تأملات في “حادث عابر”: في العنف القائد للدولة والمجتمع

“ربما يكون التحيز كما اعتقد عمانويل كانط، هو الميل نحو إجراء المرء استثناءات لنفسه أو لقضيته، هو الضعف الإنساني المركزي الذي تنبثق منه جميع العيوب الأخرى، وهذا الضعف يصيب العاطفة القومية كما يصيب جميع المناحي الأخرى. مولداً ما دعاه الإيطاليون تحت حكم موسوليني بالأنانية المقدسة للقومية”.عن كتاب الأمم والقومية، إرنست غيلنر. دار المدى، دمشق، 1999. ص 16-17.

لا يكفي النظر إلى الشِجار الذي وقع في منطقة ديريك (المالكية) أقصى الشمال الشرقي السوري في أوائل أبريل المنصرم، وأودى بحياة شاب “كردي” على يد شاب (أو أكثر) “سرياني مسيحي”، وكاد أن يتمظهر على هيئة صراع قومي.. لا يكفي النظر إليه كمجرد مشكلة جنائية تقع نظائرها في أي مكان. فقد كادت تترتب عليه أزمة أهلية واسعة، لولا أن تدخلت آليات تهدئة أهلية بدورها. وما زالت احتمالات اندلاع أحداث عنيفة واردة نظراً لحضور محفزاتها على المستويات كافة، ولأن آليات المصالحة والتطويق الأهلية لا تحل المشكلات بقدر ما تغطيها وترجئها. ومعلوم أن سورية شهدت حوادث من هذا القبيل خلال السنوات القليلة الماضية، عولجت بمزيج من القمع الحكومي والتصالح الأهلي.

تستدعي معالجة جدية تناولا أعمق لآليات تكون واشتغال الوعي الاجتماعي والسياسي في منطقة الجزيرة السورية، الحافلة بتعدد إثني وقومي وديني ومذهبي نادر في غناه… معالجة تستغني عن نظرية المؤامرة التي ترتاب بأن وراء أي تحرك اجتماعي أو كلام على التكوينات الاجتماعية المتعددة، خطة لدقّ إسفين في “وحدتنا الوطنية” التي سوف “تتكسر على صخرتها كافة المؤامرات الخارجية والداخلية”.

ديريك، تصريفٌ كردي لكلمة “دير”، نسبة لكنيسة صغيرة (دير) للمسيحيين فيها، واللاحقة “يك” بالكردية تفيد التصغير. أما المالكية فهي التسمية الرسمية بعد حملة تعريب الأسماء الكردية في الجزيرة إثر عملية “تشريد المكان عن أسمائه” بحسب تعبير الروائي والشاعر سليم بركات. وتقطن البلدة أغلبية كردية (مع نسبة عالية بينهم للمجردين من الجنسية تبعاً للإحصاء السكاني الاستثنائي لعام 1962، الذي حرم ما يقارب اليوم ربع مليون كردي في محافظة الحسكة من الجنسية السورية.) وترتبط البلدة بعلاقات اجتماعية وعشائرية متينة مع أكراد الجوار التركي والعراقي. ويسكنها كذلك مسيحيون سريان وآشوريون، يتداخلون مع الأكراد ثقافة وجغرافية وتاريخاً، ويرتبطون بدورهم بالجوار نفسه، وإن ليس بالدرجة الفاعلة نفسها للكرد، والكثير منهم يتقن اللغة الكردية (لهجة بوتان)، والكبار بالسن منهم قد لا يعرفون سوى الكردية لغة يومية. كما يتواجد في البلدة عرب استقدموا إليها من مناطق حوض الفرات (“عرب الغمر”، أي الذين غمرت قراهم بحيرة سد الفرات)، وموظفون في أجهزة الدولة من خارج المنطقة، بالإضافة إلى عشائر عربية قليلة في الريف المجاور.

لم تثر التعددية الإثنية والدينية للمنطقة مشكلات تصادمية وتناحرية يوماً، رغم أنها لم تتسم دوماً بالودية والتسامح اللذين نتكلم عليهما في كثير من الأحيان. وغير صحيح أيضاً القول إن النظام الاستبدادي هو المسؤول الوحيد عن زرع الانقسامات بين أطياف المجتمع، أو إن أصل التنازع هو “القوى الخارجية” التي تتربص بنا ليل نهار. فالواقع أن الجميع ينتجون خطابات عنف رمزي، والجميع ينخرطون في عملية صناعة العدو في سياق خوض معارك سياسية وإيديولوجية ضد جماعات أخرى. ومن مقتضيات هذه الصناعة استحضار ماضٍ سحيق من بطون كتب الأساطير ومرويات التاريخ الشفهي. إذ لا يزال مثقفون كلدو-آشوريون (وهو مصطلح تركيبي مستحدث في سياق عملية صناعة الهوية والعدو) أسرى اللحظة الإمبراطورية والأسبقية التاريخية. واقتران هذا التثبت النفسي مع عقدة الأقلية المحاصرة قومياً ودينياً، ومع بيئة إقليمية هائجة ومضطربة، يولد لديهم شعوراً بالغربة والقلق وفرط الحساسية حيال المحيط. ولا يساعد المثال العراقي، القريب جغرافياً من الجزيرة، على تهدئة هذه المشاعر، لا بل هو يزيدها استعاراً وتوتراً .

إلى ذلك تستعيد الذاكرة السريانية ذكرى مذابح نفذت بحقهم في أواخر عهد السلطنة العثمانية وشارك في تنفيذها أكراد غُرر بهم دينياً. لا نبرر تلك المجازر الشنيعة التي ارتكبت بحق السريان والأرمن. لكن الأكراد لم يكونوا أصحاب القرار في تصفية الأرمن والسريان، ولا اندرج ذلك في مشروع سياسي كردي.

على أن الخطابات الكردية غير محايدة وغير عقلانية بدورها. هنا أيضا ثمة ميل واضح في السنوات الأخيرة نحو رفع شعارات سياسية براقة لكن متهافتة، تفيد في عملية صنع التاريخ والأساطير للجمهور العام. فيقال مثلاً أن رأس العين تعريبٌ قسري لاسم كردي أصلي للمدينة (serê kaniyê يحمل المعنى نفسه. هذا بينما التسميتان معاً، العربية والكردية، موجودتان منذ زمن بعيد ولا علاقة للتعريب أو أنظمة الحكم بذلك إطلاقاً! كما يجري على صعيد واسع الترويج سياسياً وإعلامياً لاسم “قامشلو” بدلاً من “قامشلي” (الكلمتان متداولتان بين عامة الأكراد في الجزيرة بنفس النسبة تقريباً). إذ يظن دعاة “قامشلو” أنه كلما ابتعدنا عن التسمية “الرسمية” للمدينة كان ذلك اقتراباً من الحقيقة القومية الأصيلة. وتدعي بيانات أحزاب ومثقفين أكراد بحماس قومي شديد أن قامشلو معربة إلى قامشلي، في حين أن تسمية قامشلي هي الأدق في اللغة الكردية ذاتها! (فالكلمة من “قاميش” التي تعني بالكردية والتركية القَصب، وهذا نبات ينمو على ضفاف نهر جغجغ الذي يشق المدينة؛ أما “لي” فهي حرف جر بالكردية، وتأتي هنا بمثابة لاحقة تفيد معنى “فيها”. وبذلك نحصل على قامشلي، أي المدينة التي ينمو فيها نبات القصب).

هناك بالمقابل من بدأ بالبحث عن اسم سرياني أو آشوري لديريك. والمهم ألا يكون كردياً أو عربياً.

وليس أسهل من ترويج الأوهام والأضاليل في وسط يصفق بسهولة للخطابات التحريضية التي يتسابق فيها الجميع، بهدف كسب “الجمهور” الضروري للصراع على السلطة الرمزية والمعنوية داخل كل جماعة. فالنيل من الجماعات الأخرى يغدو الوسيلة المجربة للحصول على الشعبية والفوز بالصدارة ضمن جماعتـ”نا” ذاتها.

ونسجل هنا صمت غالبية المثقفين الكرد حيال عمليات تسطيح الوعي السياسي والثقافي الكردي، إن لم نقل مسؤوليتهم المباشرة عن ذلك. ولا نبالغ إن قلنا إن المثقف الكردي النقدي لم يبرز حتى الآن على الساحة ولم يمارس الدور النقدي والعقلاني المأمول منه. بالعكس، نشهد محاولات لدفع الحركة السياسية الكردية باتجاه الانعزالية واللاعقلانية، وهذا تحت شعار مراعاة مشاعر الجماهير، فيما القصد هو اللعب على غرائز الجماهير الجمعية. ويتجنب كثير من هؤلاء المثقفين أي كلام على الواقع الفعلي لجماهيرهـ”م”. لقد تنبهوا فجأة لاحتقان الجمهور، ففضلوا ركوب الموجة بدلاً من الوقوف بمسؤولية أمام تلك اللوحة المعقدة. نعتقد من جهتنا أن احترام مشاعر الناس واجب، لكن تأجيج العواطف وتغذية الضغائن استغلال غير إنساني ومصلحي للغاية، ويخدم تطلعات الصدارة ونيل شعبية رخيصة على حساب الجمهور.

كان أمراً محزناً أن يتحدث كاتب كردي، يرى نفسه مثقفاً طليعياً و”الممثل الشرعي والوحيد” للتيار الملتزم و”الجاد”، المعبر عن نبض الجماهير، نبضةً نبضة، عن “استشهاد” شاب كردي على يد مجموعة من “الإخوة” المسيحيين (في الواقع قتل الشاب الكردي في شجار عادي). هذا دون أن ينسى الكاتب كيل بعض السباب للسلطات الرسمية. ولا يقل عن ذلك تهويلاً ومبالغة وطيشاً قيام مجموعات “مسيحية” في الخارج والداخل بطلب حماية دولية للمسيحيين في الجزيرة، خوفاً من بطش “عصابات الأكراد”؟!

ولم تتوانَ مواقع الكترونية كردية وسريانية عن نشر كتابات وخطابات حربية مفعمة بالعنف الرمزي، مرفقة مع ذلك بكلام موارب وغير صادق عن الأخوة و المصير المشترك والوحدة الوطنية!!

قد يبدو غريباً أن ما ساعد في تطويق الحادث المذكور ليس تدخل الدولة بل عدم تدخلها، وتولي المجتمع الأهلي وحده حل النزاع (رجال دين مسيحيون ومسلمون، لكن أيضاً ناشطون سياسيون أكراد وسريان وفعاليات مدنية واجتماعية في المنطقة).

بيد أن انسحاب الدولة بحد ذاته مؤشر سيء برأينا على المدى البعيد. فالمطلوب حكم القانون وتسويته بين الناس بصرف النظر عن هوياتهم، وليس مصالحة أهلية لا تضمن مناعة دائمة ضد نزاعات أهلية محدودة أو واسعة.

إننا نتطلع هنا إلى دولة “باعتبارها وكالة تمتلك وحدها احتكار العنف المشروع (ماكس فيبر). والفكرة الكامنة وراء هذه بسيطة: في المجتمعات الحديثة يكون العنف الخصوصي private أو القطاعي sectional غير مشروع. فالعنف لا يمكن ممارسته إلا عن طريق السلطة السياسية المركزية، وأولئك الذي تفوضهم هذا الحق. والعقوبة القصوى من بين العقوبات المتنوعة لصيانة النظام، لا يمكن أن تتولى تطبيقها إلا وكالة واحدة خاصة، محددة بوضوح، وممركزة جيداً، ضمن المجتمع، تلك الوكالة أو مجموعة الوكالات هي الدولة (الأمم والقومية، المصدر الذي اقتبسنا منه تصدير هذا المقال، ص 18-19). والمشكلة في بلدنا ليست في استخدام الدولة المحتمل للعنف بل في عدم انضباط العنف هذا بقاعدة مطردة، وقبل ذلك في شرعية الجهة التي تقرر استخدامه. فلكي يكون احتكار الدول للعنف مشروعاً، ينبغي أن تكون مشكلة شرعية السلطة محلولة، أي أن تكون سلطة منتخبة يستطيع الشعب أن لا يعيد انتخابها. هذا غير محقق في بلدنا، الأمر الذي يجعل عنف “الدولة” العمومي من حيث المبدأ، قليل الاختلاف عن أي عنف خصوصي، تمارسه أطراف اجتماعية خاصة.

وهذا ما تجلى خلال معالجة السلطات لأحداث القامشلي 2004، حيث لم تكتف السلطات بالتحامل على مواطنيها الكرد: اعتقال المئات، تعذيب، قتل تحت التعذيب، إهانة كرامة المعتقلين. بل مضت إلى حد تسليح عشائر عربية وفروع حزب البعث لمواجهة المواطنين الأكراد..ما يعني أنها لم تتصرف كدولة بل كطرف اجتماعي، ولم تعمل من أجل التماسك الوطني بل غذت التنازع والانقسام بين من يفترض أنهم مواطنوها المتساوين.

وكان من اللافت أن “الدولة” التي تحصي على المواطنين أنفاسهم وتتدخل في أبسط شؤونهم اليومية، انسحبت بكامل أجهزتها الأمنية والحزبية أمام الفيضان الذي اجتاح قبل شهور مدينة رأس العين، وترك أهالي المدينة يواجهون لوحدهم أضرار الفيضان. وعندما تدخلت الحكومة متأخرة لمساعدة مواطنيها المنكوبين وزعت عليهم مواد تموينية فاسدة ومنتهية الصلاحية. وهذا أمر وثقه ناشطون حقوقيون وسياسيون أكراد في المدينة.

وهكذا تنسحب “الدولة” حيث يجب أن تتدخل، وتتدخل حيث كان يجب أن تكون محايدة أو حكماً.ومن المفهوم، تاليا، أن يتدخل المجتمع الأهلي حيث تغيب الدولة أو تجور على مواطنيها، ومن المنطقي أيضاً أن لا تتمكن مجتمعاتنا الأهلية تجاوز ما اعتادته من معالجات ومخارج لمشكلات تنازعها التي لا تنفك تتكرر. تتكرر دوريا، لكن دونما تقدم وضد أي تقدم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق