تحت مظلّة سركون بولص

هذه القصيدة يهديها المنصف الوهايبي إلى الفقيد  محجوب  العياري. ولد هذا الشاعر في الثالث عشر من  أوت 1961  بمدينة ماطر التونسيّة. حصل على الأستاذية في التوثيق وعلوم المكتبات. أعماله : "تداعيات في الليلة الأخيرة قبل الرحيل"، تونس: دار الجويني للنشر، 1988، "حالات شتى لمدينة"، الطبعة الأولى، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990 (أعيدت طباعته سنة 1996 في سلسلة: مكتبة الأسرة)، "حرائق المساء… حرائق الصّباح". "الحمامات : بيت البحر المتوسط" ، 1993 ، "أقمار لسيدة الشجرات"، نابل : الصقر العالمية للدعاية والنشر، 1997 ، "القصائد الأولى"، نابل : الصقر العالمية للدعاية والنشر،1997. وترجمت له قصائد مختارة إلى الفرنسيّة.

توفي بنابل حيث يقيم  يوم 30 مارس إثر سكتتة قلبيّة. وكان عضواً باتّحاد الكتّاب التونسيين، ورئيسا لجمعية أحبّاء المكتبة والكتاب بنابل. متزوّج وله ثلاثة أبناء…

هذا الصباحَ نهضتُ، كان الـتـّمّ ُ يزدردُ الضبابَ على الفراتِ
وضفدعُ ُ يخضرّ ُ فوق حجارهِ
      وكأنّ شيئا لم يقعْ
لا جثّةٌ تطفو ولا سفنٌ تجيءُ

***
كان العراقيّون من منفًى إلى منفًى
وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها
نرى رجلا وحيداً واقفا تحت المطرْ!

***
فيما القطارُ يدبُّ في ضوضاءِ ما قبلَ الظهيرةْ
فكّرتُ في أنّ الحياةَ بطيئةٌ حقّا
كأوّل خطوةٍ في الرقصِ،
بل هي رقصةُ "البوليرُو"، أنّا بين تاريخينِ
نولدُ صُدفةً، ونموتُ أيضا صُدفةً،
ولربّما، يوما، نـَبَـتنا في جذوع الهندباءِ،
!وربّما في ساعة مجنونةٍ، يوما، بزَغـْـنَا في بنفسجِ زهرها
ـ كركوكُ تمطرُ عادةً في مثل هذا الوقتِ، زاراكوسُ يحـْـلجُ قطنهُ.
 وذكرتُ أنّي "قد نسيتُ مظلّتي"وأنا سأنزلُ في محطّتها الأخيرةْ

***


لم تنشرِ الأشجارُ غير ملاءة زرقاءَ ناصلةٍ
على أقدامها( هل تتّقي شمسا بهذا الظلِّ؟
ماذا قد أعدّتْ للشتاءِ إذنْ؟ براثنها؟)
هنا الأشجارُ سودٌ كالعراقيّاتِ عند الكاظميّةِ
يزدردنَ ظلالهنَّ (السرُّ في هذا الفراغِ الأنثويِِّ الجرحِ
وهو يرى إلينا عبر فـَتـْحـَـتِـهِ مثـلـّـثةِ الزوايا
في سراويلِ الحريرِ مفرّغاً ومخرّمًـا)
ويكادُ  في ضوءٍ يجيءُ ولا يجيءُ

***


كان العراقيّون من منفى إلى منفى
وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها
!نرى رجلا وحيداً واقفا تحت المطرْ

***


الأرضُ؟ لولا الجرحُ، هل كانتْ لتنبتَ كلَّ هذا الزهر ِ؟
!قلْ شكرًا لهذا الضوءِ
كان يرتّبُ الأشياءَ من بغدادَ حتى خانقينَ،
بريشةٍ وبريّةٍ:
أرضٌ حريثُ ُ بين أفخاذِ الهضابِ
تدجّنُ الأفُقَ السماويًّ.. الصنوبرُ وهو ينفضُ
في الصباحِ صقيعهُ( أعني دقيق زجاجه)
فيما الندى الفضيّ ُ ينصَل فوق نافذتي.

***


للّونِ رائحةُ القمامةِ ،في ازرقاق الشمسِ،
خلف مطاعم الباصات والسككِ الحديدِ،
 ولم يزلْ للناس أطعمة ُ الكلابِ،
!وللكلابِ برازهمْ
في بصرةِ السيّابِ يكفينا نبيذ ُ ُحامز ُ ُ،
عرقٌ بلونٍ سكّريٍّ،
!بيرةٌ كالبولِ في حان "ابن هرْمة َ".. هكذا سمّيتهُ
بل فُـلْكُ نوحٍ، غير أنّ نبيّها الملاّحَ لمْ يقـْـشِـرْ بها
وجهَ المياهِ عشيّةَ الطوفانٍ،
!لمْ يحملْ بني الحيوانِ فيها
كان مبْـولةً لصيّادينَ مخمورينَ ( نحـْـتـًا جاهزا ألقاهُ
حذوَ الماءِ مارسيل دو شامب)
يأتونَ في ليل الذئاب،ويجلسونَ  إلى موائدهمْ فـُرادَى
ينظرون
بأعينٍ بكماءْ
!متلبّسينَ بظلّهمْ؛ وكأنّهم يخشونَ أن يتكلّموا في نومهمْ
وطعامهم أو طُعمهمْ أفراخُ أسماكٍ مدخّنة ُ ُوكيسُ ملبّسٍ؛
حتّى إذا أغفى ابنُ هرْمةَ في الضبابِ،
ورفّ ماءُ النهر أبيضَ ثمّ أزرقَ ثمّ أبيضَ،
غادروا وكأنّهم يمشونَ في أبياتِ خمريّاتهِ،
ثملينَ في الضوءِ البُروجيِّ المدلّى فوق أرض "السندبادِ"،
كأنّ جزيرةً تطفو هناكَ،
!كأنّ أطلنطيدَ تنجمُ في حواشي الماءْ

***


كان العراقيّون من منفًى إلى منفًى
وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها
!نرى رجلا وحيداً واقفا تحت المطرْ

***


الفِلمُ ينضحُ ماءِ وردٍ( عاطفيّا كانَ) حيثُ الحبّ
ينشبُ صدفةً،ويقول من وَلهٍ:" أحبّكِ"،
" من شبّاكه، !مثلما جارٌ يقول لنا صباحًا :" يا صباحَ الخيرِ
أو مثلما قالت لهُ: " كركوكُ تمطرُ عادةً في مثل هذا الوقتِ.. زاراكوسُ يحلجُ قطنهُ".
ثلْـمُ ُ كخيطٍ  كان يفصل بين نهديها،
كأنّ عليه من زغبِ الطيورِ دقيقـَـهُ
ـ لك أنتِ وجه البابليّةِ يا صبيّة ُ.. نلتقي في الليل تحت مظلّة الدّرْدَارِ؟
وردٌ من أريحا ناضرٌ في كفّ مريمَ..
ربّما يوما تشاركهُ "بَرَنـْـشًا" باردا، لفطوره وغدائهِ
 ولربّما يوما تصدّق ما سيحكي
عن قطارٍ لا يجيءُ

***


! شكرًا لهذا الضوءِ
علّمني إذنْ أن أجعلَ المرئيَّ مرئيّا،
وعلّمني أراني في استغاثةِ زهرة التوليبِ في أصصٍ من الفـَـخّار،
تدعوني لأنزح ماءها،
وأقولَ لي:" لمْ يبقَ فيكَ سوى القليلِ،وإنّهُ مثل القليلِ يُـقاسُ"
علّمني أرى مطرا من البرقوق منهمرا على الغاباتِ،
علّمني أراني في هواءٍ أردوازيّ يلفّ سماءها،
أحجارهُ ارتفعتْ عموديّا،
وعلّمني أحبّكِ يا دُراقنةً بجلدٍ مُـخـْـمليٍّ في سريري،
يا تفتّحَ لوزةٍ لبنيّةٍ زغباءْ

***


شكرا لهذا الضوءِ رافقني الظهيرةَ كلّها
لأقولَ كان الثلجُ فوق جبالِ زاراكوسَ
مثل صفائحِ الفولاذِ، والغربانُ صارتْ
بهلواناتِ الحبالِ؛ ولي هنا لغةٌ لخاصرةِ الجبالِ
تدورُ من جهةٍ إلى أخرى بنا.. الغربانُ تسألُ
" أيّهمْ قد ماتَ هذا اليومَ؟"
ـ منفيّونَ روسٌ، لم يموتوا بعدُ،
هم يترصّدونَ بياضَ فجرٍ في المنافي، لا يجيءُ

***


كان  العراقيّون من منفًى إلى منفًى
وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها
نرى رجلا وحيداً واقفا تحت المطرْ

***


للثلجِ رائحةُ الحريقِ وطعمهُ
حبّاتهُ انتفختْ بصامتِ مائها
والأرضُ ماء ُ ُ،
فلْنسِلْ فيها إلى هذا العراقِ
(خرائطيّوهُ كمنْ أحنى يقلّبُ في الظلامِ
كتابَ رملٍ حيثُ أسماكٌ مجنّحةٌ تطيرُ
كمنْ يديرُ الأرضَ من جهةٍ إلى أخرى
ليوقفها على مدنِ الشتاتِ البابليِّ)
ونحن نركضُ، غير أنّ الماءَ يسبقنا إليهِ
وهو ينأى كلّما ساختْ خطانا
لا نجيءُ  ولا يجيءُ

***


  شكرًا لهذا الضوءِ
 يمرقُ سهمهُ
في الطميِ أبعدَ ثمّ أبعدَ
(في الفراتِ أكونُ حيًّا ساكنًا عند احتضاري
كالنخيلِ، وأنتحي في الموتِ، كالأسماكِ
هادئَ مائه،
وأسرُّ للأمواتِ : يا ماشينَ فوق الأرضِ
ناموا جيّدا كي تحلموا)

***


وبكلّ هذا الزهرِ همْ حلموا لهُ
وصحا ليقضمَ زهرتينْ
حلموا له بيدينِ مثل يديْ أبي، فلاّحتينْ
حلموا بأكثرَ من يَديـْنِ،لهُ، ومن شفتينْ

***


كان  العراقيّون من منفًى إلى منفًى
وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها
هناك مظلّة مكسورة ُ ُ،
 !وعليكَ أن تجد الذي قد كان أشـْـرَعَها،فإنْ…
فعليكَ أن تجد اليــدَا
لتكون أشبهَ بالصّدى.

 من كتاب شعريّ غير منشور "العراقيّون أو أبناء قوس قزح."

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This