارية في دول الربيع العربي.

ومع ذلك، فلا يمكن استبعاد التأثير النسبي،خاصة في حالات حدوث تصاعد في حاجة دولة ما للمعونة،بمايعرضها لانكشافية متزايدة في رأسمالها التفاوضي،ولو بشكل مؤقت،أو حدوث خلل ملحوظ في القدرة التفاوضية للدولة إزاء مجتمع المانحين،بما في ذلك التراجع الحاد في شرعية النظام الحاكم،والذي قد يضع مجتمع المانحين في حرج، وهو ما عبر عنه التذبذب في موقف صندوق النقد الدولي إزاء القرض المصري.

الهوامش:

1- Robert O. Keohane and Joseph S. Nye, Power and Interdependence, (Boston: Little Brown, 1977), p.19.

2- Arthur A. Stein, “The Politics of Linkage”, World Politics 33, no1. (October 1980), p.62.

3- Steven Levitsky and Lucan A. Way, “Linkage and Leverage: How Do International Factors Change Domestic Balances of Power” in Electoral Authoritarianism: The Dynamics of Unfree Competition, ed. Andreas Schedler (Boulder: Lynner Rinner Publishers, 2006), p.199.

4- Stephen Krasner, “Structural Causes and Regime Consequences: Regimes as Intervening Variables”, International Organization, Special Issue, 36, no. 2 (Spring 1982), p.185.

5- Jon C. Pevehouse, Democracy from the Outside-In?: International Organizations and Democratization. International Organization 56, no. 3 (Summer 2002). p.515.

6- Simeon Djankov, Jose G. Montalvo and Marta Reynal-Querol, “The Curse of Aid”, Washington D.C.: The World Bank and CEPR, 2005), pp.4-5.

7- Alastair Fraser and Lindsay Whitefield, “The Politics of Aid: African Strategies for Negotiating with Donors”, GEG Working Paper no. 42, (July 2008), pp.7-8.

8- انظر على سبيل المثال

– Gordon Crawford, “Foreign Aid and Political Conditionality: Issues of Effectiveness and Consistency”, Democratization 4, no. 3 (Autumn 1997), pp.73-80.

– Thad Dunning, “Conditioning the Effects of Aid: Cold War, Donor Credibility and Democracy in Africa”, International Organization 58, (Spring 2004), pp.409-23.

– Arthur Goldsmith,’Foreign Aid and Statehood in Africa,’ International Organization 55, no. 1, (Winter 2001), p.124.

عن مجلة السياسة الدولية – شباط/فبراير 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق