تحديات الإصلاح… والكلام المباح! / أحمد عبد الملك

كنت رئيس تحرير لجريدة ناطقة بالإنجليزية عام 1990، وكان يعمل معي زميل عربي يأتيني بأفكار يومية لكتابة "رأي الجريدة". وما أن يدخل عليَّ، ويحك شعيرات معدودات فوق رأسه، حتى أدرك أنه لا توجد لديه أية فكرة جديدة للرأي. ويبادرني: يا زلمه.. ما في حوادث.. شو رأيك نكتب عن إسرائيل؟! أبتسم وأقول له: توكل على الله. ونبدأ في كتابة "الرأي". ذلك أن ذمَّ إسرائيل مهما تكلف من كلمات لا يلفت نظر الرقيب، ولا يعاقب عليه القانون. ولا يختلف عليه اثنان في العالم العربي. وهو ضمن التوجه العام للإعلام العربي. وهكذا كنا نفلت من مأزق عدم وجود عمود "الرأي" في الجريدة ونضمن عدم المساءلة فيما لو أتينا بموضوع شائك.

 

واليوم نقرأ لبعض كُتابنا العرب "الكبار" مواضيع تنتقد الولايات المتحدة ورؤساءها المتعاقبين، وتفند أخطاءهم ومواقفهم تجاه العالم العربي. ولا نجد لا رقيب الحكومة ولا رقيب رئيس التحرير يتدخلان في مثل هذه الكتابات. ذلك أن موضوع نقد الولايات المتحدة و"شرشحة" رؤسائها لا يدق جرس إنذار الحكومات أو رئيس التحرير على اعتبار دعم مناهضة الأعمال الخاطئة التي تقوم بها الولايات المتحدة، بل ووجود أمثلة "فشل" للسياسات الخارجية التي تؤثر على دافعي الضرائب في داخل الولايات المتحدة نفسها.

 

وحتى لا يفهمنا خطأ بعضُ المتسرعين في الأحكام، الذين يتخفون وراء أسماء مستعارة في المواقع الإلكترونية، فإننا هنا لسنا ضد مسلك الصحافة العربية والكُتاب العرب في نقد الولايات المتحدة -وهي ليست فوق النقد- ولا نقد رؤسائها الذين هم أيضاً ليسوا فوق النقد، بل إننا ندين كل الممارسات التي تجترئ على حقوق الشعوب في ممارسة تقرير مصيرها، وضد أي تدخل في شؤون الدول ذات السيادة مهما كانت الذرائع.

 

ولكن ما يهمنا هنا هو أن هؤلاء الكُتاب "الكبار" إذ يعتمدون على "سماحة" الولايات المتحدة وحرية الرأي فيها، ومن قبل الأميركيين أنفسهم، فإنهم لا يجرؤون على نقد أي نظام عربي، مهما كان فاسداً.

 

وللتذكير فقط، ففي العالم العربي توجد حكومات أضرت اقتصادات بلدانها، بل وحطمت البنى التحتية التي كانت موجودة أيام الاستعمار! واختلافات عجزت كل القمم العربية عن حلها، وكل ذلك ليس بسبب الشعوب العربية التي ترنو للحرية والوحدة العربية وصلابة الموقف العربي، بل بسبب بعض الحكومات وارتباطاتها بالغرب.

 

في العالم العربي توجد ثروات رهيبة، ومصادر للطاقة وأراضٍ صالحة للزراعة وقوى بشرية كبيرة، ولكن لا توجد صناعة ولا زراعة ولا رؤية واضحة حول توظيف تلك الثروة، بل ولا محاسبة حول كيفية صرفها.

 

في العالم العربي توجد بطالة، وسوء إدارة، وفساد في الأروقة الحكومية، تماماً كما يوجد التخلف والإرهاب والقبلية ومحاولات انفصال الطوائف الإثنية عن الوطن الأم، بل وتوجد أحزاب تنتمي للطائفة لا للوطن.

 

في العالم العربي توجد مجاملات وقوة الحزب الحاكم واستخدام القوة ضد أي محاولة لقول الرأي الآخر! تماماً كما يوجد قمع للكلمة في الإعلام الرسمي، الذي دوماً هو الأصح وهو الأعقل وهو الذي "لا ينطق عن الهوى"!

 

في العالم العربي تهرب الكفاءات من بيوتها، وتتلقفها دور الخبرة الغربية أو الأميركية، بل وقد يأتي العربي مكرماً معززاً وبراتب مغرٍ عندما يحمل الجنسية الأميركية أو الأوروبية، بعد أن كان "يتمرمط" في بلد الشتات العربي. أو يُقصى المواطنون عن ممارسة حقوقهم الأساسية حسبما تنص عليه الدساتير.

 

في العالم العربي جماعات كبيرة ما زالت تسعى لتقرير المصير، وعلى أشكال متنوعة، كالطوائف أو "البدون"… إلخ! وهي فئات مهمشة ولا تمارس حقوقها الأساسية.

 

فلماذا يُحجم الكُتاب العرب "الكبار" عن كشف هذه الممارسات غير الإنسانية لبعض الأنظمة؟! تماماً كما يحلو لهم كشف ممارسات رؤساء أميركا أو إداراتها المتعاقبة! هذا هو لب الموضوع الذي نود أن نركز عليه، وحتى لا يلتبس على المسكونين بـ"نوستالجيا" القومية أو الوحدة العربية الزائفة أو الكرامة التي انحرموا منها منذ قيام الدولة العربية. لماذا لا يكشفون للقراء الكرام حقائق بعض الأنظمة التي لم تقدم لأبناء شعوبها ما يستحقونه من عيش رغيد، وحياة آمنة، واقتصاد مريح؟!

 

ولماذا لا يكتبون عن المظالم التي قد تقع على بعض المواطنين الذين يقولون رأيهم بالقلم وهو أضعف الإيمان! وإن خالف رأي السلطة؟ ولماذا لا يساءل الحاكم عن أسباب التخلف الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، على رغم بقائه في الحكم لفترات طويلة؟ ولماذا لا يكتبون عن الوعود المتتالية التي "يخدر" بها الشعب لعشرات السنين دون أن يتحقق منها أي شيء؟

 

ولماذا لا يكتبون عن انهيار المؤسسات أو الروتين الحكومي القاتل في زمن التكنولوجيا المتطورة؟ أو عن التشريعات التي تخالف الدساتير في إرساء الطبقية بين أبناء الشعب الواحد، أو تلك التي تتنافى مع المواثيق الدولية.

 

ولماذا لا ينتقدون الحكومة التي لا تستطيع أن تبسط سيطرتها وأمنها على كامل التراب الوطني؟ وتدع العمليات التي تبث الذعر والقتل في أوساط الآمنين؛ وقد تؤلب المجتمع الدولي على الشعب المسكين الذي لا حول له ولا قوة، وتجعله محروماً من السفر أو مُطارداً في المطارات الأوروبية أو الأميركية! وماذا عن الزج بالمعارضين في السجون! هل سمعتهم عن معارض أوروبي أو أميركي زُجّ به في السجن؟!

 

أليس في كل هذه المواضيع ما يصلح كفكرة لكُتابنا "الكبار" كي يكتبوا عنها، بدلاً من إغراقنا في بكائيات حول تصرفات أميركا ورؤسائها؟!

 

إنها العاطفة والخوف معاً! نعم. العاطفة التي يعزف البعض على وترها المرتخي كي يترنح الجميع! والخوف من زوال النعمة، بسبب "الجرجرة" في متاهات الظلام.

 

إننا نعتقد أن الكتابة عن الأوضاع العربية أشرف بكثير من نقد الولايات المتحدة أو رؤسائها! لأن أميركا لا تهتم ولا تنزعج من الرأي أو النقد مهما كان جريئاً! ونحن منذ ستين عاماً نوجه الكلام اللاذع والقوي والمُهين لإسرائيل، لكننا لم نكسب أي شبر من أراضينا المُغتصبة! وتلك التي نص عليها القرار 242، اللهم إلا باتفاقيات فرضتها القوة وكسبها النظام الذي يرحب بالنقد.

 

هذا هو الفرق بيننا وبينهم. هم بالنسبة لنا "مشاع وغير محظور" كي نقول فيهم ما نشاء! ولكن أن نقول كلمة حق لمن هم بين ظهرانينا فتلك جريمة يعاقب عليها القانون.

 

عن جريدة التتحاد الإماراتية 30/12/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق