تجديد الفكر السياسي حول إشكالية العلاقة بين الداخل والخارج (الجزء 2 ) / حازم نهار

د- الوطن والوطنية

 

الوطن في تاريخنا وثقافتنا السياسية السائدة محدد بمجموعة من المفاهيم والتصورات، لعل أهمها عندما يشار إليه بـ “الحِمَى”، وهذا يعني أن الوطن محض جغرافيا، أو هو الجغرافيا الحاوية على الماء والكلأ والنار وحسب، ويتأسس على ذلك تقسيم العالم إلى “فسطاطين”: أهل الحمى والغزاة.

 

يتأسس على هذا الفهم تحديد سلبي للوطنية، لتصبح معادلة تماماً للموقف العدائي من الآخر، أي الغازي أو المستعمر، الذي يحاول انتهاك الحمى. وهذا يفسر لنا إلى حد ما ذلك الشعور بالنقص الذي ينتاب أغلب السياسيين في منطقتنا إزاء “المقاومة”، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي أعلى مراتب الوطنية، بل ويشعرون بتفاهة أعمالهم ونشاطاتهم السياسية والثقافية إزاء قطرات الدم التي تضحي بها “المقاومة” ذوداً عن الأرض والحمى والجغرافيا.

 

ربما تكون “المقاومة” مقدسة لأسباب أخرى أيضا، فالفعل الميكانيكي (العضلي) عموماً في ثقافتنا، وأدبنا، وفي الوعي الشعبي عموماً، أهم بما لا يقاس من الفعل الفكري أو الذهني. هذا الأخير ربما يكون محتقراً عند البعض، ولطالما أشير إلى المفكرين والمثقفين والساسة بأنهم أصحاب كلام فقط، بينما جنود الحرب والمقاومة هم أصحاب الفعل الحقيقيون. من الأسباب الأخرى ربما لأنه في ثقافتنا وتاريخنا، ولأسباب بدوية، وأخرى دينية، الموت له قدسية أكبر، وهو مفضل على الحياة، ولذلك يشيع في ثقافتنا السياسية اليوم نشيد ثقافة الاستشهاد.

 

ما زال تحديد الوطنية يتم بشكل سلبي، أي بدلالة الآخر أو الخارج، وبالموقف العدائي منه، ولم يحدث للآن بناء الهوية الوطنية انطلاقاً من الذات وحاجاتها وأهدافها بالدرجة الأولى، ولذلك فهي تتطابق إلى حد ما مع “الشوفينية”.

 

خلال فترة مقارعة الاستعمار الغربي تطابق مفهوم الوطنية مع حركة التحرر وطرد المستعمر، ولم يكن في برامج معظم حركات التحرر العربية سوى نقطة واحدة هي تحقيق الاستقلال.

 

الجغرافيا ومقاومة الاستعمار هما العاملان اللذان يحددان هوية الوطن والوطنية في الثقافة السياسية السائدة، فهل كان هذا الفهم منتجاً في الأزمنة الحديثة لدى حركات التحرر العربية والفكر القومي التقليدي ؟ وهل كانت النهايات سعيدة ومشرفة ؟، وهل يمكن اليوم تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المتمحورة على الذات، فيما لو تم تحقيق الاستقلال الجغرافي ؟

 

نعرف جميعاً أن عناصر الدولة أو شروط وجودها تتحدد بالشعب والأرض والسيادة، لكن هذا التحديد التقليدي للدولة بدأ يتغير، وهناك عوامل عديدة لعبت دوراً كبيراً في الحد من سيادة الدولة، فوجود الدولة في عالم واسع يتضمن دولاً متفاوتة في القوة يجعل من كل دولة بالضرورة ناقصة السيادة، كما أن تطور المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية خاصة أفقد السيادة مفهومها المطلق، مثلما حصل مع ألمانيا عندما منعت من التسلح، وبعض الدول منعت من امتلاك الأسلحة النووية، أو حتى من إرسال جيوش إلى الخارج (اليابان)، أما بالنسبة للبلدان المتخلفة فحاجتها إلى رؤوس الأموال وأزماتها المالية الدائمة جعل من معظمها خاضعة لمؤسسات عالمية، وبالتالي ناقصة السيادة من خلال الشروط الموضوعة لمنح المساعدات، خاصة ضغوط البنك الدولي والشروط التي يضعها لتقديم قروضه.

 

التطور التكنولوجي، خاصة في السنوات الأخيرة، أفقد السيادة الكثير من مقوماتها، وزاد من فعل الدول المتطورة في جميع شعوب العالم، كما اهتز مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهو أحد القواعد الأساسية للمجتمع الدولي، على إثر حرب الخليج عام 1991 عندما أقرت الأمم المتحدة حق التدخل الإنساني.

 

هذا لا يعني أن الجغرافيا غير مهمة، إذ ستظل سيادتنا منقوصة طالما بقيت أجزاء من أرضنا محتلة، لكن السؤال المهم هو: هل السبب في نقص السيادة السورية مثلا هو فقط احتلال جزء من أرضنا، أي الجولان، أو غيره ؟

 

نكرّر هنا مع غامبيتا زعيم المقاومة الفرنسية عندما سئل عن إقليم “الألزاس – لورين” الذي اضطرت فرنسا للتنازل عنه لألمانيا في عام 1871، فأجاب “سنفكر بها دائماً، لن نتكلم عنها أبداً”، وبعد نحو خمسين عاماً عاد الإقليم لفرنسا، أما في المنطقة العربية يحدث العكس، فنتكلم كثيراً، ولا نفعل إلا قليلاً.

 

المعروف أن حدود بلادنا حددت من قبل السفير البريطاني في الهند في أوائل القرن الماضي ودون رأي أهل المنطقة، فلنفترض أن هذا التحديد تم بطريقة تختلف بضعة كيلو مترات في أي اتجاه وأي منطقة، فهل كان ذلك سيغير من طبيعة فهمنا للوطن والشعور الوطني ؟. الجغرافيا هي إطار الوطن، لكن الوطن أبعد من الجغرافيا. الأساس هو ماهية الوطن، أي محتواه ومضمونه، أما الحدود الجغرافية للوطن فهي نتيجته وتتحدد به.

 

لم يكن الاستبداد السياسي مرذولاً في تاريخنا السياسي، بل على العكس، إذ كانت فكرة “المستبد العادل” جزءاً رئيسياً من ثقافتنا السياسية. لذلك لا تجد تيارات سياسية عديدة أي حرج اليوم في الوقوف بشكل مباشر أو غير مباشر مع الاستبداد في اللحظات التي تتعرض فيها “السيادة الوطنية”، أو بالأحرى “الجغرافيا الوطنية”، للتهديد الخارجي. يؤكد ذلك أيضا الحماسة التي تبديها شعوبنا في مقاومة المحتل، في حين تتقاعس إزاء إبداء أي حالة احتجاج ضد ظاهرة الاستبداد.

 

كثيراً ما يشار للوطن أو الحمى بصفات المرأة، كأن يقال “سقطت بغداد العذراء”، و”انتهك الغزاة حرمة البلاد”، وكل هذه التعابير تشير إلى أهمية بعد الشرف الأنثوي وحضوره الطاغي في ثقافتنا، فالمجتمع الذي تقوم ثقافته في جزء كبير منها على “الفضيحة والعار” لا يستثيره شيء، كما تستثيره قضايا الشرف، وبدرجة تفوق الحرص على الأوطان.

 

قضايا الشرف يصبح لها أهمية قصوى عندما يأتي اختراقها من “الغريب” أو الخارج، في الوقت الذي يتقاعس فيه الغالبية لدى اختراقها من أهل البيت، ويصمت الجميع على فضائح “عدي صدام حسين” وغيره، وربما يكون لهذا الأمر علاقة بمنطق أهل القبيلة الذين يتقبلون، أو يصمتون على سلوك “شيخ القبيلة”، رغم أنه يسوسهم كالإبل.

 

إضافة للجغرافيا ومقاومة الاستعمار والحفاظ على الشرف، هناك محدد رابع للوطن والوطنية في الوعي السياسي السائد، هو الأيديولوجيا، فلا أحد يتخيل الوطن والوطنية بعيداً عن رؤيته الأيديولوجية. فكل أيديولوجيا تضع تصوراً أو فهماً محدداً للوطن والوطنية، ويصبح غير المنتمين لهذه الأيديولوجية غير وطنيين بالضرورة.

 

كل من هو غير مسلم، وبشكل أدق غير “سني”، مشكوك في وطنيته في فكر التيارات الإسلامية، وهنا أيضا يجري تقسيم العالم إلى “فسطاطين”، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وكل من يحاول الاستفادة من علوم الغرب وثقافته بعيد عن الوطنية في فكر التيارات الشيوعية التقليدية، وكل من ينتمي للأقليات القومية (الأكراد مثلاً) هو عميل للخارج بشكل أو بآخر في الفكر القومي التقليدي، فهذه الأقليات ما هي إلا إسفين مغروس في مجتمعاتنا سيستخدمها الخارج في النفاذ إلينا في الوقت المناسب.

 

السيادة الوطنية في قاموس أنظمة الاستبداد تعني قانون الطوارئ والأحكام العرفية، واجتثاث المعارضين، وقطع الطريق على الحريات، واحتكار السلطة، وإلحاق الإعلام ومؤسسات الدولة بها، وتخويف البشر وامتهان كرامتهم، رغم أن هذا الفهم لم يحافظ – كما تشير تجارب عديدة – على الوطن والوطنية.

 

يضع النظام الاستبدادي معاييره الخاصة التي تتناسب مع استمراره ومصالحه في تحديد “الوطنية”، إذ يجعل منها، بشكل أو بآخر، معادلة للولاء له، ولتصبح كل حركة معارضة لوجوده واستمراره خارج السرب الوطني، فهل يعتد برأي الاستبداد في تحديد الوطنية ؟

 

الاستبداد من جهة ثانية يشوه التيارات السياسية والاجتماعية في المجتمع، ويشوه انتماءها الوطني، ويقدم فهماً سكونياً ثابتاً لمفهوم الوطن والوطنية، على عكس النظام الديمقراطي الذي يسمح في كل لحظة بإعادة اكتشاف الهوية الوطنية، باعتبارها هوية متجددة، وكائناً حياً ينمو ويتطور ويتفاعل مع الجديد والمتغيرات، وهذا يعني أنه لا توجد ملامح للوطن دون الديمقراطية.

 

لا وطن بلا مواطن، ولا تحرير أو استقلال بدون حرية المواطن. أليست التضحية بحقوق الإنسان على قربان “الوطن في خطر” و”الوطنية” المفصلة على مقاس أنظمة الاستبداد، هي التي قادت إلى هذه الحالة من “الهشاشة الوطنية” وتلك التشوهات في الانتماء الوطني ؟.

 

يتحدد المفهوم الجديد للسيادة الوطنية بمدى احترام حقوق الإنسان، فهي الأساس ليشعر المجتمع برمته بأن الدولة دولته، وأن الوطن وطنه. يسأل البعض سؤلاً ساذجاً هو: في حال تعارض الوطنية مع حقوق الإنسان، فلمن تكون الأولوية ؟ هذا السؤال ينطلق نظرياً على الأقل من وجود تعارض مبدئي بين الوطنية وحقوق الإنسان.

 

في الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك وطن خارج إطار احترام حقوق الإنسان، فالوطن لا يعني شيئاً دون محتواه الديمقراطي.

 

مرجع الوطنية هو الدولة الوطنية، وهي فقط التي تمكننا من وضع محددات أو توصيفات حقيقية للوطنية والخيانة، باعتبارها دولة الكل الاجتماعي ودولة القانون واستقلال القضاء.

 

 

 

هـ- العولمة وثقافة العولمة

 

أصبحت ظاهرة “العولمة” اليوم من المواضيع الرئيسة في الساحة الثقافية السياسية في المنطقة العربية التي تقام حولها الندوات المتعددة وجلسات الحوار المختلفة، وذلك بحكم الأسئلة الجوهرية التي تطرحها علينا، والتي نستطيع تكثيفها فيما يلي:

 

ما مفهوم العولمة ؟ وهل هي ظاهرة جديدة أم قديمة ؟ وما المستويات التي وصلت إليها اليوم على أرض الواقع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ؟

 

هل العولمة حالة حتمية لا نملك حيالها كشعوب وكدول إلا أن نميل مع إيقاعها ؟ أم يمكن تجاهلها حفاظاً على استقلالنا الذاتي ؟

 

هل تقتضي مصلحتنا تجنب العولمة ؟ وهل تمتلك العولمة جوانب إيجابية بالنسبة لبلداننا الفقيرة والمتخلفة،أم أنها ظاهرة سلبية كلياً وبشكل مطلق غايتها اكتساح هذه البلدان وإفقارها المتزايد وتهديد هوياتها ؟

 

هل العولمة مرادفة للأمركة ؟ وهل تعني بالتالي السعي نحو تعميم النموذج الأمريكي في الحياة ؟ وهل ستقود آلياتها المجتمع الإنساني فعلاً في هذا الطريق أم ستقوده نحو الاعتراف بالتعددية الحضارية وتعميقها ؟

 

هل انتهت الخصوصيات الوطنية والقومية في ظل ظاهرة العولمة ؟ وهل فقدت هذه المطالب مشروعيتها بالنسبة للبلدان التي لم تنجز بعد مهامها الوطنية والقومية ؟

 

هل فقد المشروع الاشتراكي بريقه ؟ وهل أصبحت الرأسمالية بفضل قدراتها التجديدية سقف التاريخ ونهايته ؟ وهل انتهى دور الدولة السياسي – الاقتصادي ؟ وهل فقد القطاع العام أهميته وضرورته ؟ وهل يمكن إعادة إنتاج سياسات اقتصادية ذاتية التمحور وتحقق التنمية الاقتصادية ؟

 

هل من الممكن بالنسبة لبلداننا أن تواجه العولمة وتقاوم آثارها السلبية ؟ وما الشروط الضرورية لبلورة استراتيجية مجابهة على مستوى ما كان يسمى ببلدان العالم الثالث أو على مستوى القوميات والأقطار والقوى السياسية ؟

 

ما الموقف المطلوب من ظاهرة العولمة ؟ وكيف يمكن صوغ رؤية مقاربة لها ولتعاملنا معها ؟

 

كل هذه الأسئلة مطروحة للنقاش على جميع الأوطان والأقطار والقوى السياسية في مختلف بقاع العالم، خاصة في الدول الفقيرة والمتخلفة كبلداننا العربية، ولذلك يكتسب الحوار حول العولمة أهميته وضرورته. ونحن هنا سنحاول مقاربة هذه الأسئلة، لكن بالطبع هي مقاربة غير مكتملة وتسعى للتفاعل مع سائر الرؤى لأجل بلورة موقف ناضج واستراتيجيات فاعلة ومؤثرة وخطاب سياسي رزين وهادئ حيال هذه الظاهرة.

 

 

 

العولمة: مستوياتها وآلياتها

 

إن الطموح نحو توحيد العالم ودمجه هو طموح قديم وقد ظهر في مختلف الأديان والفلسفات والأيديولوجيات على مر التاريخ، وظهر مع الاستعمار القديم ورأسماليته الصاعدة الطامحة لتحقيق هذا الهدف، لكن الفارق الذي يحدث اليوم هو توافر وامتلاك الوسائل والتقنيات القادرة على تحقيق هذا الدمج.

 

يقينا إن العولمة اليوم تتجاوز كل ذلك، من حيث أهدافها المرسومة، وطموحها إلى مرحلة أعمق من الاندماج العالمي، أي التوجه نحو إخضاع جميع المجتمعات لنمط اقتصادي واحد وموحد عالمياً وقيم وأنماط تفكير واحدة. أما المستويات التي وصلت إليها اليوم فهي:

 

– سوق واحدة لرأس المال / بورصة عالمية واحدة/ على الرغم من تعدد مراكز نشاطها.

 

– التقنيات الإعلامية ووسائل الاتصال، أي تعدد القنوات التلفزيونية العابرة للحدود الوطنية واكتساح المعلوماتية وشبكة الإنترنت لمختلف مظاهر الحياة ونشاطاتها.

 

– الهندسة الوراثية وخارطة الجينات البشرية (أو ما يسمى الرأسمالية البيولوجية).

 

على ما يبدو فإن العنصر الرئيسى البارز اليوم في العولمة هو كثافة انتقال المعلومات وسرعتها، أو كما يقال اليوم تحول العالم إلى قرية واحدة. وهذا بالطبع يجعلنا أمام مرحلة جديدة ونوعية مختلفة عما قبل التسعينيات أي مرحلة الدولة القومية والحدود السياسية والجغرافية الواضحة للدولة.

 

إن العولمة اليوم ليست ماهية منجزة ونهائية وثابتة، فهي – كغيرها من الظواهر – ينطبق عليها منطق السيرورة التاريخية، وبالتالي من الممكن التدخل في سيرها، لكن لا يمكن إيقافها، فهي اليوم الدينامية الرئيسة أو الآلية المحورية المحركة للعالم على الرغم من عدم ناجزيتها وتحققها، وعلى الرغم أيضاً من وجود معارضات لها ومعوقات وآليات دافعة ومحركة أخرى.

 

طالما أن العولمة ظاهرة غير مكتملة، وطالما أنها في طور التشكل، على الرغم من محوريتها، فإنها تحتوي في ثناياها على جوانب موضوعية¬ حتمية لا يمكن التنكر لها، مثلما تحتوي على جوانب ذاتية أي فعل المجتمعات المختلفة وتأثيرها فيها. فالعولمة ظاهرة كلية، فيها ما هو موضوعي خارج عن نطاق القبول والرفض، وفيها ما يتبع لفعل الذات وتأثيرها، أي وعي وفعل الأفراد والجماعات.

 

أما الجانب الموضوعي، فيتمثل بالثورة العلمية التكنولوجية التي فرضت نفسها على العالم بقوة، لذلك يغدو الاعتراف بهذا الواقع الموضوعي الحتمي في ظاهرة العولمة شرطا ضروريا وأساسيا كبداية للفعل والتأثير فيها، وذلك بصرف النظر عن المستفيد من هذه الثورة وثمارها.

 

في قضية العولمة تنطرح إذاً من جديد ضرورة وعي وإدراك ديالكتيك العلاقة بين الذات والموضوع، والتي كثيراً ما وضعنا فيها الذات معارضة ومجافية للموضوع. أي لا بد من فهم طبيعة العلاقة التي تربط الذات، بوصفها الفاعلية البشرية الاجتماعية، بالموضوع بوصفه المعطى الواقعي – التاريخي. هذه العلاقة المعقدة لها مستويات متعددة تبدأ من الخضوع التام للحركة الموضوعية وتنتهي بالتأثير الفاعل والمؤثر والمغير في مسار هذه الحركة الموضوعية لصالح الذات. أي باختصار ثمة شرطان أساسيان لفهم ظاهرة العولمة والتأثير فيها،الشرط الأول: التسليم بما هو موضوعي فيها وليس التغاضي عنه، فحرية الذات تبرز عندما تعترف بما هو قانوني في الطبيعة والمجتمع وليس التنكر له ومحاربته، والشرط الثاني هو الذات الفاعلة والمؤثرة وصاحبة الرؤية والمشروع المتكامل.

 

 

 

الأمركة والهيمنة….. وبناء الموقف من العولمة:

 

من البديهي أن نقول أن هذه المرحلة من تاريخ البشرية لا يمكن فهمها إلا على أنها استمرار وتعميق للمرحلة الإمبريالية السابقة بما فيها من علاقات هيمنة، أي أن ما وصلت إليه البشرية اليوم هو نتيجة لصراعات سياسية واقتصادية دولية وشركات متنافسة وغيرها. هذا يعني أن ثمة إرادات ومصالح مختلفة قادت البشرية بالترافق مع الثورة العلمية التكنولوجية إلى ظاهرة العولمة.

 

إذاً العولمة تحمل من دون شك إمكانية تجسيد نظام هيمنة أكثر شمولاً وقسوة من كل ما عرفته البشرية في السابق عن طريق امتداد نظام الهيمنة الأمريكية والعلاقات الإمبريالية بشكل أوسع، لذلك فهي تحمل معها مخاطر التركيز الهائل للثروة المادية والعلمية والثقافية في أيدي فئة قليلة من سكان العالم الذين يتوافر لديهم القدرات والمواقع والآليات اللازمة للهيمنة.

 

هذه الظاهرة، باعتمادها وارتكازها على حرية المبادلات المطلقة، وغياب أية عوائق تحول دون التفاعل بين المركز الإمبريالي والأطراف، ورفضها للاعتبارات السياسية والأخلاقية التي تحول دون حرية الأسواق والتجارة، تحمل معها مخاطر تعميم الفقر والبؤس والتهميش الجماعي لكتل بشرية كبيرة في العالم، وحصر الاختيار عندها وسد آفاق المستقبل، وتفاقم المضاعفات الناتجة عن هذه السياسات، كانفجار أشكال متجددة من العنف والحروب الداخلية، بالإضافة إلى تعميم الفساد والنهب غير المشروع لرأس المال الاقتصادي ضمن البلدان والمجتمعات الضعيفة، وفكفكة الأسوار الوطنية والقومية لهذه المجتمعات.

 

كل ما سبق صحيح عن مخاطر العولمة، لكن هذا لا يبرر الرؤية السائدة عربياً التي تنظر للعولمة على أنها غول أو استراتيجية إمبريالية أمريكية وحسب، وأن العولمة إنما هي أمركة للعالم وحسب، وليس من هدف لها إلا الإيقاع بالدول الضعيفة ونهبها وإفقارها. هذا الرأي على الرغم من التقاطه لإحدى الآليات المركزية في العولمة، إلا إنه مضلل على صعيد التعامل مع العولمة، إذ يخفي البعد الموضوعي والحتمي للعولمة، ويدفع بالتالي إلى إهمال ضرورة العمل على استيعاب وتمثل الجوانب التقنية والعلمية والمعرفية الضرورية للبقاء.

 

من الضروري أن نتفهم أن الأمركة ليست نتيجة للعولمة، كما أن عملية التوسع الرأسمالي ليست من منتجات العولمة، ولكن بالمقابل فإن أمريكا هي أحد الأركان الرئيسة للعولمة، وذلك بسبب أرجحية مساهمتها في الإنتاج المادي والثقافي والعلمي الذي يملأ العالم، وسيملؤه في المستقبل أكثر بفضل ثورة المعلومات المستمرة.

 

أما الرأي الذي لا يرى في العولمة إلا فرصة للتحرر والحرية وحسب، أي فرصة للتخلص من الاستبداد والتخلف وفرصة لرفع الإنتاج العالمي والفوائض المالية، فإنه رأي واهم أيضاً لأنه ينظر لهذه الفرصة وكأنها محققة في المستقبل وبشكل أكيد.

 

هذه الفرصة للتحرر والحرية موجودة، لكنها ليست عفوية أو تلقائية، أي أن هذه الفرصة لن تتحقق بمعزل عن دور الذات الواعي والفاعل، الذات التي تتوجه نحو بلورة استراتيجية يمكنها تحويل هذه الفرصة إلى حقيقة واقعية.

 

إن الرأي الذي لا يرى في العولمة إلا استراتيجية أميركية للهيمنة على العالم يبني موقفه من العولمة على أساس الصد والرفض، والرأي الذي يرى في العولمة فرصة للتحرر وتثويرًا للإنتاج المادي يبني موقفه منها على أساس من الانخراط السلبي بدون رؤية متكاملة أو مشروع خاص.

 

نقول هنا: إن احتواء العولمة لمشروع هيمنة أمريكية لا يبرر رفضها أو البقاء خارجها، فهذه ليست أول مرة يعرف فيها العالم عصر الهيمنة الدولية. الثورة الصناعية مثلا حملت معها مشروع هيمنة، لكن هذا لم يمنع الدول المتخلفة من الاستفادة من إيجابياتها ومن وضع مشاريع وطنية تستفيد من هذه الثورة.

 

إن رفض العولمة (الكلامي بالطبع) والاعتقاد بأن هذا الرفض يقود إلى مقاومتها وصد هيمنتها على مجتمعنا، إنما يقود في الواقع إلى التشجيع على الاستقالة السياسية من العالم وتعزيز وتعميق الهيمنة بالضرورة.

 

إن احتواء العولمة على مشروع هيمنة أمريكية لا يلغي فوائد الانخراط فيها، والفرص الإيجابية التي تحملها، كما أن البقاء بعيداً عن العولمة لا يعني أننا لا نخضع لقوانينها أو تأثيراتها، لكنه يعني تحمل عواقبها ونتائجها السلبية من دون الاستفادة من نتائجها الإيجابية.

 

المستقبل سيحمل معه بالضرورة إمكانية بقاء بعض المجتمعات خارج العولمة الفاعلة، أي بقائها على هامش عالم العولمة، لكن هذا لا يعني أن هذه المجتمعات لا تخضع لتأثير العولمة وعواقبها السلبية.

 

ثمة موقف رافض للعولمة يطرح إمكانية قيادة “عالمثالثية” (على شاكلة مؤتمر باندونغ) لعملية الخروج من نظام العولمة،أي إمكانية تشكيل قطب عالمثالثي مضاد ومناقض لعالم العولمة والانتقال نحو عالم خالٍ من آثار الهيمنة.

 

في الواقع اليوم لسنا حيال اختيار حر بين نظام هيمنة ونظام استقلالي تحرري، فضلا على أنه لا توجد في الواقع إمكانيات لتجسيد وتكوين مثل هذا القطب المضاد والمناقض لعالم الهيمنة، هذا إذا لم نجزم بفشل المشاريع السابقة التي استندت للمنطق ذاته، إن كان على صعيد تشكيل قطب عالمثالثي أو على صعيد تشكيل قطب اشتراكي من خارج الظاهرة الرأسمالية ومضاد لها، فالتناقضات لا تنمو إلا بالتدريج ومن داخل الظاهرة وليس بالتخارج معها، حيث إن النقيضين الاجتماعيين الجدليين لا بد أن يكونا في عالم واحد ويرتبطان ببعض القواسم المشتركة.

 

إن منطق الرفض إزاء ظاهرة العولمة وتوهم إقامة بديل سلبي مضاد بشكل مطلق للعولمة هو منطق واهم، فالدخول في العولمة وتقنياتها وحقولها وميادينها هو أمر حتمي ومفروض على كل مجتمع يريد أن يبقى في دائرة المجتمعات التاريخية، ولا يريد أن ينسحب من الفعالية الدولية المشتركة وينعزل ويعيش في عالمه الخاص. من الضروري أن نتفهم آليات الهيمنة الجديدة وأن نسعى بكل الإمكانيات إلى تعديل وتغيير أثرها علينا، وإبراز إمكانية مقاومة الهيمنة وشروطها من داخل العولمة ذاتها لتفكيك آليات الهيمنة والحد منها.

 

إن رفض العرب للعولمة اعتقادا منهم أن هذا الرفض سيبقي على حظوظ أكبر للاحتفاظ بمواقعهم في المجتمع الدولي هو اعتقاد واهم، لأن العكس سيحدث، أي الاستبعاد المتزايد من الدورة الاقتصادية الدولية ومن صيرورة التغيير العالمي والإفقار المتزايد والانهيارات الشاملة.

 

هل المخرج يعني الانخراط في العولمة والتسليم بها بدون مرتكزات ذاتية، أو بلورة استراتيجية ما إزاءها ؟

 

ثمة منطقان: منطق الانخراط السلبي في العولمة الذي يستند إلى طابع قدري أو تسليمي، ولا يرى أي دور ممكن للذات في تحسين الشروط وتغيير بعض السياسات والحصول على بعض المكاسب الإيجابية وتنحية بعض السلبيات. المنطق الآخر هو منطق التمني والرغبة الذي يأمل أن تؤدي العولمة لإنقاذنا بفعل آلياتها وحسب من الاستبداد والتخلف والفقر.

 

إن الإشارة إلى خطر الانقطاع عن العولمة لا يعني أن للانخراط فيها بالضرورة نتائج إيجابية مضمونة، إذ لا بد من توافر دور للذات القادرة على استثمار إيجابيات العولمة. هذا يعني أن الانخراط في العولمة دون بلورة استراتيجية ذاتية، لا قيمة له، وهو ينسجم تماما مع منطق الرفض ولا يفترق عنه. هنا يأتي المخرج الوحيد: أي الدخول الفاعل في العولمة من منطق الصراع من داخلها في سبيل تحسين وتعديل موازين القوى المتحكمة بها، وتحسين فرص السيطرة على جزء من آلياتها، وبالتالي الحد من الهيمنة الأمريكية فيها، وليس القفز فوقها، أو التسليم لها.

 

إن التحكم بالقرار العالمي في ظل العولمة يرتبط بتطوير المهارات التقنية والإدارية والتكنولوجية، سواء تعلق الأمر بشبكات الاقتصاد والمال، أو بالشبكات السياسية، أو بشبكة المعلومات والإعلام والاتصالات. وبالتالي فإن اكتساب التقنية الحديثة والمعلوماتية يشكل هدفاً رئيساً لكل قوة اقتصادية متفاعلة مع المنظومة العالمية، وغير ذلك يعني العيش على هامش المجتمع العالمي. بكلمة أخرى إن الأخذ بتقنيات العولمة شرط رئيسى للدفاع عن البقاء وضمان القدرة الاقتصادية والثقافية، وغير ذلك يعني الإهمال والتخلي عن جزء أساسي من آليات الاحتفاظ بالفاعلية التاريخية والمقدرة على الاستمرار، لكن الاستفادة من هذه التقنية غير ممكنة دون وجود استراتيجية ذاتية مبلورة، وهنا تأتي مهمة دول المنطقة في توفير الشروط التي تسمح بتفتح الإمكانات للتأثير على الطابع التقني للعولمة وتحقيق منتجات تقنية وعلمية جديدة من جهة، وبلورة استراتيجية ذاتية وخصوصية تسعى إلى وضع التقدم الموضوعي في خدمة أهداف التنمية المحلية، وصولاً إلى تنمية محلية مستديمة وقابضة على مرتكزات العولمة.

 

القومية والاشتراكية في إطار العولمة

 

إن الاستراتيجية العربية إزاء العولمة، والتي تضع هدفها بالتنمية المحلية المستديمة والقابضة على مرتكزات العولمة في المجال التقني والعلمي، لابدّ لها من توفير الشروط اللازمة لتحقيق هذا الهدف والتي تشكل “الديمقراطية السياسية” بكل مستلزماتها وأركانها الشرط اللازم لها في كل بلد عربي، لكنه بالطبع شرط غير كافٍ، وتأتي كفايته عبر خلق سوق اقتصادية عربية جديدة بآليات حديثة.

 

هنا يكتسب العمل القومي مشروعيته وضرورته، إذ إن دخول أمة موحدة في إطار العولمة (أو على أقل تقدير درجة ما من الاتساق بين أركانها وأجزائها) له حظوظه الأكبر في تعديل الموازين والحد من الهيمنة في إطار العولمة.

 

العولمة كما قلنا هي الدينامية المحركة الرئيسة في العالم اليوم، رغم أنها لم تحقق بعد أهدافها كاملة، لكن الواضح أن سيرورتها تتجه نحو مرحلة جديدة في التنظيم الاجتماعي والإنساني ومختلفة عن مرحلة الدولة القومية، وهذا لا يعني انتفاء دور الدولة القومية، إذ إنها ما زالت قائمة وتلعب دوراً رئيساً في الشئون الدولية وفي رسم صيرورة العولمة أيضاً، والواضح أنها ستظل تلعب هذا الدور إلى أمد بعيد، فالعوائق أمام الدمج والتوحيد الجغرافي والسياسي للمجتمعات الإنسانية ما زالت كبيرة ومتعددة، فضلاً على أن الخصائص التاريخية لهذه المجتمعات ستظل حاضرة بقوة في رسم السياسات العالمية وتحديد مسارات العولمة النهائية.

 

أما بالنسبة للأهداف التي وضعتها البشرية لنفسها، والمتمثلة بالمجتمع الاشتراكي كبديل للمجتمع الرأسمالي، فإنها أهداف مشروعة. الاشتراكية كفكرة، كبعد اجتماعي، كحلم بشري في العدالة، لم تنته، بل ستظل البشرية تبحث عن الطرق الموصلة لهذا الحلم، لكن بالطبع بتصورات جديدة وآليات مختلفة. الاشتراكية اليوم بحاجة لإعادة صياغة وبناء من داخل إطار العولمة وليس بالتخارج معها، وما يمكن تحديده بدقة اليوم هو فقط مطالب محددة في العدالة الاجتماعية، أما الاشتراكية كنظام عالمي بديل للنظام الرأسمالي، لا يمكن بلورتها دون العمل تحت سقف العولمة ذاتها، ودون أن تتحدد معالم هذه العولمة وحدودها ومرتكزاتها على مستوى العالم. العولمة الرأسمالية بآلياتها المعروفة هي التي تفتح المجال لعولمة أخرى بديلة، لأنها رغم كل أشكال الهيمنة فيها تحتوي داخلها على آليات تجاوزها.

 

يرتبط بالمفهوم الاشتراكي إعادة النظر بدور الدولة والقطاع العام الحكومي، خاصة في دول العالم الثالث التي تبنت الخيار الاشتراكي فيما مضى. إذ إن هيمنة الدولة على مجمل الفعاليات الاقتصادية في المجتمع قد قادت إلى أزمات اقتصادية متعددة، وإلى فشل عملية التنمية والنهوض الاقتصادي، فضلاً على الفساد والإفساد. لذلك تبرز اليوم ضرورة الحد من هذه الهيمنة وتحديد دورها بالتخطيط العام والإشرافي على البنية الاقتصادية، مثلما تبرز ضرورة إصلاح القطاع العام أو الحكومي، وتحديد المجالات الاقتصادية التي عليه أن يستثمر فيها والمجالات التي عليه أن يبتعد عنها.

 

إن الدولة سوف تظل إلى أمد بعيد من مرتكزات عمليات النهوض الاقتصادي، فلا يجوز القفز إلى المراحل الأخيرة والأهداف النهائية التي تطمح إليها العولمة، واعتبار أن العولمة بكامل مفاصلها وأركانها وأسسها قد تحققت،فدور الدولة والقطاع العام مازال قائماً حتى في ظل البلدان الرأسمالية الكبرى،خاصة في ميادين الاقتصاد الرئيسة ومجال الخدمات والضمانات الاجتماعية.

 

 

 

ثقافة العولمة والثقافات المحلية

 

ثمة مفاهيم أخرى درجت في ثقافتنا السياسية على علاقة وثيقة بمسار العولمة وبالعلاقة مع الآخر، كمسألة الغزو الثقافي وتهديد الهويات الوطنية والقومية، وطرح مفهوم “حوار الحضارات وتفاعلها” كمقابل لمفهوم “صراع الحضارات”. بعض هذه المفاهيم لا يمتلك أي فعل سياسي محرك سلبا أو إيجابا، كمفهوم “حوار الحضارات” فكل الكتابات العربية حول هذا الموضوع لم يكن لها أي رصيد واقعي، والأسباب معروفة، فمن جانب لا يوجد قوى تسند هذه الفكرة، ومن جانب آخر بقيت طريقة التعاطي مع الفكرة في حدود الأيديولوجيا والأخلاق. في حين ما كتبه صموئيل هنتغتون عن صراع الحضارات هو ما حدث على أرض الواقع ومازال يحدث، لأنه كتب بدلالة السياسة والتاريخ والواقع.

 

أولاً: نقول إن أي تهديد أو إلغاء للهويات الجماعية لا ينجم بالتأكيد عن توسع دائرة التفاعل والتشارك والتثاقف بين الثقافات، إنما ينجم عن غياب استراتيجيات فاعلة للمجتمعات الأقل تطوراً وللثقافات التي تحملها من أجل الاستفادة من حالة التفاعل الثقافي التي ترسيها العولمة بشكل موضوعي. وبالتالي، فإن الطرح الذي لا يرى في العولمة إلا محاولة لتعميم النموذج الأمريكي في الحياة، إنما يعكس مخاوف الجماعات الضعيفة أو العاجزة من المستقبل أكثر مما يساعد في الكشف عن تغيير الشروط غير المتكافئة التي يحصل فيها هذا التفاعل.

 

ثانياً: لن يكون لثقافة المجتمعات الضعيفة أي دور أو مستقبل فعلي، إلا إذا أدرك حاملوها طبيعة هذا النمط الجديد من السيطرة الثقافية وآلياته، وقاموا ببلورة الاستراتيجيات المناسبة التي تسمح لثقافتهم القيام بدور فاعل على مستوى المشاركة الإبداعية العالمية، وليس مجرد الإبقاء على الهوية الثقافية الخاصة بدون أي فعالية أو تأثير عالمي، ودون إعادة بناء سمة العالمية أو الكونية في الهوية الثقافية المحلية، وذلك ضد كل خصوصية منغلقة على نفسها.

 

وثالثاً: إن الثقافات على مر التاريخ قد وُجدت في حقل تفاعل وتأثير متبادل، وقد تحددت بينها على الدوام علاقات هيمنة وخضوع على درجات متباينة ومتفاوتة، بحسب عوامل متعددة منها القوة الاقتصادية والعسكرية، ومنها ما يتعلق بميادين الإبداع والثقافة، وبالتالي قد تكون العلاقة استلابية تجاه الثقافة الأقوى والمسيطرة، وتؤدي إلى سحق ثقافة المجتمعات الضعيفة، وقد تكون الهيمنة جزئية في أحد الحقول فقط كالمجال العلمي والتقني.

 

ورابعاً: إن السيطرة المادية (أي الاقتصادية والعسكرية والسياسية) هي العامل الحاسم في السيطرة الثقافية، أي أن هذه الثقافة السائدة أو المسيطرة لا تسود بالضرورة بسبب تفوقها القيمي والأخلاقي والإنساني على غيرها من الثقافات، إنما بسبب حملها من قبل المجموعات البشرية المتفوقة أو المسيطرة مادياً، ثم تأتي العوامل الأخرى لتلعب دوراً إضافياً في السيطرة الثقافية، كقدرة هذه الثقافة أو تلك على التجدد والإبداع المتواصل.

 

وخامساً: من الممكن بلورة استراتيجيات فعالة للحد من السيطرة الثقافية، أو الالتفاف عليها بطريقة تسمح لثقافة البلدان الأضعف الاستمرار والمشاركة في الإبداعات الحضارية، كما هو الحال بالنسبة للثقافات الأوربية في مواجهة الثقافة الأمريكية، لكن في حال غياب هذه الاستراتجيات الفعالة يصبح خطر الانسحاق والاستلاب والتماهي قائماً. هذا يعني أن السيطرة الثقافية الأمريكية لن تكون كلية وثابتة، فدرجتها تتبع شكل المجتمعات المتعاملة معها من جهة، وتتبع تغير موازين القوى المادية داخل إطار العولمة من جهة ثانية. وهذا التغير عندما يكون لصالح المجتمعات الضعيفة سوف يتيح لها إعادة بناء ثقافتها وهويتها الخاصة على أسس ومرتكزات جديدة تمكنها من الفعل والتأثير والحد من الهيمنة.

 

وسادساً: لا يمكن إلا أن نرى أن ثمة خطاً واضحاً لنشوء ثقافة عالمية، بحكم المتغيرات الهائلة في السياسة والعلوم والاقتصاد والتكنولوجيا، والتي تتناول جميع المستويات، أي القيم والسلوكيات وأنماط التفكير، وهذا أمر موضوعي لا يمكن لنا إلا التسليم به.

 

وسابعاً: إن أشكال الصراع بين الثقافات المحلية والثقافة الأقوى تتخذ أشكالاً متعددة، فإما أن تأخذ شكل التماهي بالثقافة القوية والاستلاب تجاهها والتسليم بها من دون شخصية ولا برنامج ولا مشاركة إيجابية، وإما أن تأخذ شكل الانغلاق على الذات وإعادة إنتاج ثقافة ماضوية ذات طابع هيمني رافض ومحتج على ثقافة العولمة وحسب. ويبقى التوجه الثالث الذي يشكل المخرج الحقيقي المأمول، أي المشاركة الإيجابية في التفاعل الثقافي من خلال رؤية واضحة وبرامج وهويات قابلة للتجدد ومترافقة مع تعزيز المواقع المادية في إطار العولمة.

 

أسئلة العولمة هي ذات الأسئلة في الجوهر التي طرحت في عصر النهضة العربية لدى تعرفنا بالكائن الجديد آنذاك، أي ” الغرب المتفوق، والتي كوّنا حولها إجابات ترتكز إلى عقد النقص وفقدان الثقة بالذات، فاستبد بنا تارة هوس الدفاع عن الذات، فبقينا كما نحن سعداء بجهلنا وتخلفنا، وتارة أخرى دوخنا الغرب بسحره وثقافته وعلمه حتى ذبنا فيه وفقدنا ملامحنا وهويتنا ولم ندرك عيوبنا ومشاكلنا.

 

إن الدفاع عن هويتنا لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي، أي عن هوية الماضي، ولكن من خلال إعادة بنائها من أفق المستقبل، وفي إطار العولمة والثورة العلمية التكنولوجية، أي من خلال بناء العالمية فيها، والانتقال من حالتي الرفض والاستلاب المعيقتين لنمو هذه الهوية وتطورها، والتوجه نحو المشاركة الإيجابية في العالمية، والعمل مع القوى الأخرى، قوى المجتمع المدني العالمي، على تفكيك السيطرة الثقافية الأحادية، وإعادة بناء العالمية من أفق التعددية الثقافية الكونية، وفي إطار الاحترام والتعاون والتفاعل المثري.

 

إنه صراع مزدوج، صراع ضد السيطرة والهيمنة الخارجية في إطار العولمة، وصراع ضد ضعف الذات وعجزها وقصورها وعيوبها، صراع مزدوج يتجاوز الاستسلام للآليات الرافضة والدفاعية التي تقودنا نحو صراع خاسر، مثلما يتجاوز ردود الفعل السلبية والتنكر للذات ولدورها.

 

 

 

5- إشكالية الداخل والخارج في الممارسة السياسية

 

 

 

أ- المنهج والخطاب السائدان سياسياً

 

غني عن القول إن الخطأ السياسي أمر شائع، ويمكن تجاوزه في الممارسة السياسية، أما النهج السياسي الخاطئ فهو المصيبة أو المشكلة التي تولد على الدوام الأخطاء السياسية. للأسف، هذا النهج هو السائد في الثقافة السياسية لمختلف التيارات والقوى السياسية، وهو المسيطر في كل مقاربة أو تناول لإشكالية العلاقة بين الداخل والخارج.

 

السائد في تناول القضايا السياسية هو “التعميم والمواقف العامة” و”الشلف” و”الأحكام العامة والسهلة والمطلقة” و”الشعارات الأيديولوجية” و”العواطف الوطنية”، بينما يغيب “التدقيق في المستويات والمواقف”، و”معرفة الفوارق الطفيفة بين الأشياء والمواقف والسياسات”، و”قراءة الواقع كما هو بمعزل عن الرغبات والأماني والأهداف”. ما هو سائد ينشد راحة الضمير وعدم التعب وتأكيد سلامة الأيديولوجية وبناء مواقف شعبوية قادرة على التجييش والتحشيد.

 

تتكشف آليات النهج السائد في الممارسة السياسية لدى بناء الموقف إزاء الخارج، فهذه الآليات ثابتة لا تتغير، والخارج هو الخارج لا يتغير ولا يتحول. الموقف السياسي إزاءه ثابت في كل اللحظات السياسية، ومشحون بهواجس الخوف والشك والعجز والنقص. الخارج عدو مطلق، وكل تصرف أو سلوك يصدر عنه، لا يهدف منه إلا إلى سحقنا والقضاء علينا، وتحويلنا هباء منثوراً.

 

هذه المواقف والآليات تفتقد المرونة السياسية، ولا تعرف مصطلح التكتيك السياسي، ولا كيفية خدمة الأهداف الاستراتيجية العريضة سياسياً، مما يحول الاستراتيجية والأهداف عموماً إلى حالة بليدة غير منتجة أو مثمرة على أرض الواقع. وهذا ليس غريباً، فالمنطقة العربية فقيرة بالسياسيين، أي بالمفكرين السياسيين، أولئك الذين يحللون ما يجري على أرض الواقع، ويبدعون في خلق الاستراتيجيات الملائمة، وصوغ التكتيتات المنتجة التي تحول الاستراتيجيا إلى واقع معاش. المتوافر هم كتاب الأيديولوجيا أو رجال الشعارات.

 

الشعارات السياسية الدارجة التي تملأ الساحة السياسية صراخاً وعويلاً، تتلخص في طرح أهداف سياسية حارة في ظل واقع بائس ومحاصر، فالوحدة العربية أمر راهن، والديمقراطية يمكن أن تكون مؤجلة لصالح التعبئة العامة الضرورية لمقاومة المخططات الإمبريالية والصهيونية، و”الوطن في خطر”، وهذا يتطلب تكاتف جهود السلطة والمعارضة، من أجل حل التناقض الرئيسي في اللحظة الراهنة مع الإمبريالية العالمية والخطر الخارجي، وفلسطين هي قضيتنا المركزية، وما عداها ممكن بعد رحيل إسرائيل أو القضاء عليها، ولذلك من الضروري دعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، والدعوة إلى “تعميم ثقافة الاستشهاد”، هذا الشعار الذي يستند إلى مخزون تراثي هائل، تحول بنتيجته البشر إلى مجرد دعاة للموت من أجل الموت. ومن الضروري أيضا جمع التواقيع على “مواثيق شرف” تؤكد عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية، ولا بد أيضا من وضع اسم “إسرائيل” دائماً وأبداً بين قوسين، لأن هذين القوسين، ربما في اعتقاد البعض، هما اللذان سيلجمان إسرائيل عن التوسع، أو سيبقيانها على قائمة الدول غير الموجودة أو غير المعترف بها. بل لا بد أيضا من توسيع آليات محاصرة الخارج وإنهاكه عبر دعم ما يسمى “المقاومة العراقية” بشتى الوسائل الممكنة، فالأساس هو طرد الاحتلال، وبعدها لكل حادث حديث.

 

جميع الأهداف المطروحة فهمت بمعزل عن الديمقراطية. فالوحدة العربية ما هي إلا تجميع لأجزاء متناثرة، نتذكر معها قصة ذلك الرجل الذي أعطى أولاده عيدان ثقاب مفردة فكسروها، ثم أعطاهم إياها مجتمعة فعجزوا عن كسرها. المفهوم السائد للوحدة هو الفهم الميكانيكي، والنظرية السائدة في الفعل الوحدوي هي نظرية نديم البيطار في الانتقال من التجزئة إلى الوحدة التي تتطلب ثلاثة عوامل لتحقيقها، أولها الإقليم – القاعدة، وثانيها الشخصية الكاريزمية التي تستولي على قلوب الجماهير وتبهرهم بسحرها وذكائها وقدراتها، وثالثها الخطر الخارجي، أما اتجاه التقدم، أي الديمقراطية، فهو غير موجود في الفهم الوحدوي السائد. نحن نريد الوحدة ليس من أجلنا، بل من أجل تشكيل القوة اللازمة لمواجهة الخارج. الديمقراطية وحقوق الإنسان لا وجود أو أثر لهما، وحتى لو ذكرت، كما هو حاصل في جميع برامجنا السياسية، فهي لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال إعداد مائدة وفيرة بالمصطلحات الحديثة، ولما تتحول بعد إلى منطلق وأساس، وإلى منهج للرؤية السياسية. عندما ننظر إلى جميع قضايانا ومشاكلنا السياسية (فلسطين، لبنان، العراق، الوحدة العربية، النظام الاقتصادي المطلوب، إسرائيل، مشكلتنا مع أمريكا…) من زاوية أو منظار الديمقراطية وحقوق الإنسان سوف تختلف رؤيتنا.

 

في فهمنا للوحدة وقضية فلسطين نستحضر دائما خطر الخارج، ونعيش حالة الأمة/الضحية، الأمة المطعونة، الأمة التي كذب عليها الآخرون وأخلفوا وعودهم معها وغدروا بها، لذلك يكون استنفارنا ضد الخارج غرائزيا، ويكون صراعنا معه صراعا على البقاء، وليس صراعا سياسيا.

 

البعض من دعاة الفكر القومي التقليدي فرح عندما اجتاح صدام حسين الكويت ظناً منه أن صيرورة الوحدة العربية قد بدأت، وخاف أن يوجه انتقاداً أو استنكاراً لفعل الاجتياح خوفاً من أن تحسب في الخندق الآخر، أي في خندق الولايات المتحدة. الغريب أن القوى السياسية في كل مرة تمر فيه بلحظة سياسية شبيهة تقف في الخندق الخطأ. هذا لا يعني الوقوف في خندق الولايات المتحدة، بل يعني الوقوف في خندق المواقف والسياسات الصائبة انطلاقاً من المصلحة الوطنية (أو القومية)، ولا يهم عندها إن كان ثمة تقاطع بين هذا الخندق وخندق الولايات المتحدة.

 

تلك هي أهم منطلقات ومواقف الحركة السياسية في سوريا، وفي الساحة السياسية العربية عموماً، وهي في معظمها ثابتة منذ نصف قرن تقريباً، على الرغم من التغيرات النوعية التي شهدها العالم، وعلى الرغم من أن الواقع اليوم لا يستجيب لأي منها. أسئلة عديدة تطرح هنا، أولها: هل خدم وضع هذه الشعارات والتوجهات على أجندة عمل الحركة السياسية القضايا التي قامت أو رفعت من أجلها ؟، وهل خدمت تجارب جميع حركات التحرر العربية، وحركات الاستقلال، قضايانا المصيرية وأهدافنا المرفوعة منذ نصف قرن، وهل وصلت بنا إلى وطن حر ومواطن حر وسعيد ؟

 

التوهان السياسي موجود، وإنتاج الأخطاء مستمر إلى ما لا نهاية: بعض الشعارات المطروحة في السوق السياسية تهدف إلى تحقيق أكبر حالة من التحشيد، ولذلك العنصر الدافع الرئيسي لتبني هذه الشعارات من قبل قوى سياسية عديدة هو مزاج الناس. السؤال هنا إذا كان حزب ما يبني سياساته انطلاقاً من مزاج الناس فما هي ضرورة وجوده كحزب سياسي ؟ إذا كان الحزب السياسي ينطلق من الحدس والمباشر والظاهر كما هو حال المزاج السائد، فأي معنى أو دور يبقى لوجوده ؟ إذا لم يكن الحزب السياسي رافعة لوعي الناس، وسبيلاً لتطوير مداركهم وتفاعلهم مع الأحداث السياسية، فما هي الوظائف السياسية والمجتمعية المتبقية لهذا الحزب ؟

 

بعض قضايانا المحقة (الوحدة العربية، تحرير فلسطين) لا يمكن خدمتها برفع شعارات تطبيقها في لحظة انكسار سياسي معمم، فهذا لن يزيد الحركة السياسية، والبشر عموماً، إلا إحباطاً وانتكاساً، فالعواطف والرغبات لا مكان لهما في عالم السياسة، وعلينا ألا نعتقد أن ثمة فائدة يمكن أن تكون في تكرار الحديث عن الوحدة وفلسطين، وفي التأكيد على التزامنا بهذه القضايا، فالعبرة ليست في الكلمات، بل في إمكانيات التحقيق الواقعية.

 

التقييم العام والأحكام الإجمالية لا يؤثران في الواقع السياسي، ويؤديان إلى بلادة سياسية، وفقدان القدرة على التعامل مع الفوارق الطفيفة في سياسات الدول، وبالتالي التأثير فيها. أمريكا قارة مليئة بأنواع وفئات مختلفة من البشر، وبتيارات سياسية متعددة، وبقوى مجتمع مدني غاية في التنوع والاهتمامات والتصورات المختلفة، ودون التعامل مع هذه الحقائق لن يكون بالإمكان تغيير سياسات الآخرين إزاءنا.

 

دون تغيير فهمنا السياسي سيبقى الخطاب السياسي، كما هو شائع، خطاباً ذاتياً،لا يقتنع به، ولا يسمع به، إلا أصحابه. ضعف المعارضة السياسية في سوريا لا يكمن فقط في محاصرة السلطة لها على مدار ثلاثة عقود، بل أيضاً في خطابها الذي لا يستطيع أن يجمع حوله حفنة من البشر في الداخل، ولا يستطيع أن يكسب المؤيدين والمتعاطفين معه في الخارج.

 

الموقف الأيديولوجي والغرائزي للمعارضة السورية تجاه الخارج يقودها إلى إلغائه من حساباتها ومن خطابها، الأمر الذي يعني للعالم عموماً أن هذه المعارضة تريد بناء وطن خارج هذا العالم، ومتخارج مع العصر، وليقتصر خطابها على محاورة نفسها أو استجداء النظام، واللعب على وتر تذكيره بالأخطاء المحدقة بالبلد التي تتطلب تكاتف جهود الجميع. لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا الإلغاء للخارج يقود هذا الأخير أيضاً في المحصلة إلى إلغاء المعارضة من حساباته، ولتبقى السياسة الخارجية بالتالي حكراً على السلطة، ولتصبح المعادلة السياسية الفاعلة هي بين النظام الحاكم والخارج وحسب، وليبقى الوطن لعبة بيد الطرفين في حالة غير مضمونة العواقب. تعفف المعارضة عن الحوار مع الخارج بمستوياته المتعددة، يشير إلى خوفها الدائم من اتهامها بالعمالة من قبل السلطة التي تخضع معارضيها على الدوام لابتزاز معنوي يتجسد في إنهاكهم بضرورة إثبات وطنيتهم على الدوام أمام السلطات ” الوطنية “. لا أحد يقول مثلاً لزعيم حزب معارض في فرنسا عندما يزور بلداً معيناً، كأمريكا أو بريطانيا، ليشرح رؤاه وتصوراته، بأنه عميل لهذا البلد أو ذاك. ويعكس هذا التعفف أيضاً حالة من عدم الثقة بالذات في حال جرى هذا لحوار. لا يعني مجرد الحوار مع الخارج أننا أصبحنا ندور في فلكه، وأننا سنسير في طريقه ونسلم له مصائرنا وحياتنا، بل على العكس قد يكون بداية لكف يده عنا. شأن المعارضة في التعامل مع الخارج كتلك المرأة التي تخاف على بكارتها من كلمة غزل أو لمسة يد.

 

رضيت المعارضة، أو بعض أطيافها، بشكل مباشر أو غير مباشر، التحول إلى أحد أركان استمرار الاستبداد، فالسلطات تستثمر خطاب المعارضات وتوجهاتها إلى أبعد حد، خاصة عندما تقول للخارج أنها أفضل الموجود، وأن البدائل الممكنة أو المتاحة أكثر راديكالية منها.

 

((الوطن في خطر)). هكذا يطرح النظام الحاكم، وهكذا تطرح المعارضة. النظام الحاكم يقول تبعاً لذلك بضرورة الصمت وكم الأفواه، لأن صوت المعارضة المرفوع يخدم في تشجيع الخارج على القدوم إلينا وانتهاك سيادتنا الوطنية. المعارضة تقبل أحياناً وتصمت قانعة بأن التناقض الرئيسي هو مع الإمبريالية والاستعمار، أو تراهن على جواد خاسر عبر مطالبة السلطة بضرورة تكاتف الجهود وعقد مؤتمر للحوار الوطني لدرء الخطر الخارجي.

 

المؤتمر الوطني بصيغته المطروحة لا يخدم إلا استمرار الاستبداد وإنقاذه من محنته الراهنة، لأنه ببساطة يجري بين أطراف غير متكافئة، بحكم كون المعارضة محرومة من ممارسة حقوقها السياسية في الدعاية والإعلام والانتشار منذ زمن بعيد، وبحكم عدم وجود ضمانات واقعية حقيقية لعدم حدوث انقلاب على التوافقات التي يمكن أن يتوصل إليها مثل هذا المؤتمر، وبحكم ضرورة تحقيق السلطة لمجموعة من المتطلبات الضرورية قبل أي حوار، أي تلك التي تتعلق بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، ورفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وغيرها.

 

الضمانات المطلوبة هي في ممارسة المعارضة لدورها في مناخ سياسي صحي، وتوجهها نحو توحيد جهود أطيافها، وتشكيل جبهة معارضة واسعة أو قطب معارض حقيقي، وبعدها يمكن لفكرة المؤتمر الوطني أن تكون بوابة للتغيير الديمقراطي الحقيقي، ومخرجاً لتخفيف خطر الخارج.

 

هذا التعفف يبدو في كثير من الأحيان، غير صادق في العمق، فالقوى المعارضة التي تطالب دائماً بالتأكيد على ((عدم الاستقواء بالخارج))، تنتعش وتتنفس الصعداء وترفع صوتها في كنف الضغوط الخارجية، وتقتات من نعمها. هذا لا يخدش وطنية المعارضة، لكن المعيب هو في الخطاب المعلن الذي تتعامل من خلاله المعارضة مع تلك الضغوط، عبر التأكيد على رفض كل ما يصدر عن الخارج، حتى شعاراته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ بدل تأكيد المطالب الخاصة بهذه الشعارات، يجري مواجهتها بمخزون الشعارات المعتادة، أي تلك المنادية بتحرير فلسطين ودحر الإمبريالية، ولتصب هذه اللحظة السياسية في المحصلة في طاحونة استمرار الاستبداد والأوضاع المتردية.

 

ب ـ النظم الحاكمة وتعاطيها السياسي مع الإشكالية:

 

أصبحت سياسات النظم العربية معروفة للعامة والخاصة، فمن الثوابت الواضحة سعيها الدائم إلى تأجيل وصول الأزمات الداخلية إلى حدود انفجارية، والوسائل متعددة في هذه السياسة، منها اللعب بأوراق إقليمية خارجية، الأمر الذي يسمح لها من جهة بالمناورة مع الخارج وإجراء المقايضات اللازمة لكف يده عن التدخل في الشأن الداخلي، ومن جهة ثانية قطع الطريق على الداخل الذي يطلب منه تقدير وضع النظام و((الظروف الدقيقة)) الإقليمية والدولية المحيطة بالبلد، وتأجيل الاستحقاقات الداخلية.

 

لكن الجديد هو نهاية السياسات المبنية على المقايضة مع الخارج، وحتى لو قبل هذا الأخير في لحظة من اللحظات ببعض المقايضة، فهو قبول مؤقت، فالخارج أصبحت مشاريعه أكبر من إدارة الأزمات، ولترتكز أساساً اليوم على إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه، وهذا يعني في التفاصيل نهاية العهد الذي كان يتم فيه استقواء دولة بأخرى أو الإمساك بأوراق إقليمية خارج إطار حدود البلد. هذا الجديد في المحصلة جعل الأنظمة الحاكمة وجها لوجه مع الأزمات الداخلية التي راكمتها وغذتها بفعل سياساتها غير العقلانية على مدار عقود.

 

عندما طرحت الولايات المتحدة مشروعها الإصلاحي للمنطقة كان رد فعل الأنظمة العربية هزيلاً:

 

((الإصلاح يجب أن يكون من الداخل))، بمعنى أن هذه الأنظمة التي لم تخرج طوال نصف قرن كلمة منها تشير إلى ((الإصلاح)) أرغمت عملياً على طرحه، أما من حيث طبيعة الرد فإنه مفهوم، أي ستقوم به الأنظمة بما يتوافق مع ظروفها ومصالحها.

 

هذه الأنظمة لم تتغير، لكنها فضائل القنوات الفضائية والمنظمات الدولية غير الحكومية التي ساهمت في نقل الصورة والحدث للعالم كله، ولولا ذلك لكانت تكررت اليوم الأحداث المأساوية التي مرت بها منطقتنا في الماضي، عندما كان يجري التعامل بهمجية مع أي ظاهرة معارضة من أي نوع.

 

من الثوابت أيضاً اتهام النظم الحاكمة لمعارضيها بالعمالة للخارج والخيانة الوطنية. ((العميل)) في عرف هذه النظم، كما هو معروف، هو كل من يحاول الخروج على النسق الشمولي وشرعة الاستبداد، ولذلك هي لا تتورع عن توجيه التهم لمثقفي البلد ولأحزاب سياسة معارضة، بل ولمجموعات بشرية واسعة ولأجزاء من النسيج الوطني كالأقليات القومية.

 

على العموم هذه الاتهامات معروفة ومألوفة في تاريخنا، إذ كانت السلطات القائمة تتهم معارضيها على الدوام، وبهدف حرقهم اجتماعياً وسياسياً، بإحدى التهم الثلاث، فإما يتهمون بالعمالة للخارج، أو بالإلحاد، أو يتهمون في أخلاقهم الاجتماعية، وذلك لأنها تدرك أن هذه التهم قادرة على استنفار الغرائز البدوية والدينية للبشر ضدهم.

 

هذه الاتهامات، خاصة في ظل ضعف المعارضة/ أو المعارضات، تجعل هذه الأخيرة تسير في طريق رد التهم عنها وإثبات وطنيتها بشتى السبل، سواء من حيث خطاب كيل الشتائم للخارج، والتأكيد الدائم لرفضها له جملة وتفصيلاً، سياسة وثقافة، شخوصاً ودولاً ومنظمات غير حكومية، أو من حيث الصمت عن نقد الأنظمة في اللحظات التي يشتد فيها ضغط الخارج عليها. في المنطقة العربية عموماً تتحمل السلطات السياسية مسؤولية التدخلات الفاضحة للخارج أما تيارات المعارضة على اختلاف تلاوينها فلا علاقة لها بذلك.

 

بدلاً من التركيز على قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، تنهك المعارضات نفسها وتستنزف طاقتها في إثبات وطنيتها في بلد يفتقد لأي معايير قانونية تحدد معنى الوطنية ومعنى ((الخيانة الوطنية))، وأمام أنظمة حاكمة شهادتها مجروحة في هذا الأمر، وتحتاج إلى آلاف الشهادات لإثبات وطنيتها. تحتاج الأنظمة الحاكمة إلى شهادة في الحفاظ على المال العام وعدم تورطها في الفساد، وإلى شهادة في حسن إدارة موارد البلد، وشهادة في احترام القانون الوطني، أي الدستور، وشهادة في عدم استغلال المناصب الحكومية، وشهادة في الحفاظ على حياة كريمة للمواطنين، وأخرى في صون حرياتهم، وشهادة في رسم سياسات ناجحة تخدم الحفاظ على المناعة الوطنية، وغيرها من الشهادات… إلخ..

 

بعض الأنظمة لا تفتقد للشهادات السابقة وحسب، بل أيضاً لشهادات تخص عدم تحولها إلى قنوات سهلة للمصالح الخارجية، وإلى موظفين صغار عند السيد الأمريكي، وإلى حراس مخلصين للأمن القومي الأمريكي.

 

6 ـ الخروج من النفق المسدود:

 

نحن في الحقيقة أمام حالة عجيبة: خارج يريد أن يغير ويمتلك القدرة على الفعل، ولكنه سيغير انطلاقاً من مصالحه وعلى هواه، وهذا مفهوم وطبيعي، وداخل (حكومات وقوى سياسية وشعبية) رافض لمصدر التغيير. سلطات لا تريد أن تغير أصلاً، ولكنها أرغمت على ركوب موجة التغيير، وهي تمتلك القدرة أيضا، لكن أقصى ما تريده هو إضفاء تغييرات وتحسينات جزئية وحسب، وبشكل يتوافق مع استمراريتها، بل هي تتعامل مع ((مسألة التغيير)) على أساس أنه بدأ، أما وتيرته فلا بد أن تتم بما يتناسب مع ظروف كل دولة، ومع التحديات التي تجابهها، وبشكل لا يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي، أي استقرار الأنظمة. أما القوى السياسية (في الداخل والخارج) فهي عاجزة ومشتتة.

 

هذه الصورة تتكرر في بلدان عربية عديدة، وحصيلتها في عالم السياسة صفر.

 

السؤال المركزي بعد محاولة استكشافنا لهذه الإشكالية في كافة أبعادها ومستوياتها، وبعد محاولة قراءتنا للوحة السياسية بكافة مفرداتها، هو: كيف يمكن حل هذه الإشكالية وتخفيف درجة حدتها في تشكيل الاصطفافات وفرز القوى السياسية والفئات الاجتماعية لصالح حضور الاعتبارات الداخلية وإعادة التكوين بناء على البرامج الداخلية ورؤية الجميع للأهداف والآليات التي يمكن من خلالها حل الأزمات الداخلية؟.

 

بمعنى آخر كيف يمكن إعادة توحيد الحقل السياسي والمجتمعي والخروج من حالة التشظي والتمزيق الحادث بسبب هذا الحضور المكثف، الواقعي، الحقيقي للخارج في مجتمعاتنا؟ شريطة أن يكون هذا التوحيد صحياً، لا بالاستناد إلى دوافع مرضية بفعل الشعور بالخطر الذي يمثله الخارج، وأن ينطلق هذا التوحيد من قناعة أساسية هي وحدة التنوع؟. هل نحلم ونحن نطرح هذه الأسئلة أو بالأحرى الرغبات؟؟

 

هذه الرغبات تتطلب جهوداً وحوارات ضخمة وعميقة حول الفكر العربي والثقافة العربية، وهذه جميعها تحتاج إلى بيئة سياسية صحية ومناخ ديمقراطي من جهة، وتحتاج إلى وقت طويل من جهة ثانية. لكن ينبغي التأكيد على أن حل هذا الإشكال الفكري السياسي، في هذه اللحظة السياسية، لا بد أن يكون بأدوات السياسة وآلياتها بالدرجة الأولى، وليس من خلال الأيديولوجية التي لن يكون بإمكانها تقديم أي فائدة واقعية أو منتجة في خلق الحلول المناسبة.

 

القوى السياسية التي تمارس السياسة ممارسة أيديولوجية لا تتبدل مواقفها تبعا للحظات السياسية المختلفة، وهذا ثبات سلبي قاتل، فقد تجرنا هذه القوى إلى متاهات عديدة أو تسير بنا إلى طرق مسدودة. أما القوى السياسية التي تمارس السياسة بالاستناد إلى المعطيات الواقعية المتغيرة، فإن مواقفها السياسية تكتسي طابعاً براغماتياً صحياً وطبيعياً، فعندما نكون في حالة راحة لنقاش علاقة الداخل بالخارج تختلف مواقفنا عن تلك التي نصدرها في وضع أو حالة يصبح فيها الخارج موجودا في الداخل أو على أبوابه. هذا يفترض ضرورة الاتفاق على إطار عام لمعالجة هذه الإشكالية، وبما يهدف إلى التقليل من تباينات المواقف السياسية لدى مختلف القوى والأحزاب في اللحظات السياسية المختلفة إزاء الخارج وسياساته، الأمر الذي يعفينا، فيما لو حصل، من المزيد من التشظي للحركة السياسية.

 

يمكن للأفكار السياسية التالية أن تسهم جزئياً في الخروج من النفق، وإعادة توحيد بعض التيارات والقوى السياسية على أسس ديمقراطية:

 

1 ـ يمكن أو ينبغي على القوى السياسية المتباينة أن تتوافق على برنامج سياسي يستجيب للحظة الراهنة، وبما يحد أو يخفف من أثر الخارج وتأثيره في صياغة مستقبل أوطاننا على هواه، دون التخوف من حدوث تقاطع أو توافق بين هذا البرنامج مع ما يعلن عنه الخارج أو مع ما يريده صراحة. أي لا بد من التوصل إلى برنامج حقيقي للتغيير الديمقراطي تتقاطع عنده أوسع القوى على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية. هذا البرنامج هدفه تشكيل قطب معارض ديمقراطي واضح المعالم من حيث القوى المنضوية فيه والساعية إليه، ومن حيث تحديد عناصر التغيير الديمقراطي وعناوينه وآلياته ووسائله.

 

2 ـ وضع استراتيجيات عملية تفصيلية للسير في التغيير الديمقراطي، أي تحويل البرنامج المتفق عليه إلى خطوات سياسية تدريجية محسوبة ومرتبطة بالزمن.

 

3 ـ التعامل مع قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفها القضية المركزية الناظمة لعمل جميع القوى والتيارات، وتأجيل الشعارات السياسية الأخرى المطروحة على اعتبار أنه من جهة لا يمكن خدمة هذه الشعارات سياسياً في هذه المرحلة، وأنها من جهة ثانية تصب بشكل أو بآخر في خدمة استمرار الأنظمة الاستبدادية التي تدعي خدمة هذه الشعارات.

 

هناك معادلة تطرح في الساحة السياسية، حيث هناك بعض القوى تقول ((مقاومة الاستبداد لها الأولوية على ما عداها))، ولذلك تنتقد القوى الأخرى التي يختلط عندها الدفاع عن الوطن بالدفاع عن الاستبداد، وهناك قوى ترى أن ((مقاومة الإمبريالية والخطر الخارجي لها الأولوية))، ولا تريد أن تكون كما يقال كالمستجير من الرمضاء بالنار، وقوى أخرى تريد مقاومة الاستبداد والخارج معاً. الحل ليس في هذه التحديدات القطعية، وإنما بوضع مبدأ عام بالاستناد لقراءة التاريخ واللوحة السياسية وحاجات مجتمعاتنا، ثم البحث عن آليات لخدمة هذا المبدأ سياسياً، دون النظر إلى أي ابتزاز من أي نوع، سياسياً كان أو أخلاقياً، ومن أي مصدر كان.

 

هذا المبدأ باعتقادي هو ((قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان)) في منطقتنا. أما كيفية خدمة هذه القضية فإنها تتبع اللحظة السياسية، فلكل لحظة حساباتها ومقتضياتها وإمكانياتها الواقعية. المهم والأساس هو التصرف على أساس خدمة هذه القضية الأساسية.

 

4 ـ بناء علاقة صحية مع الآخر، أي الخارج، خالية من عقد النقص والإهانة والانجراح الحضاري، وإطلاق عملية حوار مستمرة مع الخارج بكافة مستوياته وعناصره، أي الحوار مع منظماته وجمعياته وحكوماته وهيئاته الدولية وغيرها. هذا الحوار ينطلق من أسس عديدة، أولها الثقة بالذات، وثانيها عدم الخضوع للابتزاز الذي تقوم به الأنظمة الاستبدادية في هذا الإطار أو القوى الأيديولوجية التقليدية، وثالثها وضع أساس للحوار هو المصالح الوطنية لدول المنطقة، ورابعها التعامل بسياسة إيجابية مع مبدأ الضغط الخارجي، على أن توضع له معايير عامة تنطبق على جميع دول العالم، ويكون تحت إشراف الأمم المتحدة، ومحصوراً في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبمعنى آخر قبول مبدأ استخدام الضغوط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية المنسجمة مع مصالح شعوب المنطقة، أي تلك الضغوط المؤذية للعناصر الفاسدة في الأنظمة الحاكمة، والمتوافقة مع التوجهات الديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الإنسان في منطقتنا، وخامسها رفض مبدأ التدخل العسكري لفرض أي تغيير من أي نوع طالما لم يتم إصلاح هيئة الأمم المتحدة، لتكون هيئة ديمقراطية قادرة على القيام بمهامها دون الخضوع لإرادات الدول الكبرى، وهذا على ما يبدو ما زال بعيداً، وسادسها التأكيد على أن الحوار مع الخارج لا يعني استدعاء الخارج ميكانيكياً إلى منطقتنا وبلداننا، إنما يعني التأثير في هذا الخارج من منطلق مصالحنا الوطنية، وبالتالي الحد من أثره السلبي على دولنا ومجتمعاتنا، وسابعها التخلي عن الشعارات السياسية المنطلقة من العداء المطلق للخارج، كشعار ((عدم الاستقواء بالخارج))، الذي أراه شعاراً زائفاً ومضللاً من الناحية المعرفية والثقافية، ويعبر عن الكثير من الغباء السياسي. إن عدم الحوار مع الخارج بكل دوله ومؤسساته ومنظماته وهيئاته الدولية لا يطمئن النظام العالمي إزاء القوى السياسية الموجودة داخل دول المنطقة، وسيظل ينظر إليها بعين الشك والريبة. وثامنها لا بد لهذا الحوار أن يتسم بإتقانه لمنطق العصر والعالم، وأن يتوافق مع بديهياته الفكرية والسياسية والاقتصادية. هذا الحوار مع الخارج لا يعني فحسب اللقاء على طاولة للنقاش، بل يعني بالدرجة الأولى مخاطبته بلغة العصر، والتخلي عن مجمل عناصر الخطاب الذاتي الذي لا يفهمه إلا أصحابه، ولا يؤثر في الثقافات والسياسات العالمية أي تأثير، وبحيث نصبح جزءاً من العالم، ومندمجين معه، ومساهمين في الثقافة العالمية، لا خارجين عن نواميسه وقوانينه ومنطقه، وهذا يعني فيما يعني الرفض الواضح للإرهاب والفعل الإجرامي أياً كان مصدره ومبرراته وأهدافه، فليس صحيحاً أن ((عدو عدوي هو صديقي دائماًً))، وليس كل من يقف ضد الولايات المتحدة يمكن أن يقدم خطوة إيجابية أو منافع لمشروعي الوطني الديمقراطي. وتاسعها التأكيد على الوقوف ضد عناصر الهيمنة بكافة مستوياتها العسكرية (الاحتلال) والاقتصادية، وغيرها، وعاشرها التأكيد على أهمية توسيع دائرة المجتمع المدني العالمي المندمج أو المرتبط بشبكات تتجاوز الدول والحدود، وأهمية مساهمة هذا المجتمع بقواه المحلية والعالمية على القيام بمقاومة سلمية ديمقراطية ضد عناصر الهيمنة والاستغلال والاستبداد في العالم أياً كان مصدرها ومستواها.

 

هذه الأفكار، سواء التي تتعلق بالمستوى الداخلي، أو تلك التي تتعلق بآليات التعامل مع الخارج، ننظر إليها بوصفها كلاً واحداً موحداً ينسجم مع منطق سياسي حديث ومفيد وقادر على تشكيل خطاب سياسي ناضج ومنتج، ولا يمكن التعامل مع أي من مفرداتها لوحده ومعزولاً عن العناصر الأخرى دون الوقوع في الخطأ السياسي أو في خانة سوء الفهم المقصود أو غير المقصود.

 

عن مجلة مقاربات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق