تاريخ العلم ومنطق الثورة

أ- تمهيد:

 انتهينا في المقال السابق [منشور بموقع الأوان، بعنوان: الوضعية ونظرتها الجديدة إلى الفلسفة] إلى أن بوبر رفض بشدة مزاعم الوضعيين المناطقة حول تصورهم لطبيعة التطور العلمي الذي اعتبروا أنه يسير بطريقة تراكمية، بحيث أن ما يشغل العلم هو الوصول إلى قوانين عامة تختزل تعددية العالم وتنوعه، وأن مهمة الفلسفة في هذا التصور تقتصر على التحليل المنطقي للمفاهيم المشكلة للقوانين العلمية فقط (1). إن هذه الرؤية في نظر بوبر تنمّ عن محدودية وقصور في فهم طبيعة العلم التي تتنافى مع هذه التأويلات الاستاتيكية السكونية، لأنها تبعد الفلسفة عن دائرة العلم، وتسحب منها كافة الصلاحيات التي تخول لها المساهمة في بناء صرح المعرفة العلمية، وصنع الحضارة الفكرية الإنسانية، من هنا سعى بوبر إلى بلورة منهج يستجيب لهذه التطورات العلمية المتواصلة ويستوعب كل التغيرات التي بدا له أن الأطر والقوالب التي صاغها الوضعيون لم تعد قادرة على فهمها بشكل دقيق، ولم يكن هذا المنهج الجديد سوى مبدأ القابلية للتكذيب(2) الذي اقترحه بوبر كمنهج لتمييز العلم الاختباري عن بقية الأنساق الأخرى التي لا تقبل قضاياها الخضوع للاختبار، ومعه معيار التكذيب الذي تنحصر مهمته في دحض النظريات وكشف أخطائها لإبعادها وإزاحتها، لتحل محلها نظريات أخرى ذات محتوى أكبر في انتظار أن تبطل هي الأخرى، وهكذا تظل هذه العملية الجدلية مستمرة في كتابة قصة العلم التي لا تعرف النهاية.

 إن توقف بوبر عند المنهج العلمي أبقاه حبيس الرؤية الوضعية التي ارتبطت بمعيار التمييز والحد الفاصل فقط، لهذا كان يدور في فلك حلقة فيينا رغم تصوراته المتناقضة معهم.

 غير أن هذا لا يسقط عن بوبر كونه هيأ الإبستومولوجيا اللاحقة للحديث عن تاريخ العلم كمكوّن أساسيّ في النظرية الإبستمولوجية، حينما دافع عن تصوّر ثوريّ لتاريخ العلم، مؤدّاه أن العلم لا ينمو عبر تراكم نظرياته، وإنما انطلاقا من إبطالها المستمرّ، لهذا يظلّ تأكيده على الثورة كخاصية مميزة للعلم إرهاصا قويا بشّر بظهور الوعي بتاريخ العلم، [لأن الاقتصار على منهج العلم كما هو في راهنيته ينفي بعده التاريخي، ويجعل من الثبات والجمود منطقا محايثا للعلم]، وهو ما سيجد أبلغ تعبير عنه في ثنايا كتاب “بنية الثورات العلمية” لصاحبه توماس كون، هذا الأخير سيجعل من عمله الفلسفي السالف الذكر، مناسبة للإعلان الصريح عن الثورة باعتبارها القانون الذي ينظم العلم، وذلك استمرارا للتقليد الذي أرساه بوبر، إلا أن جدّة تصوّر كون تظهر في إحلاله الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم.

 توماس كون والوعي بتاريخ العلم:

في معرض معالجته لطبيعة التطور العلمي، حاول توماس كون أن يدحض فكرة التطور التراكمي التي تعتبر أن العلم يتوسع وينمو كلما تراكمت القوانين العلمية والنظريات المؤيدة لها، ومن هنا اعتبر أن الرؤية المتوارثة لا تعبر فعلا عما حدث في تاريخ العلم، ذلك أن هذا الأخير لا يتطور بمراكمة الاكتشافات والاختراعات الفردية، لأنه محكوم بمبدأ التطور، وهذا ما يكشفه تاريخ العلم الذي يوضح أن العلم ما هو إلا تاريخ ثورات تترى متعاقبة ومستمرة.

 فالثورات المتتالية التي تؤدي إلى انهيار براديجم قائم وظهور براديجم جديد، تظهر أن المعرفة بتطور العلم ومنهجه تبقى رهينة بالمعرفة بتاريخ العلم، لهذا يمكن القول بأن إيمان التصور الوضعي بتراكمية العلم مرده أساسا إلى إغفالهم لدور التاريخ في صناعة النظرية العلمية ومنهجها.

 لقد ساد اعتقاد قوي في أن العلم قد وصل ذروة التقدم، وأن النظرية القائمة تستطيع تفسير كل الظواهر، ومادام المنهج العلمي هو المنهج التجريبي فما يمكن التجريب عليه ينتمي إلى دائرة العلم، وما لا يقبل التجريب يبقى خارج العلم، لهذا توقف الوضعيون استجابة لهذا التطور العلمي عند حدود المنهج الذي يميز بين العلم / المعنى واللاعلام / اللامعنى، ولم يعيروا أي اهتمام لتاريخ العلم، على اعتبار أنه تاريخ خواء، واقتصرت مشكلتهم على معيار التمييز فقط، مما حال بينهم وبين رؤية العلم في تاريخيته، من هذا المنطلق لم يلق التاريخ الاهتمام المستحق، باعتبار أنه مكون أساسي من مكونات النظريات العلمية حتى جاء توماس كون.(3)

 أكد صاحب كتاب “بنية الثورات العلمية” على الدور الأساسي الذي يلعبه التاريخ، حينما اعتبر أنه ليس مجرد سرد لأحداث متعاقبة سالفة، بل إنه رؤية تتوقف عند النظريات العلمية السابقة التي لا يجب التنكر لقيمتها رغم تجاوزها، لأنها لعبت دور المهيئ لهذه النظريات الجديدة، فالعلم بناء ينمو ويستمر، إلا أن النظرية الجديدة لا تنفي القديمة، بل تزيد من توسيع مدارك العلم بشكل أكبر مما تفعله السابقة، ولهذا فإن الوعي بالتاريخ سيمكن من إحداث تغيير جوهري في تصورنا للعلم، شريطة ألا تكون هذه العودة إلى التاريخ محكومة بغاية تقييم ومحاكمة الماضي بمعايير العلم الحاضر(4).

 إن التوقف عند الإنجازات العلمية في صورتها الراهنة المكتملة يعطي بعدا سلبيا وقاصرا للعلم وتاريخه وفلسفته، وهذا هو ما تكشف عنه المراجع العلمية والكتب المدرسية التي قد تنفع في الأغراض التعليمية، لكنها تكاد تكون عاجزة عن أن تحكي القصة الحقيقية التي عاشها تاريخ العلم، إن فلسفات العلم التي انفصلت عن تاريخه وتعاملت فقط مع النظريات القائمة، وظلت مرتبطة بالمنهج وببيئة النظرية العلمية وخصائصها ومعاييرها، إنما تكشف عن قصور واضح في الإحاطة بالعلم كما هو، لأن النظريات التي تشكل مكون العلم الحاضر إنما انبنت على أكتاف النظريات السابقة. (5)

 إن غاية توماس كون من التأكيد على دور التاريخ هي إظهار أن العلم لا يمكن اختزاله في مجموع الوقائع والنظريات والمناهج التي تتضمنها الكتب والمخطوطات الموجودة، لأن مثل هذا الطرح يظهر أن تاريخ العلم هو تاريخ عباقرة وعظماء صنعوا الحضارة البشرية، وحينها سيغدو التطور العلمي مجرد عملية مجزأة شارك فيها أشخاص متفرقون دون أن يكون هناك أساس يوحدهم أو تصور يجمعهم، ولن يكون تاريخ العلم أيضا سوى سرد لحوادث وتسجيل لنتائج وإسهامات العلماء المتعاقبة، هكذا سوف تصبح مهمة مؤرخ العلم هي تعقب السير الذاتية للعلماء وتحديد العوامل التي أدت إلى اكتشافاتهم العلمية وتعيين زمان ومكان الاكتشاف(6)، مثل هذا القول سيقود ولا شك إلى السقوط في نزعة عرقية تمجد الأمة التي تنجب العلماء، بينما تقصي بقية الأمم الأخرى، كما أن العلم يصبح متوقفا عند حدود تتحكم فيها عوامل عنصرية لا علاقة لها بالعلم، بل أكثر من ذلك، يفقد العلم البشري قيمته حينما يتحول إلى تاريخ نظريات متفرقة، كان وراء ظهورها عبقرية أو صدفة ما، وهذا أمر يتنافى وتاريخ العلم الذي سيدل على أن البحوث العلمية والاكتشافات، إنما كانت تظهر في سياق الاستجابة للمشاكل النظرية التي تهز أركان العلم في لحظة معينة.

 من هنا يصل توماس كون إلى القول بأن تاريخ العلم هو تاريخ سجال بين الأفكار والنظريات المتصارعة، وحينما يتعلق الأمر بأفكار، فإن هذا يجعلها ذات طابع كوني بعيدا عن الارتباطات العرقية التي تجعلها حكرا على البعض دون البعض الآخر، إذ أن للأفكار منطقها الخاص الذي يجعلها بمنأى عن تحكم الأشخاص.

 غير أن منطق الأفكار الذي يعتبر غير خاضع للأشخاص، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الطريقة التي تربو بها المعرفة العلمية وتزيد لن تكون تراكمية، وإنما تؤكد على أن الخاصية الملازمة للعلم هي التطور المستمر، إلا أن هذا التحول من نظرية إلى أخرى لا يلغي القديمة، فتخلي العلم عن نظريات معينة لا يعني أن أطرها ومقولاتها متناقضة معه، وإنما يوحي بأن هذه النظرية قد استنفذت كل إمكاناتها بحيث أصبح التمسك بها ضربا من الدوغمائية الوثوقية، هكذا يغدو اعتبار العلم مسلسلا تراكميا أمرا يصعب قبوله، وقيمة التاريخ تتجلى في أنه هو من يكشف بوضوح زيف الدعاوى والمقولات التراكمية، ويبرز الطابع الثوري الدائم للعلم(7).

 يعتقد توماس كون أن الخاصية التي كانت ملازمة للعلم منذ ظهوره هي سعيه إلى استيعاب مختلف الظواهر الواقعية وتقديم فهم دقيق وواسع للعالم، لهذا يمكن النظر إلى تاريخ العلم على أنه تاريخ صراع مجموعة من المفاهيم والرؤى المتفاوتة التي تقدم لحل وتفسير الطبيعة، ويعود اختلاف هذه الرؤى وصراع النظريات إلى اختلاف المنطلقات وطرق الممارسة العلمية، وغالبا ما تلعب الملاحظة والتجربة دور المحك الذي يقلل من عدد هذه النظريات، ولا يبقي إلا على الضرورية منها، وهذا يذكرنا بمبدأ أو نصل أوكام(8).

 مرحلة العلم السوي ومرحلة الثورة:

 يميز توماس كون في تاريخ العلم بين مرحلتين، مرحلة العلم السوي الذي يمثل ذلك النشاط الذي يترعرع فيه العلماء، ويتكون من مجموعة من المفاهيم والمناهج والمعتقدات التي يدافع عنها العلماء المتبنين لهذا العلم السوي، والذين يظلون متمسكين بهذا الإطار، وقد يؤدي تمسكهم هذا إلى إقصاء نظريات تتناقض مع ما يعتقدون بصحته، إلا أن هذا الإقصاء الذي تتعرض له النظريات الجديدة لا يمنعها من أن تثبت قدرتها على استيعاب الظواهر التي عجز العلم السوي عن فك ألغازها وفهمها، مما يفرض على العلماء ضرورة الاقتناع بأن الإبقاء على العلم القائم لم يعد ممكنا، ويوجههم نحو العلم الجديد، وهذه المرحلة (مرحلة التخلي عن السابق وإبداله بالجديد) هي ما سماه كون بمرحلة الثورة(9).

 فالعلم بهذا المعنى هو محاولة مستمرة تعمل بجد وجهد على إرغام الطبيعة على الاندراج ضمن قوالب فكرية جاهزة10، إلا أن هذه القوالب لا تلبث أن تعجز عن الاستمرار في استيعاب الوقائع والظواهر، وحينما تثبت عجزها يظهر براديجم جديد يقدم أطرا جديدة تستوعب تلك الشواذ التي عرقلت العلم السوي السابق، وتقدم حلولا للمشاكل التي أودت به، فتصبح بذلك بديلا يأخذ به العلماء في انتظار أن تظهر مكذبات تسقطه أيضا، من هذا المنطلق يمكن القول إن تاريخ العلم يمر عبر هاتين المرحلتين بشكل دائم، وخلالهما يكون هناك صراع ونفي بين الأطر العقلية التي تستعمل كمنظار لرؤية العالم وتفسيره، وبين تلك التي تكون قد بدأت بالظهور، وكل ثورة علمية جديدة تحمل ولاشك أطرا عقلية جديدة أيضا.

 من العلم السوي إلى الأزمة:

 يعتبر العلم السوي ذلك النشاط الفكري الذي يسعى دوما إلى حل المشاكل العالقة في العلم وفك الألغاز، بهدف توسيع المعرفة العلمية والزيادة في دقتها، ويطلق عليه أيضا اسم العلم العادي، الذي يكون سائدا في مرحلة تاريخية معينة، بحيث يأخذ به العلماء كإطار يحدد طبيعة المشاكل التي يتوجب على الجماعة العلمية حلها(11)، غير أن ما يميز العلم حينما يكون في مرحلة السير العادي هو أنه لا يسعى للوصول إلى اكتشافات جديدة، وإنما يكون اهتمامه موجها بالأساس نحول حل الألغاز والمشاكل الموجودة فقط، إذ أن أي براديجم علمي لا يتخذ صبغة العلم السوي إلا حينما يدعي القدرة على حل الألغاز، مما يجعل من الممكن القول إن توماس كون يتقاسم مع الوضعيين المناطقة منظورهم التراكمي للتطور العلمي حينما يكون بصدد الحديث عن العلم السوي، إذ أن المعرفة العلمية في هذه المرحلة لا تنمو بالابتكار والاكتشاف، لأنها تكون مجرد تراكم مطرد للحلول والإجابات التي يقدمها العلم لتجاوز الألغاز فقط(12).

 يقدم العلم السوي مجموعة من المبادئ التي يعتقد في أنها قادرة على توسيع المعرفة بالواقع، إنه عبارة عن محاولة تسعى إلى وضع الطبيعة وسجنها في علب صورية يقدمها العلم السوي(13)، من أجل فهم ظواهرها وقوانينها فهما دقيقا، أما تلك الظواهر التي يصعب أن تندرج ضمن قوالب البراديجم السوي فإنه يلغيها، بل أكثر من ذلك فإن العلماء الذين يتبنون البراديجم القائم يقفون موقف الرافض والمعادي لتلك النظريات التي تسعى إلى تقديم قوالب فكرية جديدة تكون قادرة على استيعاب تلك اللاسويات التي عجز العلم السوي فهمها، ومن أجل الحفاظ على فهمهم القائم يستمرون في القيام بتصحيح البراديجم السائد بغية سد الثغرات التي يمكن أن تحطم دعاماته، غير أنه لما كان للأفكار منطقها الخاص، فإن أي براديجم مهما كانت قوته يظل عاجزا عن حل كل الألغاز والمشاكل، ولا يمكن أن يقدم فهما تاما وكاملا بمختلف المواضيع،مما يدل على أنه لا مجال في العلم للأنساق التي تدعي الشمول وامتلاك الحقيقة، ويذكرنا هذا بمبرهنة شهيرة وضعها العالم الرياضي كورت كودل، والتي عرفت بمبرهنة اللاتمام أو خاصية عدم الاكتمال ومؤداها أن أي نسق مهما كانت آلياته وأدواته لا يستطيع أن يكون تاما وشاملا لكي يبرهن على ذاته، بل إنه يظل ناقصا وغير تام(14).

 من هذا المنطلق يمكن القول إن تاريخ العلم ما هو إلا تاريخ براديجمات تسعى للحفاظ على بقائها، إلا أنها لما كانت تتغيى استيعاب مختلف ظواهر الواقع، فإن هذا الاصطدام المباشر بالطبيعة، لا يلبث أن يثبت محدوديتها وعدم قدرتها على الصمود طويلا، مما يجعلها خاضعة لمنطق الصيرورة التاريخية. وهنا نكاد نشم عبيرا بوبريا يلامس النظرية الإبستمولوجية التي يقدمها كون للعلم، لأن بوبر حينما يتوقف عند مبدإ القابلية للإبطال كمعيار مميز للعلم، انطلاقا من أن أي نظرية لا تكون علمية إلا إذا كانت تحمل في منطوقها إمكانية إبطالها ونفيها(15)، مما يدل على أن القانون الذي يخضع له العلم، هو قانون التطور والتغير، بحيث لا يسمح لنظرية أن تعبر عن مجال العلم إلا إذا كانت فئة مكذباتها غير فارغة، ويتضح التقارب الكبير بين التصورين حينما يتحدث بوبر عن معيار الإبطال الذي يكشف دائما عن بطلان النظرية ومواقع خطئها لإزاحتها وإبعادها وتغييرها، فعلى نفس المنوال تعترض البراديجم القائم ظواهر شاذّة يعجز العلم السويّ أو البراديجم القائم عن استيعابها وفهمها مما يجعله يسقط في أزمة لا تلبث أن تفرض عليه مغادرة العلم فاتحا المجال أمام براديجم جديد يحل محله، وكأن ما يتغير عندهما هو المفاهيم. فبوبر يعتبر أن النظرية العلمية القابلة للإبطال من حيث المبدأ هي التي تعطي أوسع إمكانية لحل أكبر عدد ممكن من المشاكل العالقة في العلم، ويؤكد أيضا أن أي نظرية لا يمكن أن تكون خالية من الخطإ، ووظيفة الإبطال هي أن يكشف عن أخطائها وأن يثبت عجزها عن حل كل المشاكل، بينما يعتبر توماس كون أنّ البراديجم أو العلم السوي يحدد مجموع الإشكاليات التي يفرض على العلماء السعي إلى حلها اعتمادا على الأدوات التي يضعها البراديجم، إلا أن هذه الأدوات لا تلبث أن تعجز عن التعامل مع مختلف الظواهر، مما يجعل العلماء يقتنعون أن الإطار النظري الذي يتبنّونه بات غير قادر على الاستمرار، وبالتالي يتطلب الأمر تغييره وإعادة النظر في ثوابته، هكذا يمكن القول إن إبستمولوجيا كل من بوبر وكون تتقاطعان في عدة نقط لعل أهمها أن العلم لا يؤمن بمنطق الثبات والجمود والتبرير، بل إنه يقوم في جوهره على النفي والتقدم المستمر.(16)

 وبالعودة إلى توماس كون نصل إلى أن العلم السوي إلى جانب سعيه إلى توسيع مجال الظواهر التي ينطبق عليها أو يستوعبها يبحث دائما عن ما يسميه “كون” بالألغاز التي عجز سلفه عن فكها، إذ أن البراديجم يحمل في جعبته القدرة على فك تلك الألغاز التي عرقلت البراديجم السابق، بل يعتقد كون أن له قدرة خفية تدفع العلماء وتوجههم نحو الاهتمام بمشاكل محددة يكون في إمكانه حلها، من أجل أن يدفع بنفسه إلى التطور والتقدم، ويقصى بعض المشاكل التي يبدو له أن أطره وقوالبه العقلية لا يمكن أن تنطبق عليها، من هذا المنطلق يعتبر كون أن نجاح البراديجم لا يقاس بحجم الاكتشافات الجديدة، وإنما يقاس بحجم الألغاز التي يحلها ويفكها وأيضا بصدد الظواهر الشاذة التي يستطيع أن يخضعها لأدوات العلم السوي17، على أن هذا لا يعني أن البراديجم قادر على فهم كل الظواهر واستيعابها بشكل دائم، بل إن العلم السوي يأخذ طريقه العادي دون أن يركن إلى السؤال لأن أدواته وأطره تتيح إمكانية حل كل الألغاز التي تواجهه وتعارضه.

 ويظل العلم السوي سائرا على هذا المنوال إلى أن يجد نفسه في مواجهة ظواهر شاذة لا يستطيع فهمها والتعامل معها أو التنبؤ بها، وطبقا لمبدإ التصحيح الذاتي الذي يقوم به البراديجم فإن هذا الأخير يسعى إلى أن يعدل من أطره بما يتلاءم والمتغيرات الجديدة(18)، غير أن التعديلات المستمرة لا تلبث أن تكشف أن البراديغم القائم قد تداعت أسسه وأنه لا جدوى من ترميم بناء على حافة الانهيار، وحينها يحضر الوعي بأن البراديجم قد وقع في أزمة، وأن تلافي سقوطه لم يعد ممكنا مهما كانت قوة التعديلات، غير أن التخلي عن البراديحم القائم لمجرد وقوعه في أزمة لم يكن يتم بين عشية وضحاها، بل كان يأخذ وقتا طويلا، فالوعي بالأزمة وقوتها كان يتغلغل في الأعماق، مما كان يقنع العلماء الذين يعملون طبقا لذلك الإطار النظري أنه آن الأوان للخروج منه وتغيير أدواته، وفي هذا الصدد يتوقف كون عند محطة مهمة من تاريخ العلم توضح كيفية التحول من براديجم قائم قد أثبت التقدم أنه لم يعد قادرا على مسايرة التحولات العلمية، إلى براديجم جديد استطاع أن يفك الألغاز التي أودت سابقة، وهي مرحلة القرن 15 التي شهدت انهيار البراديجم الفلكي الأرسطو بطليموسي وقيام الإطار النظري الجديد الذي عرف بالكوببيرنيكي نسبة إلى صاحبه نيكولاس كوبيرنيكوس(19)،

 لقد كان النظام الفلكي الأول موفقا في البداية في تنبؤاته بمواقع النجوم والكواكب وحساب حركاتها بدقة عالية، إلا أن التطور الذي شهده العلم أثبت فيما بعد أن الملاحظة الحسية لحركات الكواكب لا تتلاءم والتنبؤات التي يضعها النظام الأرسطي الذي كان يعتقد أن الكواكب تتخذ في حركاتها مسارا دائريا، ذلك أن بعض الكواكب كان يظهر كما لو أنها تتوقف عن الحركة أحيانا أو تعود إلى الوراء أحيانا أخرى، وكانت هذه الملاحظات بمثابة مكذبات تتناقض مع التنبؤات التي يقدمها العلم السوي، حينها حاول بطليموس أن يعدل من مبادئه لكي يستطيع الانطباق على هذه الظاهرة الشاذة، فاقترح نظرية مؤداها أن الكواكب لا تتخذ مسارا دائريا كما يقول أرسطو، بل ترسم في حركاتها دوائر تتقاطع مع بعضها هي التي سماها بأفلاك التدوير*، فيما بعد ثبت أن أفلاك التدوير نفسها لا تعبر عن ما يحدث فعلا، لهذا ظل الوصول إلى حسابات تتناسب مع الملاحظات الفلكية هاجسا يؤرق علم الفلك، وفي كل مرة كان العلماء يقترحون تعديلات بغية الإبقاء على النظام الفلكي القائم، إلى أن أصبح معقدا إلى حد كبير، وهذا ما عبر عنه أحد الملوك الحكماء قائلا: “لو أن الإله استشارني قبل أن يشرع في خلق العالم لأشرت عليه بنظام أكثر بساطة”.هذا التعقد هو ما أقنع العلماء بأنه آن أوان التخلي عن البراديجم القائم، وكان هذا كافيا لكي يتم رفضه من قبل كوبيرنيكوس(20).

 هكذا يتضح أن البراديجمات لا تتغير بسرعة بل إن ظهور البراديجم الجديد لا يتم إلا بعد سلسلة من الإخفاقات التي تصيب النشاط السوي للعلم في إطار محاولته فك الألغاز الموجودة، ولهذا يشترط في النظرية الجديدة أن تكون قادرة على إدراج الألغاز القديمة ضمن قوالبها الجديدة(21).

 يكشف تاريخ العلم أن كثيرا من النظريات العلمية ترد في مرحلة سابقة تكون مشابهة لتلك التي تقترح كحل للخروج من أزمة معينة، إلا أنها لا تحظى باهتمام العلماء، لأنها لا تأتي في إطار براديجم علمي، لهذا تظل خارجة عنه، ومثال ذلك ما كشفه الفلكي أرسطارخوس(22) في القرن الثالث قبل م. بخصوص مركز الكون، إذ اعتبر أن الشمس توجد في مركز الكون وليس الأرض، إلا أن هذا القول لم يحظ بالاهتمام، لأن البراديجم العلمي لم يكن قد نضج بعد ليسمح بميلاد هذه النظرية، فهناك قانون التطور التاريخي الذي يحكم العلم، وطبقا لهذه القانون فإن العلم السوي كان في طريقه العادي قادرا بأدواته على فك الألغاز وحل المشكلات التي تعترضه، إلى أن عجز عن استيعاب متغيرات جديدة مما هيأ المجال لظهور الكوبيرنيكية، هكذا نصل إلى أن تجديد الأدوات والقوالب التي يعمل البراديجم بها لا يتم إلا حينما يثبت عجز هذه الأدوات نهائيا، لأن تغييرها حينما تكون لا تزال قادرة على الأداء يعد ترفا فكريا زائدا لا معنى له23.

من الأزمة إلى الثورة:

 ما يميز تاريخ العلم هو أنه مسلسل مستمر غايته تقديم فهم دقيق عن الواقع والطبيعة(24)، وكلما تقدم العلم إلى الأمام كلما تغير البراديجم وتحول ليحل محله آخر، ويسمى استبدال الجديد بالقديم بالثورة، لأنه يغير منظومة بكاملها. وتحصل إعادة بناء لقواعد جديدة يتم العمل بموجبها، وينجم عن تغيير الأدوات والقوالب الفكرية تغير في الرؤية المعتمدة في مقاربة الظواهر، إذ أن البراديجم الجديد يستمر في معالجة المشاكل نفسها التي لم يستسغها القديم، ولكن بطريقة مغايرة لتلك التي كان يستعملها العلماء في الإطار النظري الذي كانوا يتخذون منه مظلة لهم.

 هكذا يتضح الدور الأكبر الذي تؤديه الأزمات في التحولات العلمية، والذي يتجلى أساسا في أنها هي التي تضعف من قوة قبضة القوالب والأطر الجاهزة، وتقلل من هيمنتها ومن ثمة تزود العلماء بمعطيات إضافية لازمة لكل تغيير وتجديد وثورة(25).

 يقود التغير الذي يصيب البراديجمات إلى تغيير نظرة العلماء إلى العالم، ذلك أن أدوات وأطر البراديجم التي يعمل العلماء وفقا لها، ويسعون إلى استيعاب العالم عبرها تتعرض للتغيير أيضا، مما جعل توماس كون يعتبر أن العلماء في مرحلة الثورات العلمية يجدون أنفسهم كما لو كانوا غرباء عن مجال عملهم، لأن كل شيء يتغير، غير أن هذا التحول لا يعني تغيرا في أشياء العالم أو الواقع، بل إن ما يتغير هو الإطار النظري الذي يتخذ منه العلماء مظلة لهم.

 انطلاقا مما سبق يؤكد كون على الطابع الثوري كخاصية ملازمة للعلم، وفي هذا السياق يوجه انتقاداته القوية للتصورات المدافعة عن الخاصية التراكمية كخاصية علمية، والتي تسعى إلى تذويب الثورات والكشوفات الجديدة في قالب العلم السوي مما يدفعها إلى تمجيد البراديجم القائم، وإضفاء طابع الخلود والمطلق عليه، هذه النظرة الاستاتيكية تسقط أسيرة نزعة عرقية تربط الثورات العلمية بعبقرية الأشخاص مما يحول تاريخ العلم إلى تاريخ أفراد وعظماء(26).

 ومن سلبيات هذه الرؤية أيضا أنها تكرس الاعتقاد في أن الوضعية التي يوجد عليها العلم الحاضر أفضل من تلك التي كان عليها سابقا، وتسود هذه النظرة بشكل واضح إبان مرحلة العلم السوي، حينما يكون العلم سائرا في طريق النمو العادي فيظهر أنه قوي وصلب ومتماسك، إلا أنها لا تأخذ في حسبانها التقهقرات التي تصيبه في مرحلة الأزمة، حينما يظهر عجزه عن فك الألغاز وحل المشاكل.

 يعتقد توماس كون أن رؤى كهذه تقصي من حسبانها فكرة تاريخ العلم، وتحمل له نظرة انتقامية احتقارية، والواقع أن البراديجم العلمي منذ ظهوره وهو يسعى إلى تفسير العالم وظواهره، وفي كل مرة يتطور فيها يقع في أزمات متتالية، وحينما يخرج منها يجد أن معارفه قد أصبحت أكثر دقة وشمولية وتوسعت أكثر، لهذا لا يمكن تخطيئ تاريخ العلم أو التنكر له، وفي هذا الصدد يقول العالم الرياضي هوايتهيد: “إن علما يتنكر لمؤسسيه علم لا أمل يرجى منه”(27).

 هكذا ينتهي توماس كون إلى تثبيت المنظور الثوري كخاصية ملازمة للعلم، فما يميز هذا الأخير هو أنه متطور دائما ولا يعرف التوقف، والدليل على ذلك هو التحولات التي يشهدها العلم الحالي من براديجم إلى براديجم جديد، وهذا التحول هو ما يميز العلم الحقيقي، المتجسد في العلوم الطبيعية، على خلاف باقي المجالات المعرفية الأخرى التي لا تتطور بنفس السرعة، لأنها ليست علما حقيقيا، كما هو حال علمي الاجتماع والنفس(28)، اللذين مازالت المدارس المكونة لهما منشغلة بمسألة المنهج والموضوع.

 إن ما يساهم في ظهور التقدم بشكل واضح وجلي هو غياب المدارس المتنافسة فيما بينها، والتي يظل بعضها يطعن في مصداقية ما قد يصل إليه البعض الآخر من نتائج، وهذا حال الفلسفة والعلوم الإنسانية، أما في العلوم الحقة، فإن لكل نسق علمي براديجمه وإشكالاته وهمومه التي تفرض على كل المنشغلين به – مهما كانت توجهاتهم ومرجعياتهم- أن يهتموا بسبل حلها، وكل براديجم يظل منفتحا على بقية الأنساق المعرفية الأخرى في إطار ما يعرف بتناهجية العلوم(29)، بحيث يكون هناك استثمار لنتائج بعضها من طرف البعض الآخر، وهذا الانفتاح هو ما يدفع بالبراديجمات نحو التطور والتقدم.

 خاتمة:

 سيرا على نفس المسار الذي سلكه كارل بوبر، والمتمثل في كونه يعتبر أن الخاصية المميزة للعلم هي التطور والتحول الدائم، اعتبارا من أنه ليس هناك حقائق ثابتة في العلم، وأن هذا الأخير لا يسعى للوصول إلى الحقيقة المطلقة اليقين، وإنما ينشد الوصول إلى النظرية الأكثر صدقا، والأكثر موضوعية، لأن ما يهم العلم هو الفكرة المحضة منزوعة من كل ما له ارتباط بالجوانب السيكولوجية.

 في هذا المضمار يرفض توماس كون، في معرض معالجته لطبيعة التقدم العلمي معيار القابلية للتحقق الذي نادى به الوضعيون المناطقة، ويؤكد على أن هذا التصور اللاتاريخي الذي دافع عنه كارناب وزملاؤه لا يتلاءم وما حصل فعلا في تاريخ العلم(30)، ذلك أن هذا الأخير يكشف أن طبيعة تطوره لا تتم عبر تراكم المعارف والنظريات العلمية، بل هي خاضعة لقانون الثورة التي تدفع بالبراديجم القائم نحو الوقوع في الأزمة، فاتحة المجال أمام براديجم جديد، من هنا ميز كون في العلم بين مرحلتين، مرحلة العلم السوي، وهو النشاط العلمي الذي يسود في حقبة تاريخية معينة وتأخذ به الجماعة العلمية كإطار نظري تعمل بموجبه على فك الألغاز العالقة في العلم قبل أن يتعرض للأزمة، وتعتبر هذه الأخيرة شرطا ضروريا لانبثاق نظريات جديدة، فهي المدخل الأساسي لهدم التقليد العلمي القائم والدفع به نحو الفشل الذي سينتهي بوقوع الثورة، وهي المرحلة الثانية.

 هكذا نكون قد وقفنا عند محطة من محطات تاريخ الفكر البشري ذات أهمية كبرى، اعتبارا من أنها عاشت على وقع التحول من الاهتمام بالمشاكل الفلسفية الكلاسيكية، كالوجود والمعرفة والقيم واللاهوت، إلى البحث في مسألة اللغة والدلالة والإحالة والمعنى، وكان لهذا التحول أكثر من دلالة، انطلاقا من أنه تم بموازاة التطورات التي شهدها المنطق، والتى وفرت إمكانية الحديث عن لغة رمزية صناعية تستجيب لمتطلبات العلم، من دقة وصرامة تفتقد إليها اللغة الطبيعية، كما لا يجب أن نلغي من حسباننا أن هذه التحولات قد تمت في ضوء الأزمة التي هزت أسس الرياضيات وشككت في يقينها وبداهة قضاياها، مما فرض على الرياضيين والمناطقة أن يفكروا في سبل إعادة البناء والتأسيس.

 وفي هذا الصدد اعتبروا أن مصدر المفارقات والمغالطات والنقائض ، هو اللغة الطبيعية التي يستخدمها العلم، وهنا يأتي مطلب اللغة الرمزية التي تتفادى غموض اللغة العادية ومواطن زللها، وهو ما استجابت له الفلسفة التحليلية بزعامة لودفيج فتجنشتاين، حينما تحدث عن نظريته التصويرية لللغة، والتي مؤداها أن بناء اللغة مشابه لبناء العالم، وأن مهمة اللغة هي الاقتصار على تصوير طريقة ترابط الأشياء في العالم. إذن يجب أن ترتبط اللغة بالواقع وأن تنقله نقلا أمينا، وكل قول خارج هذا الإطار يعد لغوا خاليا من المعنى.

 هذه الفكرة ستتلقفها الوضعية المنطقية، لتشرعن هجمتها على تاريخ الفلسفة، سيرا على هدي ملهمها فتجنشتاين، إذ ستعتبر أن المأزق الذي وقعت فيه الفلسفة، سببه لهث لفلاسفة وراء سراب الحقيقة ووهم اليقين، متناسين أن مهمة الفلسفة هي الانكباب على لغة العلم توضيحا وتحليلا، وليس السعي نحو الحقيقة.

 من هنا بات الاهتمام بمسألة المعنى ومعياره مشكلة وحيدة للفلسفة، غير أن اقتصار الفلسفة على مسألة المعنى قاد الوضعيين إلى السقوط في نزعة علموية تمجد العلم وتضفي عليه طابع الدقة والشمولية، وذلك حينما زعموا أن العلم قد بلغ أوج نضجه واكتمل، ولم يعد هناك مجال للكشف، وما يتبقى هو سياق التبرير، ولهذا الغرض اصطنعوا معيار التحقق الذي سيحافظ على نقاء العلم من شوائب الميتافزيقا، وسيسقط من دائرة العلم كل الأقاويل التي تبحث في العوالم الافتراضية المتعالية على الواقع. أوليس شرط الحقيقة هو أن تتطابق مع الواقع، أو أن ترتد القضايا إلى الخبرة الحسية المباشرة.

 غير أن الكشوفات العلمية المتتالية التي شهدها القرن العشرون، كانت تدفع في اتجاه تجاوز المنظور الوضعي الذي أسس لنظرة ثابتة للعلم، فابتداء بنظرية النسبية لإينشتاين، وفزياء اللاتعيين لهايزنبورغ، ونظرية الكوانتا، كانت الثورات العلمية تترى مؤكدة أنه لا مجال للحديث عن ثبوت وجماد في العلم، لأن من خصائص هذا الأخير أنه لا يستقر على حال، بل هو دائم التغير والتحول.

 ولما كانت إعادة ترتيب البيت العلمي تستلزم إعادة ترتيب البيت الفلسفي، فإن هذا استدعى ظهور فلسفة جديدة بمنهج جديد يكون قادرا على التعبير عن التحولات العلمية، فكان ظهور نزعة بوبر التكذيبية بمثابة استجابة لهذا المطلب، كيف لا، وهو يؤكد على أن ما يهم العلم ليس ثبات نظرياته، وإنما فناؤها، فمبدأ القابلية للتكذيب يعني أن الشرط الذي ينبغي توفره في النظرية لتكون علمية، هو أن تكون قابلة من حيث المبدأ لتزول وتكذب.وهذه هي الفكرة التي سيطورها توماس كون، عندما سيثبت أن تاريخ العلم هو تاريخ براديجمات تتنازع بقاءها، وتسعى لإثبات قدرتها على حل الألغاز والمشاكل التي تشغل الفكر البشري، إلا أنها تظل محكومة بمنطق خفي يدفعها دوما نحو الفناء والزوال.

 لعل في هذا الطرح السابق ما يبرر القول بأن الفكر البشري في تطوريته لا يسير بشكل فوضوي، وإنما هو خاضع لمنطق خفي يحدد له سلفا طريقة اشتغاله، وما العلماء والفلاسفة إلا أدوات يحركها هذا النظام الخفي لتقوم بدور معين قبل أن تختفي، ومن هنا نستطيع القول بأن غايتنا من هذه المحاولة المتواضعة، كانت هي أن ننزع عن الأفكار طابعها العرقي، الذي يجعل منها منتوجا للعباقرة والعظماء، وينزعها بطريقة غير مشروعة من سياقها الزماني والمكاني، لأن مثل هذه الرؤى تسقط أسيرة منظور عرقي لا يعبر عما حدث فعلا في تاريخ العلم، كما أن ربط الأفكار بتاريخها يكشف بوضوح على أنها كانت تمثل استجابة لمشكل نظري ما. ففي ظرف زمني لا يربو عن قرن إلا قليلا ، تحول الاهتمام من البحث في المعرفة والحقيقة ومنبعها، إلى البحث في اللغة والمعنى ومعيار تمييزه من اللامعنى، قبل أو تطغى مشاكل العلم وأنماط تطوره على مشاكل اللغة، هذه الانقلابات السريعة التي تشهدها المعرفة الإنسانية إنما تدل على أن هناك موجها خفيا يحدد للعلماء نوعية المشاكل التي ينبغي أن بنصب عليها الاهتمام، قد يكون براديجم توماس كون، أو التاريخ الهيجلي، تتعدد المسميات، ولكن الثابت هو أن الموجه ليس الإنسان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق