تحالف الحضارات وانقسامات العالم! / السيد يسين

تحالف الحضارات وانقسامات العالم! / السيد يسين

نشأت مبادرة تحالف الحضارات باقتراح من ثاباتيرو وأردوغان وذلك أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والخمسين التي انعقدت عام 2005. وتهدف المبادرة إلى تفعيل التعاون الدولي لمواجهة التطرف من خلال إدارة حوار ثقافي يؤدي إلى تعاون دولي في هذا المجال. والمبادرة تركز تركيزاً شديداً على إذابة الخلافات والتوترات بين العالمين الغربي والإسلامي.

 

وفي هذا المجال لاحظ المراقبون أن سحباً ثقيلة من الشكوك تصاحبها موجات من الخوف وسوء الفهم ظهرت في آفاق العلاقات بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية. وقد زادت معدلات هذه الشكوك منذ بداية الألفية الجديدة. وأدت الشكوك المتبادلة إلى ظهور مناخ مواتٍ استثمره المتطرفون على نطاق العالم كله، وبرز ذلك من خلال أحداث الإرهاب التي ضربت مواقع متعددة سواء في العالم الإسلامي أو العالم الغربي.

 

 

ومن هنا استقر رأي عديد من القادة السياسيين على أن جهوداً لابد أن تبذل لإقامة جسور من التفاهم بين الجماعات العرقية والدينية في العالم لإرساء دعائم التسامح والفهم المتبادل في ضوء احترام القيم والمعتقدات التي تتبناها كل جماعة وذلك سعياً للقضاء على التطرف. ورأوا أن السبيل لتحقيق هذه الأهداف هي إقامة تحالف بين الحضارات.

 

 

وفي إطار ذلك أصدر كوفي عنان السكرتير العام السابق للأمم المتحدة قراراً بتشكيل لجنة من كبار الخبراء تضم عشرين شخصاً من الشخصيات العالمية المرموقة وفي مقدمتهم "خاتمي" وآخرون بعضهم من الحاصلين على جائزة نوبل وذلك لوضع تقرير عن أسس التحالف بين الحضارات.

 

 

وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعها الأول في إسبانيا في نوفمبر 2005 وتلاه بعد ذلك اجتماع في قطر من 25 إلى 27 فبراير 2006، والثالث انعقد في دكار عاصمة السنغال من 28 أبريل – 3 مايو 2006 والأخير في إسطنبول عام 2006.

 

 

ويعد التقرير النهائي للجنة وثيقة دولية بالغة الأهمية لأنه يعكس تحولات الفكر العالمي في العقود الأخيرة من صراع الحضارات إلى حوار الثقافات وصولاً إلى التحالف بين الحضارات.

 

 

والتقرير ينقسم إلى قسمين، ففي القسم الأول هناك تحليل للسياق العالمي وحالة العلاقات بين المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية. وانتهى القسم بمجموعة من التوصيات لصياغة عدد من السياسات مؤكداً أهمية اتخاذ خطوات سياسية معينة كخطوة تمهيدية للشروع في تطبيق هذه السياسات. أما القسم الثاني من التقرير فيعبر عن حقيقة أن التوترات بين الثقافات انتشرت أبعد من المستوى السياسي لتصل إلى قلوب وعقول الجماهير ذاتها.

 

 

ولمواجهة هذه الظاهرة السلبية ركز التقرير على أربعة موضوعات رئيسية هي التعليم والشباب والهجرة والإعلام، وانتهى باقتراح توصيات محددة تكفل سلامة تنفيذ السياسات المقترحة.

 

 

ومن السمات البارزة للتقرير أنه -من وجهة النظر الثقافية- وجه انتقادات حادة للجماعات السياسية والدينية التي يعتقد قادتها وأنصارها أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، مما يؤدي إلى عدم الاعتراف بعقائد الآخرين، وعدم الاعتداد بوجهات النظر المختلفة.

 

 

ولعل السؤال الذي ينبغي إثارته الآن هو: كيف رسم هذا التقرير الدولي المهم خريطة الانقسامات والصراعات في العالم المعاصر؟

 

 

ويلفت النظر أن القسم الأول منه تحدث عن أربعة موضوعات مهمة هي كيف يمكن إقامة جسور التعاون لتجاوز هذه الانقسامات والصراعات، وما هو السياق العالمي الذي نشأت فيه هذه الصراعات، وما هي الأبعاد السياسية السائدة، وكيف يمكن لتحالف الحضارات أن يواجه هذا الصراع الذي يمكن أن يهدد الأمن والاستقرار الدوليين؟

 

 

ولعل أول حقيقة يشير إليها التقرير هي أن العالم الراهن يبدو وكأنه فقد توازنه! وفيما يتعلق بالإدراكات السائدة عن حصاد القرن العشرين، يرصد وجود اتجاهين متعارضين. الاتجاه الأول يذهب إلى أن القرن الماضي قد حقق تقدماً لا سابقة له، وأدى إلى الرخاء وانتشار الحرية. أما الرأي المضاد فيذهب، على العكس، أنه كان القرن الذي ساده إخضاع الشعوب بواسطة الاستعمار، وعمليات اقتلاع جذور عديد من الجماعات العرقية والمجتمعات المحلية.

 

 

وبغض النظر عن حصاد القرن الماضي، فإن التقرير يرصد مجموعة من الحقائق تخص الحاضر العالمي، حيث يتبين أننا نعيش حقاً في عصر اللامساواة المتزايدة والتناقضات الظاهرة. والدليل على ذلك أن دخل الشعوب الأكثر غنى في العالم أكبر من الدخل الكلي لكل شعوب الدول النامية. ومن بين التناقضات أنه في الوقت الذي يحقق فيه الطب الحديث المعجزات في مجالات التشخيص والعلاج، فإن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شخص يموتون على مستوى العالم كل عام من أمراض كان يمكن علاجها لو توفرت الوسائل، ونعني بها المستشفيات والأجهزة وأطقم الأطباء.

 

 

وفي الوقت الذي تتراكم فيه المعرفة عن الفضاء الخارجي فإن 130 مليون طفل على مستوى العالم لا يجدون سبيلاً للانخراط في سلك التعليم الأساسي. ومن ناحية أخرى فإنه على رغم وجود عدد كبير من المعاهدات الدولية، فإن المجتمع الدولي يقف مكتوف اليدين إزاء الصراعات والحروب وإبادة الشعوب. وبالنسبة لعديد من الشعوب فإن ضمان الأمن الإنساني والافتقار إلى الحرية الحقيقية يبدو وكأنه سراب لا وجود له في الواقع.

 

 

ولعل من سمات عصرنا الراهن أيضاً أننا نعيش في عالم معقد حيث تسود الإدراكات المتناقضة، التي يزيد من حدتها الظلم وعدم المساواة، وهي عوامل تؤدي في العادة إلى العنف والصراع، مما يهدد الاستقرار العالمي.

 

 

ويشهد على ذلك أنه خلال السنوات الماضية، فإن الحروب وأعمال العنف قد أدت إلى توليد مشاعر الشك والخوف لدى شعوب متعددة، وأدت إلى صراعات حادة بين عدد من المجتمعات.

 

 

وقد حاول بعض القادة السياسيين وعدد من قطاعات الإعلام ومختلف الجماعات السياسية الراديكالية استغلال هذا المناخ العدائي لتقديم صور زائفة لعدد من الثقافات والمجتمعات، باعتبار أنها معادية للقيم الإنسانية، مما يمهد لتوجيه العداء لها، الذي يتخذ صوراً متعددة من الكراهية قد يصل إلى حد أن يكون الإرهاب مسألة سهلة.

 

 

ومن المؤسف حقاً أن الجدل العالمي حول نظرية صراع الحضارات التي أثارت عديداً من الأفكار العنصرية، قد أفسد الخطاب الثقافي العالمي الذي كان سائداً قبلها، والذي ركز من خلال الحوار على تشخيص الأزمات التي يمر بها العالم، واقتراح الحلول الفعالة لمواجهتها.

 

 

وأهمية هذه الحقيقة أن العلاقات بين الدول والأمم لم تكن كلها صراعات، بل إنها مرت بفترات إيجابية كان يدور فيها الحوار الإيجابي الخلاق سعياً وراء خلق مجتمع عالمي يسوده السلام. ولعل مصداق ذلك يبدو بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وتأسيس الأمم المتحدة التي مثلت حلم الإنسانية بعد الوقائع التي دارت في القرن العشرين في خلق عالم جديد شجاع.

 

 

ومن هنا يمكن القول إن مبادرة تحالف الحضارات تحاول وصل ما انقطع من حوار حضاري بين الأمم المختلفة والثقافات المتعددة وهذه المبادرة تحاول أن تؤسس لثقافة عالمية جديدة بناء على نموذج معرفي، يقوم على أساس الاحترام المتبادل لعقائد الشعوب، ولن يتحقق ذلك إلا بالتفاعل الثقافي واسع المدى الذي يسمح بمعرفة رؤى العالم السائدة في الثقافات المختلفة، وتقاليدها التراثية، وإنجازاتها المعاصرة.

 

 

ومن شأن هذه الحوارات التي ينبغي أن تمتد لتشمل الاطلاع على آداب وفنون الثقافات المختلفة أن تقف سدّاً منيعاً أمام النزاعات المتطرفة والموجات الإرهابية والتيارات العدمية التي تقدس الموت ولا تحترم الحياة، وترفع شعارات دينية زائفة تكشف عن رؤى مغلقة للحياة عاجزة عن التفاعل الإيجابي الخلاق مع حضارة العصر الزاخرة بالإنجازات الإنسانية المبهرة، والتي على رغم سلبية بعض جوانبها إلا أنه يمكن من خلال حوارات عالمية متعددة مواجهتها وتعظيم الإيجابيات التي تؤكد أن الإنسان قادر على حل مشكلاته، ولا نقصد الإنسان الغربي فقط ولكن الإنسان في كل مكان!

 

 

عن جريدة الاتحاد 20/5/2010

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق