تاريخ الملائكة (4/2)

إنّ الديانة الفارسيّة التي أسّسها زرادشت، والتي كان أنبياؤها يدعون بالماجي، كان لها أثر على العالم وهو ما لا يعترف به إلا قلة اليوم. إنّ الزرادشتيّة هي أوّل ديانة ظهرت على الأرض وادّعت أنها منزّلة، وهكذا فإذا تمكّنا من إثبات اعتماد هذه الديانة التي تدّعي أنّها منزلة على الأخرى، فسوف تكون الزرادشتيّة هي المعطية لا المتلقّية. منذ منتصف القرن العشرين، أعلن ماثيو بلاك بشكل لا لبس فيه في الـ Peake’s Commentary: :

“ما نعرفه عن اليهوديّة، باعتبارها متميّزة عن ديانة إسرائيل القديمة، بأنها ظاهرة ما بعد سبيية “. وكونها ” ما بعد سبيية ” يعني أنها مدينة بالكثير للملوك والوزراء الزرادشتيين الفرس الذين قدّموا لليهود “العودة” من السبي. لكنّ الحقيقة أنّ بلاك ليس أوّل من أدلى بهذا الرأي. فقبله نجد الأستاذ الأمريكيّ في كامبردج، لورنس هـ ميلز، الذي ترجم كثيراً من الأفستا إلى الإنكليزية ونشر عملاً عنوانه، زرادشت، فيلو، الأخمينيينوإسرائيل، عام 1903، وديانتنا نحن في فارس القديمة عام 1913، والكتابان أشارا إلى مديونيّة اليهوديّة لزرادشت والفرس. بل إنّ سي دبليو كينغ، قبل ميلز بأعوام، كتب عام 1887 قائلاً، إنّ اليهود أخذوا ملائكتهم، إيمانهم بخلود النفس، اعتقادهم بالحياة ما بعد الموت، الدينونة الأخيرة وفكرة الثواب والعقاب بعد الموت، “الأخيرة تتمّ على بحيرة مشتعلة”، من “مخطّط زرادشتي”. وهو ما أوصل جي ف موور إلى الاستنتاج عام 1927:

“إنّ علماء كثر مقتنعون أنّ منظومة الأفكار اليهوديّة برمّتها استولى عليها اليهود من الزرادشتيين “.

يقول بعض النقّاد إنّ اليهوديّة لا تدين للزرادشتيّة بشيء، بل العكس. وإذا كان الأمر صحيحاً، لدينا كل المبرّرات للتساؤل عن السبب الذي يمنع المدارس الدينية والكنائس والكنس أن تروّج لحقيقة كهذه؟ وأية ديانة هي هذه اليهوديّة، التي استطاعت أن تتحكّم وتسيطر على حكّام وكهنة واحدة من أعظم الامبراطوريات التي عرفها عالمنا حتى اليوم؟ وأنّ أولئك الذين قاموا بنشرها كانوا مجموعة ضئيلة من اليهود الأتقياء الذين أسرتهم امبراطوريّة سابقة مترامية الأطراف وقويّة. المعضلة هي في تحديد ما كانت عليه تعاليم زرادشت الأصليّة:

1 – كيف يمكن أن نميّز بين إصلاحات زرادشت وديانة القبائل الإيرانيّة قبله.

2 – كيف يمكن أن نميّز بين ديانة زرادشت والديانة التي تقدّمها لنا الكتب الزرادشتيّة التي بين أيدينا الآن، مثل الأفستا.

لم تحلّ هاتان المسألتان إلى اليوم بالكامل، لكنّ ما نعرفه حتى الآن كاف لأن نقول بثقة تؤهلنا لأن نربك المتعصبين من اليهود والمسيحيين. الديانة اليهودية – وبالتالي المسيحية والإسلام – تضرب بجذورها في تربة الغزاة الفرس الذين أقاموها ليسوّغوا مكانتهم كملوك للعالم.

تتشارك الزرادشتيّة واليهوديّة والمسيحيّة في سمات كثيرة للغاية إلى درجة أنّه يبدو أنّ ثمّة رباطاً بينها. فهل هذا الرباط موجود بالفعل؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف حصل الأمر؟ وكم من التشابه بين هذه الديانات يمكن ردّه إلى تطوّر متواز، أكثر من كونه تماساً وتأثيراً مباشرين؟

أبسط إجابة على السؤال الأول هي؛ نعم، هنالك تأثير كبير للزرادشتيّة على اليهودية والمسيحيّة؛ لكن المعضلة هي صعوبة توثيق هذا بدقّة، خاصة في مراحل اليهوديّة الأولى. الدليل هناك، لكنه دليل “ظرفيّ” بالكامل وهو غالباً لا يصمد أمام المحاكمة البحثيّة الصارمة. مع ذلك، يمكن للمرء أن يتجرّأ ويقدّم هذه الأفكار بنوع من اليقين، والتي تحمل سمة أنّ الأرجح أن لا تكون ثمّة طريق محدّدة لإثبات أنها حقيقية أو غير حقيقية.

في عام 586 ق.م.، غزت قوات الإمبراطوريّة البابليّة اليهود، فدمّروا هيكلهم وحملوا معهم جزءاً من السكّان إلى السبي. وكان المسبيّون مشكّلين على نحو خاص من المتعلّمين ومن الطبقة العليا إضافة إلى العائلة المالكة. استمرّ “السبي البابليّ” خمسين عاماً تقريباً. عام 539 ق.م.، غزا الفرس، بقيادة الملك كوروش الأخميني، بابل، وعام 538 ق.م.، أصدر الملك قراراً قال فيه إنّه يسمح لليهود بالعودة إلى وطنهم الأمّ. لم يطلق فقط سراح المسبيّين، بل قام كوروش، وإلى حدّ ما بعض خلفائه من الأخمينيين، بدعم إعادة بناء الهيكل أيضاً. وكان الدافع لسياسة كوروش ليس فقط تسامحه الديني (شجّع أناساً آخرين من الوثنيين على الحفاظ على دياناتهم الخاصّة) بل حكمته السياسيّة أيضاً؛ ومن يتمّ التعامل معه بنوع من الكرم لا يرجّح أن يثور. لكن لم يكن كلّ اليهود راغبين بالعودة إلى الوطن. ففي سنوات السبي، وطّد الشعب اليهوديّ من الذين تكيّفوا مع العيش هناك في بلاد ما بين النهرين، مستقرّين هناك ومنغمسين في الأعمال وحتى السياسة. يهود كثر، في حين بقوا يهوداً ملتزمين، لم يعودوا إلى وطنهم الأمّ. فواصلوا حياتهم في وطنهم الجديد، ومع دعم الإمبراطوريّة الفارسيّة لحكمها، ارتقى بعض اليهود إلى مناصب عليا في خدمة البلاط الإمبراطوري. وخلال نهاية السبي، كان أوّل احتكاك هامّ بين الثقافتين اليهوديّة والفارسية، وذلك من خلال اليهود الذين كانوا يعيشون وقتها في الإمبراطوريّة الفارسيّة. ومن الواضح في التوراة أن التفكير اليهودي تغيّر بعد السبي. والسؤال هو التالي: هل هذه التغييرات نتيجة للقاء الثقافي بين المفكّرين اليهود والإيرانيين، أو أنّ مردّ هذه التغييرات صدمة السبي؟ فخلال السبي، كان على اليهود ليس فقط أن يبدّلوا كيفيّة عبادتهم، كونه لم يعد لديهم هيكل أو قرابين حيوانيّة، وقد كانت مركز إيمانهم، بل أيضاً كيفية تفكيرهم بالله. فالمفهوم اليهوديّ عن الله كحام قبليّ، والذي كان سينقذهم من أن يغزوا أو يسبوا، كان عليه أن يجتاز إعادة نظر.

في اعتقادنا أنّه ثمة عنصران حاضران هنا، أوحيا بالتغييرات في اليهودية ما بعد- السبيية: ليس فقط التفكير اليهودي الجديد المتعلّق بالله والإنسانيّة، بل أيضاً التماسّ مع الزرادشتيّة، ديانة الإمبراطوريّة الفارسيّة. لكن من ثمّ يطالعنا سؤال جديد: كيف وصل اليهود القدامى إلى تعلّم الزرادشتيّة؟ من غير المرجّح تماماً أن يكون العلماء والمفكّرون اليهود عرفوا على نحو مباشر يوماً الكتب الزرادشتيّة المقدّسة الغاثات (النص المؤسس للديانة الزرادشتيّة، والذي يعزى إلى النبيّ زرادشت بالذات) أو الياشتات (تراتيل تمتدح العديد من الآلهة الوسيطة والأرواح الحارسة، متبنّاة من الميثولوجيا ما قبل الزرادشتيّة). إنّ الاستخدام الكهنوتي للأفستا ولغتها القديمة كانتا ستبدوان عائقين بين اليهود وهذا النص المقدّس. لكن معظم الزرادشتيّة، الذي يعرفه ويمارسه معظم الناس، موجود في التقليد الشفويّ: أي عبر كلمة الفم، لا دراسة الأسفار المكتوبة. هذا التقليد الشفويّ كان يتضمّن قصصاً حول الله، الخليقة، الصراع الأخلاقيّ والكونيّ بين الخير والشرّ، الدينونة الإلهية ونهاية العالم. كان التقليد الشفويّ سيتضمّن أيضاً كلّ الرموز الزرادشتية المعروفة كالنار، النور والظلمة، إضافة إلى صلوات وقصص حول اليازاتات أو الكائنات الروحيّة الوسيطة والنبيّ زرادشت. وهذه هي كلّ العناصر المكوّنة لما يمكن أن ندعوه بالزرادشتيّة “الكلاسيكيّة ” (كما تطوّرت عن زرادشتيّة الغاثات “البدئيّة”). هذه هي الطريقة التي التقى بها اليهود الزرادشتيّة – عبر الحوارات الخاصّة والتجارب المدنيّة والسياسيّة، وليس من خلال الدراسات الدينيّة المعياريّة. وكونه أعيد تصنيع الديانة اليهوديّة بعد كارثة السبي، فقد بدأت هذه التعاليم الزرادشتية بالتسرّب إلى الثقافة الدينيّة اليهوديّة.

إن غاثات زرادشت، التي تسبق كوروش بنحو من ألف سنة تقريباً، تصف الله بتعابير شاملة ومجرّدة، لكنها زمن الاحتكاك اليهودي، لا يبدو واضحاً على وجه الدقة نمطيّة التوحيد التي كان يؤمن بها في الزرادشتية. فهل كانت توحيدية حقيقية والتي تعبد إلهاً واحداً فحسب، والذي بالمقارنة معه تبدو الآلهة الأخرى إما شياطين شريرة أو أنها غير موجودة فحسب؟ هذا ما تبدو عليه توحيديّة زرادشت، لكنها ليست توحيديّة الملوك الأخمينيين الذين حكموا الإمبراطوريّة الفارسيّة، الذين كانوا قادرين على دمج توقير الآلهة الثانويّة ضمن عباداتهم، مادامت هذه الآلهة الثانويّة كانت تعتبر خلائق الإله الأوحد وليست آلهة بحد ذواتها. وقد كان اليهود ينظرون إلى الملائكة كوسائط شبه- إلهيّة، لكنهم لم يمضوا بعيداً كالزرادشتيين في تبجيل هؤلاء الوسطاء بتراتيل مدائحيّة كالياشتات.

خلقت غزوات الاسكندر المقدوني القرن الرابع قبل الميلاد أول ثقافة “عالميّة” (بالنسبة للعالم الغربي على الأقلّ)، استطاعت فيها الشعوب والآلهة والأفكار الانتقال من جنوب أوروبا، عبر الشرق الأوسط، إلى إيران والهند، والعكس صحيح. وفي هذا العالم الكوزموبوليتاني، الهليني، ازداد الاحتكاك بين اليهود والفرس، وصار تأثير الزرادشتية على اليهوديّة أكثر قوّة. ويتراءى لنا هذا التأثير بوضوح في الكتابات اليهوديّة المتأخّرة مثل سفر دانيال وأسفار المكابيين، التي كتبت في القرن الثاني ق.م. في سفر المكابيين الثاني (غير موجود في التاناخ اليهودي، لكنه موجود في النسخة الكاثوليكيّة- الأرثوذكسيّة من الكتاب المقدّس)، تطالعنا رواية كتابيّة حول التماس اليهودي- الزرادشتي، إضافة إلى الشهادة الأولى حول نفط الشرق الأوسط. تعود هذه الوثيقة إلى العام 124 ق.م.، وهو ما يجعلها ضمن أحدث أسفار العهد القديم – تأخّرها جعل القانون اليهوديّ لا يعترف بها. في الإصحاح الأوّل من هذا السفر، هنالك قصّة حول كيفيّة إعادة نار المذبح اليهوديّ إلى الهيكل بعد السبي. وقد كانت أعراف الهيكل اليهودي تتطلّب وجود نار مشتعلة على الدوام في المذبح (سفر الخروج 20:27 )، مع أنّ هذه النار لا تمتلك الصفة “الأيقونيّة” الخاصّة بالنار الزرادشتيّة المقدّسة. مع ذلك، وخلال تجديد الهيكل اليهودي، ظهرت هذه القصة وتمّ تكرارها في سفر المكابيين، بعدها بأربعمئة سنة: ” فشاع ذلك (تجديد النار) وأخبر ملك فارس أنّ المكان الذي خبّأ فيه الكهنة النار حين جلائهم قد ظهر فيه ماء ظهّر به نحميا والذين معه تقادم الذبيحة. فسيّجه الملك بعد التحقيق وجعله مقدّساً” (2 مك 1: 32-33). (نلاحظ هنا أن نحميا هو الذي أنشأ مع عزرا، في حوالي السنوات 445425، جماعة اليهود الجديدة. وهناك مذكّرات منحولة ( 213 ) تنسب إليه إعادة بناء المذبح والهيكل، مع أن المذبح قد دشّن منذ عام 538 والهيكل منذ عام 515 ( عز 31 ت و614 ت )). وفي الآية 20 من الإصحاح ذاته؛ يقال: ” أرسل ملك فارس [ يقال إنه أرتحششتا الأول ( 464-424 )] نحميا إلى هنا، فأرسل سليلي الكهنة إلى الذين خبّؤوا النار للبحث عنها”. هذا يظهر دون لبس أن الكتّاب اليهود، زمن توليف سفر المكابيين الثاني على الأقل، كانوا يعرفون أنّ الزرادشتيين يبجّلون النار – وهكذا، إذا كان الأمر برمّته صحيحاً، فهذا يعني أنّ الزرادشتيين عرفوا واحترموا التشابهات بين ديانتهم وديانة اليهود. والسائل المشتعل الذي يتحدّثون عنه هنا هو البترول، حيث يدعى “نفطا”، وهي كلمة مكوّنة من كلمتين عبرية وفارسيّة.

يواصل التأثير الإيرانيّ في دلائله البينة في الكتابات اليهوديّة التي تأتينا من الحقبة المعروفة بفترة “ما بين العهدين”، أي، بعد توليف آخر سفر قانونيّ من العهد القديم وقبل توليف العهد الجديد. وهذه الفترة تغطي زمناً يمتدّ من العام 150 ق.م. تقريباً، إلى العام 100 م. تقريباً. كتابات ما بين العهدين هذه تصف هرميّة معقّدة من الكائنات الملائكيّة، الأمر الذي يمكن اعتباره صدى للمفهوم الزرادشتي حول بلاط اليازاتات المقدّس. أما الفكرة اليهوديّة حول رؤساء الملائكة الرئيسيين السبعة، فربّما تكون مستوحاة من الأمشا سبنتا السبعة، وهم أرفع الأرواح الحارسة في الاعتقاد الزرادشتي. كان لليهود أفكارهم الخاصة حول الملائكة قبل أن يلتقوا الزرادشتية بزمن طويل؛ لكن الملائكة هنا كانوا بلا أسماء، تمثيلات غير مشخصنة لرسالة الله وفعله. لكنهم بعد السبي، صار للملائكة اليهود أسماء وشخصيّات، كما تم الحديث عنهم أيضاً كحرس لظواهر طبيعيّة عديدة، مثل اليازاتات الزرادشتية تماماً. كذلك فإنّ الفكرة اليهوديّة-المسيحية حول “ملاك حارس”، ربّما تكون مستلهمة من شخصيّة الفرافاشي الزرادشتية، وهو ملاك حارس لكل كائن بشريّ فرد.

تعايش كلٌّ من الثنويّة “الكونيّة” و”الأخلاقيّة” في الفكر الزرادشتي عبر تاريخ الديانة الطويل؛ فتاريخهم ليس تاريخ فكرة ثنويّة أخلاقيّة “بدائيّة” ثمّ “خلفتها” أو “أفسدتها” فكرة ثنويّة كونيّة. وانعكاس النمطين الثنويين موجود على حدّ سواء في التفكير اليهودي. فسفر التثنيّة التوراتي، مثل الأسفار الأولى الأخرى من العهد الجديد، كان قد أعيد تحريره وربما أعيدت كتابته خلال السبي وبعده. وفي مقطع هام من سفر التثنية نلمح نسخة يهوديّة من الثنويّة الأخلاقيّة:

” أنظر! إنّي قد جعلت اليوم أمامك الحياة والخير، والموت والشرّ. إذا سمعت إلى وصايا يهوه إلهك التي أنا آمرك بها اليوم، محبّاً يهوه إلهك وسائراً في سبيله وحافظاً وصاياه وفرائضه وأحكامه، تحيى وتكثر ويباركك يهوه إلهك في الأرض التي أنت داخل لترثها. وإن تحوّل قلبك ولم تسمع وابتعدت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فقد أعلن لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً ولا تطيلون أيامكم في الأرض التي أنت عابر الأردن لتدخلها وترثها. وقد أشهدت عليكم اليوم السماء والأرض بأني قد جعلت أمامكم الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لتحيا أنت ونسلك… ” ( تث 30: 15-19 ).

لكن رغم هذه الانعكاسات اليهوديّة للثنوية الأخلاقيّة، فإنّ مذهب “الثنوية الكونيّة”، بمضمونه الرمزيّ والميثولوجيّ، هو الذي أثّر أكثر ما يمكن بالمفكّرين اليهود المتأخرين. وحتى قبل السبي، وبفعل تهديد الدمار الذي قد يلحق بالشعب اليهودي من قبل الامبراطوريات الغريبة، فقد كان الأنبياء اليهود يقدّمون الرؤيا تلو الرؤيا حول حرب وكارثة ليسا فقط سياسيين، بل أيضاً كونيين. وهذا النمط من النبوءات، بعد السبي، تطوّر إلى ما يعرف بالأدب الأبوكاليبتي. وهذا نوع من القصص الديني، يتضمن الشعر والنثر للتبشير باستخدام مستوى عال من الرمزيّة الميثولوجيّة لوصف حرب ليست فقط كونيّة بين قوى الخير والشر، بل يمكن أن نجد هناك أيضاً مخططاً لنهاية الزمان القادمة.

منذ بداياتها، كانت التعاليم الزرادشتيّة تقول، إنّ للزمن ولخليقة الله بداية ووسطا وزمنا نهائيّا، سوف تحاكم فيه كلّ الأنفس. ومن ثمّ طوّرت تعاليم زرادشت ووضّحت عبر مجموعة من المقولات الميثولوجيّة، التي استعير كثير منها من الآلهة والآلهات ماقبل الزرادشتيّة والهندو-إيرانيّة، إضافة إلى ميثات الصراع الكونيّ من بلاد ما بين النهرين. من ثم راحت الزرادشتيّة تعلّم أيضاً حول زمن مقدّس بعينه، بنياناً تاريخيّاً للعالم المخلوق. وغالباً ما يعزى للزرادشتيين إدخال الأخرويات، أو معرفة نهاية الزمان وأحداثه، في العالم الديني للغرب والشرق على السواء.

كل الديانات تستعير من الديانات التي سبقتها وتتبنى موادّ قديمة لشريعتها الجديدة، واليهودية غير مستثناة هنا. والعالم الإيراني المتعلّق بالملائكة والشياطين، النور والظلمة، الله ونقيضه، وخط الزمن المقدّس، يدخل عالم الأبوكاليبس اليهودي. إن كثيراً من هذه الكتابات الأوكاليبتيّة موجود من حقبة “ما بين العهدين”، مثل سفر أخنوخ، وهو توليفة لرؤى تتعلّق بالملائكة، الشياطين، والدينونة الأخيرة. فالفكرة الأبوكاليبتيّة حول نهاية الزمان، إضافة إلى الدينونة الأخيرة من قبل الله مع حلول النهاية، تدينان بالكثير للفكر الزرادشتي.

{{التشابهات بين الزرادشتيّة واليهوديّة:}}

إن مواضع التشابه بين الزرادشتيّة واليهوديّة، ومن ثم بين الأولى والمسيحيّة، تبدو كثيرة وملفتة. فأهورا مزدا، إله إيران الأعلى، كلي العلم، كلي الوجود، والخالد، المعطى قوة الخلق، والتي يمارسها بشكل خاص عبر وساطة سبنتا مانيو (“الروح القدس”)، ويحكم الكون بوساطة الملائكة ورؤساء الملائكة، يمدّنا بأقرب مواز ليهوه، إله اليهود، يمكن أن نجده في العالم القديم. لكن قوة أورموزد معاقة من قبل عدوّه، أهريمن، والذي ستدمّر سطوته، كالشيطان، مع نهاية العالم. تقدّم لنا الزرادشتيّة واليهوديّة عدداً من التشابهات كل مع الأخرى في منظومتيهما العامتين المتعلقتين بعلم الملائكة وعلم الشياطين، وهو ما أشار إليه دون التباس الباحثان الربّانيّان اليهوديّان، شور وكوهوت، واللاهوتي المسيحي، ستيف.

من الصعب الركون إلى هذه التشابهات. فمن المعروف، بالطبع، كحقيقة تاريخيّة أن اليهود والفرس احتكوا ببعضهم في حقبة مبكرّة في العالم القديم بل حافظوا على علاقتهم شبه الوثيقة طيلة تاريخ الشعبين. ومعظم الباحثين، يهوداً كانوا أم غير يهود، يعتقدون أنّ اليهوديّة تأثرت بقوّة بالزرادشتيّة وذلك في مسائل مثل علم الملائكة وعلم الشياطين، وربما أيضاً بمبدأ القيامة، والأفكار الأخرويّة عموماً، دون أن ننسى أنّ مفهوم يهوه التوحيديّ تم تسريعه وتقويته عبر معارضته للثنوية أو التوحيد الزائف عند الفرس.

لكن، من ناحية أخرى، دافع الراحل جيمز دارمستتر عن الرأي المعاكس تحديداً، مؤكّداً بالتالي أن الفكر الفارسي الأولي تأثّر للغاية بالأفكار اليهوديّة. فقد أصرّ أنّ الأفستا التي بين أيدينا، ترجع إلى زمن متأخّر وأنها أشبعت كثيراً بالعناصر الغريبة، خاصة تلك المأخوذة من اليهوديّة، إضافة إلى تلك المستمدة من الأفلاطونيّة الجديدة عبر كتابات فيلون. وقد أطلقت هذه الآراء قبيل وفاة الباحث الفرنسي عام 1894 بزمن قصير. ومنذ ذلك الوقت، تصدّى لها اختصاصيّون كبار، فحاربوها بقوّة. مع ذلك، ثمة من يقول إنه لا يمكن الوصول إلى قرار حاسم في صالح أي من الطرفين المتنازعين. ويضيف إنه ربما أن الحقيقة تكمن بين الطرفين الراديكاليين المتطرفين، ومن الممكن أنه حين نصل إلى تحديد دقيق لتفاصيل الديانة الآشوريّة والبابليّة، فربّما يلقى مزيد من الضوء على معضلة مصدر هذه التشابهات، وربما تظهر أرجحيّة لتأثير مشترك فعل فعله على الديانتين الفارسيّة واليهوديّة.

{{يمكنكم قراءة الجزء الأول من هذا البحث بالدخول لهذا الرابط:}}[ تاريخ الملائكة (4/1)->http://www.alawan.org/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%A6%D9%83%D8%A9-4-1.html]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق