تاء ترياق، تاء تركيا / سمير عطا الله

“جاؤوا من الشياح”، قال الخبر الاول. “بل جاؤوا من برج البراجنة”، قال التوضيح. لم تعد الهويات طائفية او مذهبية او مناطقية. دخلنا عالم الحقيقة. نحن مجرد أحياء متقاتلة ترفع جميعها شعار “الوحدة الوطنية” والشراكة الملزمة. من الشياح، او برج البراجنة، جاؤوا الى الحي المقابل، عين الرمانة. عنوان الفاجعة ومسقط 13 نيسان. إذاً، لا بد من خوف عام. لكن صوتا حازما سارع الى طمأنة ضعفاء النفوس: ما هو إلا حادث امني على دراجة. كيف يكون حادثا “امنيا” مجيء الدراجين من برج البراجنة الى عين الرمانة لطعن شاب عائد الى منزله طعنا حتى الموت؟ حادث امني، قال الصوت لوالدة جورج ابو ماضي، وهي تطبع على جبينه القبلة الأخيرة.

انتهى الامر.

مدينة احياء، بيروت. واحيانا زواريب مسدودة بلا منافذ. او بصورة ادق، مدينة “تلا الحزام منها الحزام، من الشمال الى الجنوب، وفاض سكان الحزام السابق على الحزام اللاحق والتالي، او على الحزام الذي يليه”، هكذا يختصر الاستاذ وضاح شرارة (•) رؤيته لعاصمة نشأت عن “موجات هجرة من داخل لبنان الجبلي والصغير ومن داخل لبنان الكبير، وموجات الهجرة هذه جرت على احزمة واطواق كذلك”.

عاصمة قامت على ثقافات لا تنصهر في شيء، ومواطنين لكل فئة منهم مدارسها ودكاكينها ولحاموها واطباؤها “وعلى هذا فمن دوائر الحياة والحاجات الاولى، الى قمم السياسة، تقدمت الاحزمة والاطواق المنكفئة والمتحاجزة (…) وعندما استؤنفت الحروب استأنف اهل الاحزمة والاطواق المثال الذي انشأوا عليه مدينتهم العاصمة، فخندقوا وحاصروا وقصفوا وقنصوا”. وعندما يتعذر القصف والقنص، تتدخل البربرية بالسكاكين. كمثل شرب الشمبانيا فوق انقاض النبعة او الرش بالرصاص على عراة المسابح.
تلتقي الاحياء والزواريب على مشترك واحد: فظاظة الرفض للشريك المجاور. فهو معتد حتى في داره، وغريب في قلب دياره. الذين طعنوا جورج ابو ماضي امام منزله في حادث “امني”، يعني “الامن” بالنسبة اليهم الغاء الآخر باعتباره خطرا، او عبئا، او تهديدا مستقبليا، حتى لو لم يكن يشكل في حقيقة الامر ظلا واهيا. اذ بمجرد انه آخر، فهو غريب. هو خطر ديموغرافي او جغرافي او عمراني. المباني التي ينشئها اثرياء الشيعة في الاشرفية، او المجمعات التي يقيمها مقاولو السنّة في جوار صيدا، لا ينظر اليها على انها حدث عمراني بل على انها خطر من البشر والاسمنت ونيات التوسع والتمدد في الديار المسيحية المنكفئة انحسارا.
هذا ما يسميه وضاح شرارة حال الانفصام التاريخي، في الدولة والوطن والناس. احب ان اضيف، الانفصام في الذات. وهذه علة لبنان وعلة وجوده كما تقول خوليا شقير(••). اذ بسبب البناء على نزعات 17 طائفة استطاع لبنان البقاء ديموقراطيا ولم يعلق “في براثن السلطوية التي عرفتها جملة من البلدان العربية في القرن العشرين”.

الطوائف، القبائل، الاحزاب، الاحياء، الازقة، جعلته ايضا بلدا من دون حكم مركزي فعال. وفي الماضي كان اللبنانيون يلتقون على تجاهل القانون العام فاصبحوا يلتقون على تجاهل الدستور وبقايا القيم الاخلاقية، ومنها الحرمات، وخصوصا حرمة الموت والحزن. واصبحنا ننسى، فيما ندوس اعرافا ومواثيق وتقاليد، ان نؤاسي امهات الضحايا، الذين يسقطون مصادفة المكان وخطأ الزمان.

لم نبن مدينة ولا قرية ولا وطناً. في المسرحية التي يسخر زياد الرحباني من ذلك العالم الجميل الذي بناه عاصي ومنصور من لُبن الشعر وقش العشق، يقول إن تلك القرية الزاهرة لا حقيقة لها “تعى آخدك عَ ضيعة حقيقية”. فاذا على مشارف الضيعة الحقيقية حاجز على الهوية وخوف من الموت، ولا حياة بعد الحاجز، لا سماح، لا اخوة، لا شراكة، لا جوار، لا رفقة عمر، لا ارض واحدة ولا سماء واحدة ولا شيء سوى الشيطان يفتت النفوس بالدور، وبالتناوب.

يا له من غضب ولعنة. ان يعطي الرب قوما ارضا ويمنعهم الشيطان من ان يبنوا فوقها وطناً. بدل الوطن، تحكم عليهم اللعنة متاهة الازقة والزواريب، ويمنع على احيائهم الفرح والسكينة وعلى امواتهم العزاء. قبائل وافخاذ متكاذبة، متخابثة، تدعي كره التقسيم في النهار، وفي الليل تبيت كل منها في مخيمها وفي منطقتها وفي طوقها وفي حزامها وفي فصامها الابدي ومستنقعات الحض والتحريض السياسي.

عام 1916 اعدم جمال باشا السفاح طالبي الحرية من اللبنانيين في ساحة اصبحت تعرف باسمهم. وليس مهماً كيف انتهى به الامر في ما بعد، عميلا يعرض خبراته على الروس ثم مشردا ثم قتيلا. المهم ان هذه الساحة الصغيرة كانت احدى الساحات التي تداعت فيها امبراطورية السلاطين الذين ذبح احدهم “محمد الفاتح” 25 أخاً من اخوته. فقد كانت اهمية بيروت انها “ثغر” من ثغور الاستقلال في المشرق العربي. وكان رجالها صوتا من اصوات الحرية في مدن الارض. جبران في نيويورك وشكري غانم في باريس وعشرات العاملين في سبيل الخروج من عصر كلما ضرب فيه جمال باشا جزمته بعصاه، خرّت مجموعة جديدة من الاحرار.
ماذا يحدث خريف 2009؟ يحدث نصر عظيم وعجب عجاب في يوم واحد. في زوريخ، يوقع الارمن، او القادة المستنيرون منهم، عقد سماح ومصالحة مع تركيا على رغم ذكرى المجازر الجماعية التي لا تمحى ولا تنسى ولا تعوَّض. ولكن في عالم تصالح فيه الفرنسيون، (حتى جيل هتلر)، مع الالمان، وركع فيلي برانت معتذرا عن برلين الكاسرة في قلب فرصوفيا، واعتذرت اليابان المتوحشة من الصين وكوريا. في مثل هذا العالم، لا بد ان تطوي الالفية الثالثة ما انتهت عليه الالفية الثانية من قباحات بشرية وهول وحشي وتوتاليتاريات مريضة ادى عفنها العقلي الى موت الملايين من الخلائق.

هناك العجب ايضا. من انقرة، في بلاد الاناضول، وليس من الاستانة، يبشر رجب طيب اردوغان، المعروف تحببا بـ”مؤذن اسطنبول”، يبشر اللبنانيين عموما بأن حكومتهم العتيدة قاب يوم او يومين. انتظرنا البشرى من طهران. من دمشق. من الرياض. من واشنطن. يا سيدي، كرمالك من باريس. من العاصمة القطرية. وانا، شخصيا، كنت انتظر عودة نائب الرئيس السوداني، حاملا الينا البخور من دارفور وليس من موطنه (البخور) في كردفان. وكنت انتظر السنيور سولانا، خافيير، وموراتينوس وافتيموس وكرياكوس وبان كي – مون وامين الجامعة العربية ومدير مكتبه ووزير المخابرات المصرية ونائبه ونائب نائبه.

انتظرنا تشكيل الحكومة من كل مكان في الدنيا، أليس هذا “شعبا عنيدا” حقا؟ لا هم لأهل الدنيا إلا حكومته، من يرسب ومن ينجح، ومن يحقّب (من حقيبة) ماذا؟ وكيف تكون الشراكة الوطنية الحقة، ذات النبل والرفعة، بالمال ام بالبرق والبريد والهاتف ومعها الانترنت؟

حقق الرئيس اردوغان في حقبة قصيرة ما لم يحققه زعيم تركي منذ خصمه الاكبر مصطفى كمال اتاتورك. عزل، وئيدا، النفوذ العلماني. أقام هدنة مع اكراد الداخل والخارج. أعاد تركيا الى العالم العربي والاسلامي للمرة الاولى منذ خروج “تركيا الفتاة”. أقام عقدا يشبه الحلف مع سوريا بعد قرن من العداء. ذهب الى زيارة ارمينيا. وقبل ايام عقد المصالحة مع اليونان، ربما بنصيحة من زميلنا جهاد الزين. لكن اعظم ما حققه حتى الآن انه عرف موعد تشكيل الحكومة اللبنانية، ولو على وجه التقريب.

(• أهواء بيروت ومسارحها، دار النهار للنشر. •• ما يتعدى الواجهة، الاصلاح السياسي في العالم العربي، الدار نفسها.)

عن جريدة النهار 14/10/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق