تجمع سوريات أين هو من الحركة النسائية في سورية؟

جمعتهم أهداف مشتركة واحدة تسعى لتمكين المرأة السورية من القيام بدورها في عملية التنمية البشرية، وآمنوا بأهمية التشابك بين الجمعيات النسائية والحقوقية وجميع العاملين والعاملات في قضايا حقوق المرأة الإنسانية، التقوا ليقفوا مع بعضهم لمواجهة التحديات التي تعيق مسيرة المرأة السورية، فاجتمعوا تحت اسم واحد “تجمّع سوريات” وأسسوا بيان هذا التجمع عام 2006م ليبدؤوا الانطلاق معا لتحقيق أهدافهم الواحدة بآليات عمل منسجمة فيما بينهم.

وكانت الجمعيات المنضمة حينها جمعية المبادرة الاجتماعية، الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة، رابطة النساء السوريات، لجنة دعم قضايا المرأة، مجموعة كوكب اللاعنف، منتدى السوريات الإسلامي، المنتدى الفكري وفيما بعد انضمت راهبات الراعي الصالح، وما زال الباب مفتوحا للجمعيات الراغبة بالانضمام.

بداية كان الدافع لهذا الالتقاء بين تلك الجمعيات والمجموعات العاملة على قضايا المرأة، هو التداول في أفضل السبل الممكنة لمواجهة التحديات التي تعيق مسيرة المرأة السورية، والتي تتمثل في وجود القوانين التمييزية ضدّ النساء، كالأحوال الشخصية وقانون الجنسية، مع الافتقار إلى قوانين حديثة تحفظ للمرأة حقوقها كاملة، وموروث ثقافي اجتماعي يكرّس دونية المرأة ويمنعها من التمتع حتى بالحقوق المنقوصة كحقها في الإرث مثلا، وتدهور الوضع المعيشي لغالبية النساء، لارتفاع نسبة الفقر في سورية، وتضخم ظاهرة البطالة، ولعدم تكافؤ الفرص وضعف التأهيل العلمي والمهني للنساء، وضعف في مشاركة النساء في مواقع صنع القرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وعدم توفر المناخ الملائم لتطوير مشاركة النساء في العمل المدني.

ولتطوير إسهام الحركة النسائية في تمكين المرأة نتيجة معوقات سياسية واجتماعية، ومن بينها عدم وجود قانون جمعيات ديمقراطي، وضعف التواصل بين الجمعيات النسائية وقاعدتها الاجتماعية من جهة، وبين الحركة النسائية ومؤسسات صنع القرار من جهة أخرى، وبغية تمكين المرأة السورية من القيام بدورها الفعال في عملية التنمية البشرية، فلقد اتفق التجمع على تحقيق أهداف أهمها إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة في القانون، عبر تنقية القوانين من المواد التمييزية وإقرار قوانين عصرية، وتكريس صورة جديدة للمرأة في الذهنية المجتمعية عند الرجال والنساء بما ينسجم مع إسهاماتها الحقيقية والمتنامية في حياة الوطن، والضغط من أجل اعتماد سياسات خاصة لزيادة فرص العمل أمام النساء وتمكينهن من الوصول إلى الموارد والتحكم بها، وإيجاد البيئة الملائمة لزيادة مشاركة المرأة في الحياة العامة وفي مواقع صنع القرار على الأصعدة كافة والتصدي لظاهرة العنف ضد النساء بأشكالها كافة، واعتبارها قضية عامة والدفاع عن النساء المعنفات والعمل على إعادة دمجهن في المجتمع، وتبادل الخبرات في إطار المعرفة وبناء قدرات الجمعيات.. هذا ما جاء في بيان التأسيس للتجمّع الذي حدد المرجعية بالدستور السوري والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي انضمت سوريا اليها، وخاصة ذات الصلة بقضايا المرأة، والتي تنسجم جميعها مع مقاصد الشرائع السماوية في تحقيق العدل والمساواة بين البشر، واعتمدوا آلية عمل واحدة تتلخص بعقد ورشات عمل لاقتراح تعديل القوانين أو اقتراح قوانين جديدة في مختلف المجالات، وعقد الندوات واللقاءات الحوارية والاستفادة من المنابر الإعلامية المتاحة، للعمل على تطوير الوعي المجتمعي العام حول حقوق المرأة الإنسانية، والتنسيق والتعاون مع مختلف الجهات الوطنية حكومية وغير حكومية، ومع المنابر الدينية المستنيرة والشخصيات الثقافية والفكرية والحقوق المعنية بتحقيق غاية هذا المجتمع، والدعم والمناصرة بين الجهات الشريكة والعمل الميداني المشترك بما يخدم تحقيق أهداف التجمع وتبادل الخبرات في إطار المعرفة والتدريب وبناء قدرات الجمعيات. فكان البيان التأسيسي الذي وضعه التجمع أساسا لطريقة عمل الجمعيات وتعريفا بأفكارها. والآن بعد مرور عامين على هذا التأسيس، أين أصبح هذا التجمع، والى ماذا أفضى، وما هي المعيقات والتحديات التي واجهتهم كتجمع وما النتائج التي حققوها؟

للإجابة على تلك التساؤلات التقينا مع عدد من الممثلات عن الجمعيات المشاركة والبداية كانت مع السيدة (نوال يازجي) عضو سكرتارية رابطة النساء السوريات التي تحدثت عن مجمل الصعوبات والتحديات التي رافقت عملهن كتجمع وكسيدات ناشطات في المجتمع السوري فقالت:

بداية أريد أن أوضح معنى التجمع، فهو ليس تنظيما اندماجيا بل إطار عمل مشترك بين جمعيات ذات مرجعيات مختلفة تجمعها أهداف مشتركة، وترفض القوانين التميزية ضد المرأة وتعمل من أجل حصول المرأة السورية على حقوق المواطنة الكاملة، ويتمتع التجمع بصيغة تنظيمية مرنة، ويرحب بانضمام جميع الجمعيات التي تتفق أهدافها مع أهدافه الواردة في بيان التأسيس، ويضع التجمع خطة عمل سنوية تتضمن عددا من النشاطات التي يرى أهمية لتنفيذها بشكل مشترك، وتتابع كل جمعية ومنظمة برامجها الخاصة بها، وفي خلال ذلك نتبادل الخبرات والدعم والمساندة فيما بيننا، وقد أقمنا خلال العامين المنصرمين عددا من الفعاليات والندوات، كمسيرة الشموع في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة مؤخرا بعد عدد من الندوات حول المرأة والإعلام والمرأة والعنف وحقوق الطفلة، وتشاركنا في إعداد تقرير المنظمات غير الحكومية في سورية حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، الذي رفع بالتوازي مع تقرير الحكومة إلى لجنة سيداو في الأمم المتحدة، ونعمل على وضع خطة مشتركة تتعلق بالعنف المنزلي.

أما المعيقات، فهي لا تتعلق بطبيعة التجمع، بل معيقات عامة كعدم الترخيص للجمعيات وعدم التمويل من الحكومة أو من المنظمات غير الحكومية في سورية، وموقف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المعروف، والذي بات عائقا للجمعيات. بالإضافة إلى قانون الجمعيات الحالي الذي يكرس حالة التبعية للوزارة، ويقيد حرية المنظمات غير الحكومية في النشاط والعمل، رغم أن الحكومة قد لحظت في استراتيجياتها وخططها كالخطة الخمسية العاشرة مسألة الشراكة مع المجتمع المدني في تنفيذ خططها المتعلقة بإدماج المرأة في التنمية، وتسوية أوضاعها القانونية. لكن هذه الشراكة بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية لم تتم مع أن النجاح في تطبيق هذه الخطط لن يتحقق دون هذه الشراكة وهذا يضعف إمكانيات الحكومة والمنظمات غير الحكومية، وبالتالي يضعف المجتمع ككل، والذي أستغربه بشكل شخصي هو هذا الموقف العدائي من الناشطات في المجتمع السوري من قبل بعض المعنيين، لصالح من؟ ولماذا؟ هذا هو السؤال الذي يلح دائما. فبلادنا تعمل من اجل العدالة الاجتماعية، وهذه العدالة لن تتم إلا بالمساواة بين أفراد المجتمع رجالا ونساء، إذ أن المرتكز الأساس في تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية يكمن في تحقيق المساواة بين الجنسين والعمل وفق استراتيجيات الدولة يعني تحقيق هذه الشراكة، وهذه المساواة.

اما تجربة التجمع، فأعدّها ناجحة حقا إذ تقوم على احترام استقلالية كل جمعية والخبرات المتنوعة في كل منها وتبادل هذه الخبرات يزيدها غنى، والذي ساهم في هذا النجاح هو أولا وأخيرا الرغبة في العمل المشترك وإتقانه، وفي ظروف أفضل من الممكن أن يحقق هذا التجمع عملا هاما وملموسا وأن يحدث تأثيرا توعويا أوسع، وإذا أردنا البحث في الإنجازات فهي لن تكون ملحوظة ما لم يتجاوب صناع القرار مع قوى المجتمع المدني الراغبة في التغيير، خاصة حين يتعلق الأمر بتغيير القوانين. أما تقييم النجاح في مجال العمل التوعوي والتعبوي فيحتاج إلى مدة زمنية لنتمكن من قياس أثره وفعاليته. وهذا ما نعمل من أجله وتؤمن به.

ومن لجنة دعم قضايا المرأة التقينا مع السيدة (مية الرحبي) التي أعربت عن قلقها على الجمعيات النسائية والحقوقية السورية كافة، ومن ضمنها التجمع. حيث أكدت على أن الإعاقة الأساسية في عمل الجمعيات، هي عدم وجود تراخيص. فأغلب الجمعيات لم تحصل عليه. فاجتماع عدد من الجمعيات غير المرخصة لن يساعدها في الوصول إلى أية انجازات ملموسة، لكن لا يعني هذا أن التجمع لا أهمية له، بل بالحقيقة هو بمثابة منسق لعمل المنظمات لوجود الأهداف المشتركة. أما الانجاز فهو تثقيفي تنويري لا أكثر “فأنا لا أريد تضخيم الموضوع، لن نحقق شيئا دون تراخيص. لأن أي عمل هو بحاجة لتمويل، والتمويل يحتاج إلى ترخيص. ونحن عاهدنا أنفسنا كجمعيات تعمل لأجل المجتمع ألا نقبل تمويلا دون موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعدم وجود الدعم يعيق عملنا كجمعيات متفرقة وكتجمع. أما بالنسبة للإنجازات كالدراسات ومراكز الأبحاث ومآوي للنساء المعنفات وتشغيل النساء في مشاريع صغيرة وما إلى ذلك من أمور تساند النساء في مجتمعنا، لن نستطيع الوصول إليها دون دعم تراخيص وتمويل من الحكومة ومن المنظمات غير الحكومية العاملة في سورية. ونحن موجودون بالحدود المتاحة فقط”

وتحدثت السيدة (أسماء كفتارو) من منتدى السوريات الإسلامي عما تراه في التجمع بعد مرور عامين على تأسيسه فقالت: إن الانجازات التي قمنا بها لا يمكن تجاهلها، فقد قدمنا تقرير السيداو الموازي لتقرير الحكومة، وشاركنا لأوّل مرة كمنظمات غير حكومية من سورية في الذهاب الى نيويورك لمناقشة تقرير الحكومة وتقرير الظل المقدم من الجمعيات غير الحكومية. وقد قمنا بندوات ومحاضرات وقمنا بفعاليات مناهضة العنف ضد المرأة على سنتين متتاليتين. أهم ما يميز هذا التجمع هو الروح الجماعية والرغبة في المشاركة التي تشكل دعما معنويا، فنحن بحاجة لخبرات بعضنا الآن ودائما وما يدل على نجاح التجمع كفكرة هو رغبة جمعيات عديدة في الانضمام إلينا، لكن أعود وأؤكد على أهمية الترخيص، لأن عدم وجوده يكبّل حركتنا حتى على مستوى إجراء استبيان. لن نستطيع دون أن نكون مرخصين. فعملنا وطني وإنساني وهو يحتاج إلى سند ليقوى ويثمر. وما هذا السند سوى الترخيص للجمعيات الأهلية في سورية.

وترى السيدة (سوسن رسلان) عضو جمعية المبادرة الاجتماعية أن الانجازات التي تمت من سنتين الى الآن هي واضحة كانجاز مشروع قانون الجمعيات والعمل على البحث بسبل تعديل قانون الأحوال الشخصية ليكون عصريا وأكثر عدالة. وقد برزت أهمية التجمع من خلال اللقاء الذي أقمناه في غوته المركز الثقافي الألماني، حيث اجتمعنا مع الحكومة لمناقشة تقرير السيداو ووضع التوصيات المستقبلية لتنفيذ الاتفاقية، بالاضافة الى رغبة العديد من الجمعيات خارج دمشق وداخلها بالانضمام إلى التجمع، رغم موقف الوزارة الواضح ضد الجمعيات الأهلية. وبالنسبة للمبادرة الاجتماعية، فقد استهدفت من قبل الوزارة حيث حلّتها دون أية أسباب واضحة ما يعني ضرورة ايجاد قانون جمعيات ينظم العمل ويعطيه طابعا أكثر عدالة. وهذا التجمع لا يعني الانصهار معا، فلكل جمعية الهامش الخاص بها وتعاملنا مع بعضنا هو مساندة ودعم وتشاركية محددة وفق بيان التأسيس الذي تعاهدنا عليه.

هذه بعض من الآراء التي أكدت دور التجمع في المساندة والدعم، وأكدت أيضا أن يدا لوحدها لن تصفق. فالتجمع والجمعيات الأهلية ككل لن تستطيع انجاز أي عمل على أرض الواقع دون دعم من الحكومة والتشاركية معها. فهي الداعم الأساسي التي ستعطي العمل المجتمعي دوره وفقا لقوانين لا بد من سنّها كقانون جمعيات متطور وبالتالي إعطاء التراخيص للجمعيات لتعمل بالضوء.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق