تأملات في الواقع المر..

هل نقف الآن في المحطة الأخيرة وفي اللحظات الأخيرة نودّع الزمان العربيّ..؟
– الزمان العربي: وداعا…
هل انتهى زمن المغامرات المعرفية لنتـنحّى جانبا ونترك للآخرين رسم مسارات مستقبلنا وانتقاء خياراتها وتقديمها لنا جاهزة.. ولكن كما يشاءون هم، لا كما نشاء نحن.. ولقاء كلّ شيء.. نعم لقاء كلّ شيء..!؟
هذا الإبدال الداكن بكلّ ما هو مشرق..!! ولا نفعل شيئا..!؟

هم لا يريدون أن نمنحهم (الثروة).. فلقد تنازلنا لهم عنها ينهبونها أو يشترونها منا بسعر التكلفة.
تكلفتهم هم.. طبعا، فنحن ندفع إليهم (فقط) تكلفة استكشافها واستخراجها من باطن الأرض – أرضنا طبعا– وتكلفة نقلها من الموانئ – موانئنا طبعا- وإلى صوامع خزنها – صوامعهم هم – أو إلى المصافي – مصافيهم هم – ليعيدونها إلينا “خرزا ملونا” يُشيع البهجة في نفوسنا المنهكة من الترجّي، ويعيد الطمأنينة إلى أرواحنا الهائمة في ملكوت الرجاء، ندفع ثمنه ليس فقط من أموالنا، ولكن حتى من دمائنا، بل ورهنّا من أجله حاضرنا ومستقبلنا حين صدّرنا عقولنا أو تنازلنا عنها طائعين.
لم نكن في أيّ ممّا فعلناه مُكرَهين. لأننا لو كنا تجاوزنا تخلّفنا وبدأنا كما بدأ آخرون، في أكثر من مكان في هذا العالم وفي ذات الحقبة الزمنية، لكُنا الآن شركاء أكفاء ولتعاملوا معنا وفقا لذلك. لكنا بقينا (أوفياء) للماضي، مصرّين على التمسك بما فيه، وأوهمنا أنفسنا أنّ في ذلك نجاتنا، فيما الحقيقة انه كان فيه حتفنا.

وهم لا يريدون الجغرافيا.. فلقد سقطت تلك الجغرافيا التي طالما تباهينا بامتلاكها.. فلقد قامت بتجاوزها (الصواريخ العابرة للقارات) و(الشركات عابرة القوميات) و(القنابل الموجهة) و(الإعلام الموجه) و(حاملات الطائرات) وحملات الثقافة و(طائرات الإرضاع الجوي) ونظرية (الأم الحنون) في الاقتصاد العولمي وكل هذه الخلطة العجيبة الغريبة من نظريات (نيوتن) في الحركة ونسبية (اينشتاين) وقاعدتي (باسكال) و(برنوللي)ن وتجارب (نظرية الكمات) ونظريات (كينز) في الاقتصاد وأفكار (كيسنجر) و(بريجنسكي) في الستراتيج. يضاف إليها كل البهلوانيات التي حفل بها السيرك العالمي..!
ألم تقل إسرائيل يوما أنها ليست بحاجة للسلام مع البنادق – في إشارة لمعاهدات السلام التي تم عقدها مع (دول الطوق)- ولكن تريده مع الصواريخ..؟!
وكانت في ذلك تشير إلى العراق الذي كان قد فرغ توّا من إجراء تجاربه على صواريخ بعيدة المدى، أو هكذا كان يدّعي عبر الإعلام العراقي المؤمّم لمصلحة النظام السياسي..؟؟
فهل نحن مقبلون على عصر جليديّ عربي..؟
على كلّ.. فأعمار الأمم لا تقاس بالأيام والأسابيع ولا بالشهور وأحيانا حتى ليس بالسنيـن.
فلم يكن الاجتياح الأميركي للعراق أول الاجتياحات وان كنا نتمنى أن يكون آخرها.
فقد كانت البداية في فلسطين. وحين لم تنفع كل الانتحارات التي قادها الزعماء العرب جاءت (الحرب الأهلية اللبنانية): ثلاثة عشر عاما كان فيها الكل يقتل الكل. القوميات تقتتل.. الطوائف تقتتل.. الديانات تقتتل.. المذاهب الفقهية تقتتل.. والأحزاب السياسية تقتتل.. وفصائل المقاومة الفلسطينية هي الأخرى اقتتلت أيضا، هل نستعيد ذكريات (نهر البارد) أو بالأحرى كوابيسه؟؟؟؟ أم نلوذ بالصمت خشية أن ننكأ جرحا “كنّا نسيناهُ”..!!؟؟

(وكأنها كانت نسخة تجريبية أعدت وخُبئت لتكرارها من جديد في بلد آخر في حقبة أخرى..
وفعلا، فقد طُبقت بعد ما يزيد على ربع قرن في العراق وبسرعة مذهلة مستفيدين تطور تقنيات الاتصالات في التفجيرات من بعد ونصب الفخاخ، ومن الليزر في دقة التصويب.)
وفي عذر كان أقبح من الذنب، جاء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت تحت ذريعة سلامة (إصبع الجليل) وعلى يد مهندس المجازر العربية (ارئيل شارون). كان اجتياحا يقابله صمت عربي مريب، وزعيم عربي شهير لا يبدي رأيا في هذه “الكبيرة” أو بالأحرى هي “أم الكبائر”.. فقد كان معتكفا “يذكر الله كثيرا.. عند المشعر الحرام”!!!
واختتم الاجتياح بـ(مجازر صبرا وشاتيلا) بعد ترحيل المقاتلين عبر البحر إلى جهة غير معلومة – تبين بعد ذلك أنها (جزيرة قبرص) لتُسَجل الجريمة بعدها ضدّ مجهول ولتحفظ ملفّاتها مع من دفنوا أحياءً أو أمواتا.. لا فرق..!
خلال الاجتياح الإسرائيلي البربري لـ(العاصمة الدائمة للثقافة العربية) كانت (حرب الخليج الأولى) قد أتت على الأخضر واليابس فاستهلكت كل شيء. حتى المواقف.
كان حبلا قصيرا تماما مثل حبل الكذب وكان هناك طرفان يتجاذبانه.. كل يريد إسقاط الآخر. وبعد ثماني سنوات تبين أنّ الساقط الأوحد هما الشعبان.. العراقي والإيراني.
ففيما كانت إسرائيل تخترق الغيوم العربية الداكنة والأراضي “اللي بتتكلم عربي” لتجعل من عالي (مفاعل تموز) سافله وسط تصفيق حادّ من الولايات المتحدة الأمريكية وصمت دولي أكثر حدّة، كنا منكبّون (نراجع) كتاب (تفسير الأحلام) لـ(ابن سيرين)..!
ومن أجل أن يُصَحح الخطأ الفادح بالخطيئة (الفادحة جدا) كان الاجتياح العراقي للكويت حيث التنفيذ المقلوب لـ(الإعلان القومي).
وفي غمرة الاحتجاجات الدولية العاصفة، ووسط ضجيج التهديد والوعيد، وقرقعة وجلبة نقل القوات العسكرية عبر البحار والمحيطات للصحراء العربية، ظهر فجأة (بسمارك) بخوذته الحديدية الشهيرة، ليقوم بأغرب وحدة بين بلدين منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أيام من توالي المسرحيات القصيرة والسمجة والتي غلب على سيناريوهاتها الاستعجال والركاكة (البالغة).
وعلى عادة العرب في المناظرات والسجالات (البيزنطية)، قادت الدبلوماسية العراقية معركتها السياسية على طريقة (حوار الطرشان) الذي لم يستفد منه أحد من المُستَهدفين من وراء تبنيه. لا الفلسطينيون في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لسنة 1967. ولا الدول الفقيرة التي دعيت لملء خزاناتها من النفط العراقي مجانا والذي أصبح ويا للعجب برخص الدم العراقي، سواء المسفوح منه أو الاحتياطي ذلك المخزون في (الشرايين السمراء).
بعد مضي ستة شهور، تُركت الكويت فيها “خاوية على عروشها” تجترّ ذكرياتها عن الوحدة وعودتها إلى الأصل، في أغرب انسحاب في التاريخ، جسّد بحقّ، سياسة حافة الهاوية، والتي لا تصلح إلا في مباريات في الشطرنج حيث لا دماء تسفك ولا أموال تهدر ولا مستقبل يبدد.
فكانت محرقة طريق (العبدلي) التي تلتها إملاءات (خيمة صفوان)..!!

هذه المرة ليست الحرب هي التي أكلت “الأخضر واليابس”، إنما من قام بهذه المهمّة هو: (الحصار الاقتصادي). وكان بحقّ أخبث حصار اقتصاديّ عرفه التاريخ، تحوّل على إثره الكثير من أبناء شعب متمدّن إلى لاجئين أو متسوّلين في الخارج، والى لصوص ومرتشين في الداخل ممهّدين إنسانه ليتحوّل إلى كائن غريب يرضى بكل شيء حتى الاحتلال. وبدلا من رفعه لشعار (الثورة من أجل التغيير)، أقنعوه أو بالأحرى أوهموا من كان على استعداد لأن يلغي عقله من أجل غايات شتى تتعدد بتعدد النيات والإرادات، إنّ عصر الثورات قد ولّى بشعاراته. وأن عصرا جديدا يقوم على (مبدأ) “جواز الاستعانة بالكفار” آخذ بالتشكل. فتحركت الأجهزة الاستخباراتية مدعومة بالآلة الإعلامية الجبارة لتشترى ذمما وعقولا وأصواتا من أجل قلب المفاهيم وتزييف الوعي، ليلطخوا واجهة العالم كله بشعار (الاحتلال الأجنبي من أجل التغيير) أو (التحرير) كما جاء في رواية اخرى ولفظ آخر، وحتى هذا الهدف لم يتحقق، فقد كان تبديلا ولم يكن تغييرا بالمعنى الذي تحمله كلمة (تغيير) بدلالتها المعروفة. والوقائع تترى وتتوالى يوما بعد آخر لتؤكد ذلك..

ولمّا كان الغرب مجرّد “صدفة تاريخية وليس تعبيرا جغرافيا”، كما يحلو لـ (روجيه غارودي) أن يصفه، فقد تبيّن أن أميركا حين جاءت إلى العراق، فإنما بلا خطّة عمل أو برنامج مدني لما بعد الاحتلال. وعلى هذا الأساس فقد تركت كل الأمور فيه للصدفة، ليعيش العراق من شماله إلى جنوبه فترة صراع لا يعرف أحد حتى الآن مداها ولا متى وكيف تنتهي.
ملاحظة أخيرة: بالأمس القريب كان الاحتلال في الفكر العربي يعكس كاصطلاح العداء الذي يستدعي المقاومة، ويثير في نفوس الناس القرف والاشمئزاز رؤية المتعاونين (الخونة) معه. ومن أول وهلة يعطي انطباعا مزريا لما آلت إليه حال الأمة من ضعف ووهن يدفع إلى ضرورة خلق ظروف مناسبة وأحيانا ثورية تدفع باتجاه تغيير شامل لمواجهة الفعل (الاحتلال).
أمّا اليوم وبعد تجربة طويلة ومريرة مع أنظمة (وطنية) و(ثورية) أدّت – للأسف – إلى تكييف مناخات فكرية وخلق ظروف نفسية اضطرت الانسان العربي معها لعقد مقارنات بين الاحتلال و(الحكم الوطني)، كان مؤشّر الرجحان في الميزان يميل الى أو يشير في الجدول إلى خانة الاستعمار.. وكانت تلك حقيقة مؤلمة أن تكون النتيجة لصالح الاحتلال!
فإلى أيّ مدى كان الإنسان العربي مخدوعا…؟!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق