تحرير الحريّة

يصعب أن ترد على البال فكرة الحرية دون أن يرافقها شعور ببعض مرارة وشيء من الاضطراب. فهي الانتصار المعلن أبدا، وهي الهزيمة المعادة دوما، وحكايتها تضرب بعيدا في الزمن لتنشأ مع الإنسان ذاته. وتعود هذه المفارقة من جهة أولى إلى كون الحريّة لا بدّ منها للسّير قُدما، وإيجاد المقدرة على التفكير بل حتى مجرّد استلهام الأمل وتحدّي قوى الطبيعة والمجتمع التي تكبّلنا، والتقدّم في مجالات الفكر والعلوم والأخلاق والسياسة وكلّ ما يمتّ إلى الارتقاء بالمرتبة البشرية، ومن جهة ثانية إلى أنّ الإنسان ما هو سوى وليد القيود التي تُصنع منها عبوديته.

إنّ الحرية في بعدها الأقصى كدلالة على انعدام المعوقات، تفترض أنّ الكائن الحيّ موجود خارج كلّ القيود، وهو ما لا ينطبق طبعا على الإنسان. وبهذا المعنى فإنّ تاريخ الحرية هو تاريخ استحالة. ولم يحدث لأيّ فكر أو فلسفة جديّة أن طرحا على نفسيهما تناول مسألة الحريّة من هذا المنظور وإلاّ لاصطدما حتما بعاملين اثنين يقيّدان الإنسان بصفته مخلوقا.

العامل الأوّل يتمثّل في قيد الزّمن. فإذا ما اعتبر الإنسان نفسه قادرا على السيطرة على زمنه الحاضر، علما بأنّ الحاضر رهن الماضي الذي يكيّفه بالضرورة، وأنّه لا سبيل إلى السيطرة على هذا الماضي الذي انفلت نهائيا، فلا مناص إذن من التسليم بأنّ الإنسان غير قادر على أن يكون سيّد نفسه ومصيره.

والعامل الثاني يتمثّل في قيد الطبيعة، المرتبطة بدورها بقيد الزّمن. وبما أنّ الإنسان ليس سوى عنصر من عناصر الطبيعة، إذ هو، كما قيل، “من تراب وإلى التّراب يعود”، يولد وينتهي ويندثر حسب ما تقتضيه القوانين الثابتة للجنس البشري ووفق ما تقتضيه قوانين الطبيعة، فأيّ حريّة ممكنة لكائنات لا أمل لها سوى منح الحياة لكائنات محكومة بالفناء، ولا رجاء لها سوى إعادة الإنتاج المتواصل أبدا لدورة الحياة والموت؟

فهل يكون الإنسان ابتدع فكرة الحرية السماوية في محاولة منه لمواجهة مأساته الأصلية ؟

يجوز أن يكون الأمر من هذا القبيل، لكنّ المدهش في الأمر أن الإنسان ما فتئ، على مدى مسيرته الطويلة في الوجود، يستعيض عن هذه الحريّة المطلقة التي حُرم منها، بتحويل شروطها إلى السماء. فنسبة هامّة من البشرية المنتمية إلى الدّيانات السماوية قد فهمت سرّ وجودها باسم هذه الحريّة المطلقة التي يُنظر إليها على أنّها مرتبة مطلقة مستحيلة البلوغ، وأنّها تفسّر المرتبة البشرية ذاتها وتبرّرها.

هكذا تمّ تناول الحرية كمسألة تنتمي إلى دائرة ما وراء العالم، وهو ما أفضى بالإنسان إلى صناعة آليات تبعيته واستعباده. ثمّ جاء التقدّم العلمي والفلسفي، لاحقا، ليلغي هذه التبعية. فالحداثة تمثّلت، تحديدا، في استعادة الحريّة المفقودة ضمن الحدود الملازمة لطبيعة البشر.

ومن هنا سنحاول رسم الخطوط الكبرى لهذا العرض.

في مرحلة أولى، سنرى كيف نظّر الفكر البشريّ لمسألة الحرية مدرجا إيّاها فيما وراء العالم، ثمّ نتعرّض إلى الكيفية التي انتظمت بها آليات استلاب الإنسان. ونتناول في الأخير السبل التي مكنت من استعادة جزء من هذه الحريّة لتسخيرها لفائدة الإنسان.

{{- إدراج فكرة الحرية في مجال الماورائي}}:

لأجل قبول مفهوم الحرية ذاته وإدراجه في حيز الممكن، كان لا بدّ من استبعاد كلّ ما يجعل من الحرية أمرا مستحيلا ضمن التجربة البشرية، فوقع نقل الحرية الدّنيوية المستحيلة إلى مجال السّماء أي إلى الحرية السماوية. وتحوّلت اللاديمومة إلى مطلق، والزّوال إلى أبديّة والفناء إلى خلود، ونُصّب على الكون كائن من خارج العالم ومن خارج الزّمن أيضا. لا قبل له ولا بعد له، واحد صمد، مالك الملك، هو اللّه الأحد. وهو العقل الأوّل الذي منه تنحدر العقول الدّنيا من ملائكة وجانّ وبشر، وإليه يعود نظام الكون وتناسقه. وإلاّ فكيف تستوي كلّ هذه الأشياء لولا مشيئة اللّه وإرادته ؟ أوَ ليس كلّ شيء من خلقه بما في ذلك الشرّ في الوجود؟ هذا الشرّ الذي أرهق طويلا الفكر الدّيني فجاءت الأجوبة بأنّ الخالق لا يدين في شيء إلى التصوّرات والأنماط الأخلاقية البشرية، وليس له أن يستدرّ محبّة البشر ولا أن ينزل إلى مستوى قيمهم وتمثّلاتهم، بل على الإنسان وحده أن يبرهن بأعماله على محبّة اللّه.
فاللّه حرّ بهذا المعنى. بل هو الحرية الوحيدة الممكنة والتي تجعل بقية الأشياء قابلة للتصوّر(1). وقتها تسقط فرضية الخيار أمام الإنسان.

وإذا ما سلّمنا بفكرة الإله، فإنّه من التناقض الاعتقاد بالتخيير كما ذهب إليه البيلاجيون (أتباع الهرطقة البيلاجية في الكنيسة الكاثوليكية) أو المعتزلة. فالبيلاجيون يقولون باستطاعة الإنسان الاختيار بين الأضداد كالخير والشرّ نظرا لتمتّعه بالعقل وقدرته على التمييز. والعقل الذي يؤهّل الإنسان إلى معرفة الربّ وعدالته هو نفسه الذي يمنح الإنسان مصدر حريته، بما في ذلك حرية هتك القانون الإلهي. فالحرية تنظّم العلاقات بين البشر بعضهم البعض بقدر ما تنظّم العلاقة بينهم وبين اللّه وهو ما ينفي وزر الخطيئة الأصلية.

أمّا المعتزلة فقد ردّوا على القولة القدرية للجبريين بأنّ الحريّة ترجع إلى عدل اللّه من جهة وإلى العقل البشري من جهة أخرى. وهنا يكمن مصدر حرية الاختيار أي التمييز بين الأضداد. فنحوا في ذلك منحى البيلاجيين، إذ دون هذه الحرية تنتفي صفة العدل عن اللّه، ويصبح اليوم الآخر ضربا من العبثية. إلاّ أنّ اللّه قد كتب على نفسه الرحمة(2)، ومن شأن عقلانيته الإلهية وعدالته أن يجعلا من حرية الإنسان ضرورة حتمية.

ونحن نعلم كم تعرّضت مقولات البلاجيين إلى المقاومة من قبل القدّيس أغوستينيوس الذي جهد في اعتبارها هرطقة، وسعى إلى فصل أصحابها عن الكنيسة. ونفس المصير عرفه المعتزلة الذين قاومهم الأشاعرة وهزموهم. والأشعريون زعموا انتهاج آراء وسطية بين الجبر والاستطاعة باسم نظرية الكسب. فهذه النظرية تقول بأنّ أفعال العباد خلقها للّه فكسبها الإنسان. وقد كشف الفيلسوف ابن رشد في كتاب “الأدلّة” ضعف النظرية الأشعرية باعتبارها نوعا من الجبرية المقنّعة، كما بيّن مكمن التناقض في نظرية الاختيار لدى المعتزلة لكونها لا تستقيم فلسفيا للأسباب المبينة آنفا. فالزّمن والطبيعة المحكومان بقوانين السببية يناقضان فكرة الحرية الإنسانية.
وقد اعتبر بعض الفلاسفة من فيوربارخ إلى فرويد، مرورا بكارل ماركس ونيتشه، أنّ المنظومة الفكرية الدينية إنّما شيّدت على هذا النحو لتستجيب إلى حاجة البشر في قبول ظروف حياتهم وتبرير البؤس الذي يعيشونه. فقد كتب فيورباخ في “البيانات الفلسفية” بأنّ “الإنسان يضفي على الربّ ما ينكره على نفسه”، كما ذكر في “تأمّلات عن الموت والخلود” أنّ “الأشخاص لا يعترفون بربّ فوقهم سوى لأجل الامتلاك، من خلاله، لفضاء لا متناه يخوّل لهم توسيع وتمديد فردانيتهم البائسة”.

وهل من تلميذ في الأقسام النهائية لم يحفظ عن ظهر قلب مقولة ماركس عن أنّ “الدين إنما هو زفرة الخليقة المضطهدة، ونبض العالم العديم القلب مثلما هو روح النظم الاجتماعية المفتقدة الروح. إنّه أفيون الشعب” (كارل ماركس / 1818-1883 / بالاشتراك مع إنجلز في نقد “فلسفة القانون” لهيجيل، 1844).

كما كتب فرويد في القسم III من “مستقبل وهم”: “هكذا يتكوّن كنز من الأفكار، ينشأ من الحاجة إلى جعل البؤس الإنساني قابلا للتحمّل، يُشيَّد من ذاكرة البؤس والشقاء الذي عاناه الإنسان في طفولته كفرد أو تلك العائدة إلى طفولة البشرية. وإنّه لمن السّهل الوقوف على هذه المكتسبات حيث يشعر الإنسان بنفسه محميا من الجهتين : جهة الحماية ضدّ مخاطر الطبيعة والقدر، وجهة الحماية ضدّ المصائب النّازلة عليه من قبل المجتمع الإنساني”.

ففكرة الربّ كنوع من تلطيف بؤسنا تبدو معقولة، رغم أنّه يمكن النّظر إلى الموضوع من زاوية أخرى كما ذهب إلى ذلك فيورباخ عندما يؤكّد على أن الربّ، هذه الرّوح اللامتناهية، ليس في آخر المطاف سوى “الذّكاء أو الإدراك المتخلّص من حدود الفردانية والذّات الجسدية corporéité … فهو الذّكاء مكتفيا بذاته”. وبمعنى آخر فهو ليس سوى “الماهية الموضوعية لملكة الإدراك …التي يعي من خلالها الإنسان العقل والرّوح والذّكاء”. فالربّ هو الدرجة الأعلى لملكة التفكير. وبلغة أبسط يمكن القول بأنّ الربّ هو تضخيم للإنسان أو نوع من التسامي sublimation. فمشكلة الديانات السماوية، تحديدا، هي كونها شخّصت فكرة الربّ. وهذا التّشخيص بالذّات هو ما أسميناه، آنفا، تنظيم آليات تبعيتنا بحيث أنّ منطق الحرية المطلقة يؤدّي بالضرورة إلى منطق الاستلاب.
لنعد إلى الأشاعرة لتبيان ذلك : الحرية المشخّصة تفضي إلى سيادة متحرّرة من كلّ القيود، وغير خاضعة لأدنى شرط أو تعليل. وكلّ ما من شأنه أن يحدّ من هذه السيادة فهو مرفوض. لهذا السبب لا وجود في الكون لأيّ قانون طبيعيّ أو مبدأ سببيّة.

فأبو الحسن الأشعري يؤكّد في كتاب الإبانة(3) أنّ إرادة الإنسان وأفعاله مشروطة مطلقا بإرادة اللّه. فلا عمل للإنسان لا يعلمه اللّه علم اليقين سلفا. وما من شيء إلاّ ونزل بقضاء وقدر، والقضاء والقدر هما اللفظان الدّالان على جميع الأشياء وخاصّة منها الحياة والموت. فما نسمّيه قوانين الكون الطبيعية التي يمكن التعبير عنها من خلال الرياضيات والعلوم الصحيحة ليست، في رأي الأشاعرة، سوى مقاطع أو مقاسم منعزلة من الإرادة الإلهية. كذلك شاء ربّك وكان بوسعه أن تسير الأمور على غير ذلك. فشعلة النار إذا ما التقت بقطعة القطن لا تولّد نارا بحكم الضرورة بل بحكم الاحتمالية (التجويز). فلا وجود ليقين مترتّب عن مبدأ السببية كما يؤكّد ذلك الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” حيث يرى أنّ الإنسان مسيّر سلفا وأنّ عقله ليس سوى ملكة محدودة الفهم، فماهية الأشياء لا يمكن النّفاذ لها بالعقل، ولا يمكن للعقل وحده أن يؤسّس للأخلاق والقانون.

الإنسان إذن مرتبط بالهدي الربّاني الذي يمنحه إيّاه الوحي. لذا وجب اتباع الوحي وطاعة تعاليمه تجنبا لبئس المصير. فالقانون الإلهي وحده هو المؤسس للحقّ والعدل. والحقّ هو ما أمر اللّه به أمّا الباطل فهو ما نهى عنه أو حرّمه. فلا وجود لعدالة طبيعية أو موضوعية، فالكذب مثلا، إذا لو اعتبر حقّا وأمرا حسنا في القانون الإلهي فلكان كذلك. ولنا أن نتصوّر تبعات انتشار هذه الفلسفة بين العموم إذ ستتحوّل معها الحتمية إلى قضاء وقدر.

{{II- في تنظيم الاستلاب:}}

لو بادرنا بالقيام ببحوث ميدانية في جميع الحضارات أيّا كان شكلها، لعثرنا على هذا القاسم المشترك المتمثّل في تنظيم الاستلاب، الذي يبرز سواء في مظهر الدّين بدون آلهة، أو في مظهر الحكمة أو الميتافيزيقيا أو الميثولوجيا. وسأقتصر، أساسا، على الإسلام كمظهر لي به صلة أقرب. ولكن قبل ذلك أودّ التأكيد على ثقل المعتقدات العميقة على مصير الأفراد والشّعوب. فبقدر ما إنّ التبعية معطى اجتماعي يمكن تحليله وفق مناهج التاريخ، والاقتصاد، وعلم الاجتماع أو الأنتروبولوجيا، يكون أساسيا إيلاء هذا الوجه من الثقافة، الذي يتجلّى من خلال القناعة الذاتية الفردية أو الجماعية، حقّ قدره وإعطاؤه الوزن الذي يستحقّ، لا سيّما إنّ الواقع اليومي ما انفكّ يقيم الدّليل على مكانة هذا المعطى. فالاستلاب هو ذهنية مدنية، وهو نظرة علمية، وفي الآن ذاته الاثنان معا.

كلّ شيء يبدأ، إذن، مع التبعية الأنطولوجية ويتواصل مع نظرية الأمّة والسلطان ونظرية العنف، وينتهي بنظرية التشريع.

{{أ- التبعية الأنطولوجية للفرد والمجتمع:}}

على المستوى الأنطولوجي، يتصوّر المؤمن نفسه، بالأساس، كائنا في حالة انتظار الخلود. وما الحياة الدّنيا سوى سقطة أو فجوة بين عالمي خلود : عالم الربّ وعالم الجنة السماوية حيث يلتقي الإنسان ثانية مع اللّه في خلود جديد. والحياة الدّنيا ليست سوى مرحلة مؤقّتة أرادها الخالق ليُمتحن فيها المرء.

ويتجلّى الاستلاب هنا في مظاهر ثلاثة. أوّلا: انتظار الإنسان لكلمة الحقّ التي تنزل وحيا على الأنبياء. ثانيا: أن يظلّ الإنسان في خشية اللّه وهو يرتجي حضور اللّه في التّاريخ. فالعدالة الإلهية تجزي الأفعال خيرا أو شرّا، وللقوم الصالحين جزاء الخير بينما للظالمين منهم غضب اللّه. ثالثا : يطمح الإنسان قبل كلّ شيء إلى الحياة الحقيقية الموعودة لأهل البرّ، وهو ما يهوّن الحياة الدنيا ويساعد على تحمّلها بوصفها فانية وأقلّ مرتبة.

هذه النظرة إلى الحياة بكونها شبه تافهة يترتّب عنها التعامل معها وكأنّها لا تستحقّ انخراطا كاملا فيها ولا توظيفا مطلقا للذّات البشرية في خدمة المصالح الدّنيا التي تظلّ، في كلّ الأحوال، نسبيّة وعارضة وزائلة. وسيكون لهذا التصوّر تبعاته التي لا تحصى ولا تعدّ في المجالات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية. وهي تبعات ستكيّف حتما مفاهيمنا للسلطة، وللعمل، والمعرفة، والعلاقات الاجتماعية، ولتقديرنا للوقت الزّمني.

كما أنّ هذا التصوّر يولّد تمثّلا للمجتمع يمكن تسميته بـ”الفيديوقراطي” بمعنى المجتمع الذي تقوم العلاقة فيه بين أفراده على قاسم الإيمان وليس على قاسم المواطنة. فمفهوم “الأمّة” مفهوم لاهوتي وسياسي يحيل إلى مجتمع مؤمنين أكثر ممّا يحيل إلى مجتمع مواطنين( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، سورة الأنبياء – الآية 92. يعني ذلك أنّ الرّابطة الإيمانية تؤدّي إلى مفهوم للرابطة الاجتماعية قوامه الاشتراك في الإيمان والانتماء الدّيني. ويعني أيضا أنّ الجماعة تبيح لنفسها الحقّ في فرض ضوابط الولاء والتآزر باسم هذا الانتماء. فالمجتمع الإيماني (الفيديوقراطي) يقوم على رابطة الأخوّة كما وردت في النصّ القرآني : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ ترْحَمُونَ) سورة الحجرات – الآية 10. ومثل هذه الرابطة تمنح للجماعة الحقّ في فرض الوفاء والإخلاص على أفرادها الإخوة وهو ما يفسّر، من جملة ما يفسّر، أحكام الردّة وأحكام أهل الذمّة الخاصّة بالأقليات الدينية في أرض الإسلام.

ب- نظرية العنف:

إنّ العلاقة بين اللّه والإنسان قد أقيمت على نموذج المبدأ الجزائي السّاري في العالم بأسره : فكلّ جنوح أو فعل مخالف للقانون، سواء كان هذا القانون مكتوبا أو غير مكتوب، أو كان عرفيا أو وضعيا، أو مترتبا عن تعاليم وأحكام القدامى أو عن إرادة الأحياء، يستوجب عقابا. فاللّه والإنسان يلتقيان في هذه النقطة. اللّه أنزل كتابا أقام فيه الميزان ليفرّق بين الحقّ والباطل، ووعد بالحديد رمزا لشرعية العنف. فقد ورد في سورة الحديد – الآية 25 : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).

وبين تأويلات العلوم الدينية ومقتضيات السياسة تحوّل حديد القرآن إلى سيف الدّولة، وهو ما أفضى إلى بناء الأساس الذي إليه تستند نظرية العنف الشرعي كما تجلّى ذلك صراحة في كتاب ابن تيميّة “السياسة الشرعيّة في إصلاح الرّاعي والرّعية”. فالعنف، إذن، مفهوم لاهوتي وسياسي مركزي. وثمّة في هذا المجال تماثل بين العقل السياسي والعقل أو المنطق اللاّهوتي. فهما يشتركان، في مستوى أوّل، في ضرورة فرض نظامي الكون والمدينة باسم السلطة الإلهية. ومن هذا المنطلق ميّز علماء الدين بين العنف المكروه الصّادر عن الإنسان والهادف إلى الإطاحة، عن طريق العنف والأذية، بالنظام الذي أرساه الإله، وبين العنف الممدوح الهادف إلى إعادة النّظام الذي خلخله الإنسان. من هذه الزاوية يجوز الحديث عن واجب العنف الذي يُمارس في أشكاله الشرعية المعروفة في أرض الإسلام كالجهاد وإقامة الحدود وممارسة التعزيز.

نحن إذن أمام دورة متواصلة من فرض النظام، ثمّ زعزعته ثمّ استتبابه من جديد.

نظرية العنف هذه تترافق مع نظرية الحاكمية أو السيادة. فالسيادة تكون مطلقة عندما يتعلّق الأمر بسلطة الخالق، وهي منعدمة تماما كلّما تعلّق الأمر بالبشر. والسيادة تستدعي تواجد ثلاثة أطراف على الحلبة : اللّه بوصفه المنظّم المطلق ؛ والقائد السياسي الموكول إليه الحفاظ على النظام العامّ وحمايته، وهو لا يقاضى سوى أمام اللّه وحده ؛ والكائن البشري الخاضع إلى القانون الإلهي وسلطة القائد السياسي في نفس الوقت، والقابل للمقاضاة من هذا وذاك والمطالب بطاعتهما معا. وقد شدّدت الآية 26 من سورة آل عمران على فكرة السيادة الإلهية حيث ورد : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(.

أمّا القائد السياسي فهو مكلّف بتطبيق القوانين الإلهية على أن يحكم وفق ما يمليه عليه ضميره. وسيصبح القائد، في الفكر الدينيّ السّياسيّ السائد، المحور الذي يدور حوله نظام العالم، حسب تعبير ابن عبد ربّه الأندلسي في موسوعته الشهيرة “العقد الفريد” حيث ورد : “السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدنيا؛ وهو حمى الله في بلاده، وظلّه الممدود على عباده؛ به يمتنع حريمهم، وينتصر مظلومهم، وينقمع ظالمهم، ويأمن خائفهم (…) ولما يزع الله بالسلطان أكثر ما يزع بالقرآن”. العقد الفريد، الجزء الأوّل، “كتاب اللّؤلؤة في السّلطان”.

فالسلطان هبة من اللّه، والاستنتاج النهائي من هذه القطعة الأدبية الرائعة أن الشّخص الذي يمسك بالسّلطان يتحوّل إلى “ظلّ اللّه في الأرض” وهو ما ذُكر صراحة، وأنّه يرتقي إلى مقام الإنسان-الإله مقابل الرعية التي تظلّ في وضعية العبد، وهو ما يمثّل عنصرا أساسيا في نظرية التبعية.

{{ج- نظرية التشريع:}}

يبقى أنّ الخضوع الأشدّ لآليات التبعية، أو الاستلاب، يجد تعبيره في مستوى التشريع. ففي هذا المستوى، يقول الرأي السائد إن علم التشريع يظلّ محكوما بحدود علم التأويل وعلم النصّ. فالتّعامل مع النصّ مثّل إحدى أهمّ القضايا التاريخية التي شهدها العالم الإسلامي. وقد رافق النص القرآني امتدادات هائلة عبر التاريخ. فالقرآن قد وقع، بالفعل، تجاوزه بشكل كبير في مستوى الأحكام من قبل أحاديث الرّسول وسيرته اللتين وردتا علينا عن طريق صحابته ووثّقتا كتابيا بعد مضيّ حوالي قرن ونصف على وفاته.

وأمام ضخامة النصوص المكتوبة الموثّقة، فرضت الحاجة وضع قواعد للتأويل، فظهر علم الحديث وعلم أصول الفقه اللّذان انضافا إلى علم التفسير. ولأنّ العقل التشريعيّ لا يمكن أن يكون هو ذاته العقل المؤسس بالنسبة للإسلام فقد عاش هذا الأخير، عبر تاريخه، هاجس تحوّل العقل إلى عقل مشرّع. وانحصر الإشكال الأساسي لا في معرفة كيف يجب أن نفكّر، وكيف نضع نواميس لسلوك اجتماعي عادل، بل انحصر في معرفة كيف نقرأ النصّ. هكذا ستصبح اللّغة العربية هي السبيل الأفضل إلى النص وبالتالي إلى التشريع، وسيصبح علم اللّغة عنوان الكفاءة وشرط التأهيل للاضطلاع بأمور الفقه والاجتهاد.

غير أنّ هذه المنظومة ستشهد في الواقع، وأمام مقتضيات الحياة، نشأة قانون طبيعي بشري صرف وعقلاني، عبر قنوات متعدّدة مثل الأخذ بالمصالح المرسلة، وحكم الضرورة (الضرورات تبيح المحظورات)، والإنصاف، والطّوارئ، والقوانين السارية، والعادات، والحيل، والاستحسان. جميع هذه المعطيات ستفرض على المنظومة الرّسمية عددا من التجاوزات الحتمية التي أفضت، في النهاية، إلى عَلْمَنَتِها بشكل أو بآخر. غير أنّ ذلك لم يمنع الخطاب الرّسمي، خطاب الدّرجة الأولى، من التشبّث برفض المنطق التشريعي الطبيعي الذي بقي محكوما عليه بأن يظلّ خطابا قانونيا من درجة ثانية.

ولو أردنا اختزال جوهر هذه الفلسفة السياسية في كلمة لقلنا إنّها تقوم على تسييس المقدّس وتقديس السياسيّ.

يوم وجد النظام القانوني القديم نفسه أمام حتمية تغيير مفاهيمه ومناهجه ونظم إنتاجه القانونية نتيجة التأثير المتعاظم للنظام القانوني الغربي في القرن التاسع عشر ثمّ في ظلّ الاستعمار ومع نشوء الدّول المستقلّة الجديدة لاحقا، تمحور الصّراع حول نقطة محدّدة مفادها : كيف السبيل إلى التوفيق بين نظام يُفترض فيه أنّه يستمدّ قوانينه من السّماء وبين نظام إنتاج أفقي للقوانين كنتاج للمواجهات الاجتماعية، والتفاوض بين المصالح، والتشاور بين الأطراف؟ أو بصيغة أخرى : كيف السبيل إلى التوفيق بين حقوق اللّه والمؤمنين من جهة وبين حقوق الإنسان والمواطنين من جهة أخرى؟

هذه المواجهة لا تزال قائمة وتتجلّى يوميّا سواء بالمحافظة المستميتة على المنظومة القديمة كما هو الشّأن في العربية السعودية، وأفغانستان، وباكستان، والسّودان أو بالتنازع المستمرّ بين القانون القديم والقانون الجديد كما تشهد على ذلك كلّ من تركيا، ومصر، والمغرب، وتونس.

{{
III – أفضل الحريات الممكنة:}}

إنّ مشروع الحرية الحديثة هو مشروع متواضع وذو طموح رائع في الآن ذاته. فالمطلوب، في عالم ما انفكّ ينخره الشرّ، أي البؤس، والعنف، وعقلية الهيمنة والسيطرة، والجشع، والأنانية، هو التوصّل إلى إقامة أفضل حرية ممكنة. هذه الحريّة التي عرّفها مونتسكيو أبلغ تعريف عندما قال :”الحريّة هي طمأنينة النّفس النابعة من التصوّر الذي يحمله كلّ فرد على أمنه الخاصّ…”.

فهذه الفلسفة تقرّ، بادئا، بأنّ الإنسان هو مصدر أفعاله لكونه مسكونا بالنوايا أو الإرادة وليس بالأسباب، بمعنى أنّ أفعاله هي من قبيل الأعمال المفكّر فيها مسبقا والمصممة سلفا وليس مجرّد حركات ميكانيكية. وهي كما يقول بول ريكار :” أن تكون حرّا يعني توفّر النيّة في ذلك، والحافز أو الدّافع، والتصميم أو التخطيط المسبق، والعزيمة، وفي كلمة أن تكون فاعلا”.

بداية من كانط ثمّ هيجل سيطرأ تمييز واضح بين دوافع الأفعال الذاتية المرتبطة بالإرادة الشخصية وحدها وبين المبادئ الموضوعية للأفعال التي تنتج قانونا وواجبات سارية على الجميع. فالحرية الحقيقية تنشأ من التقاء الإرادات المتعدّدة التي تترابط مع بعضها البعض لتتحوّل إلى مصدر للحرية، فتصبح الحرية لا مجرّد القدرة على الرّغبة في إتيان أيّ فعل كان لتلبية حاجة شخصية بحتة بل المصدر لقاعدة موضوعية صالحة للجميع. تحت هذا العنوان ستقتحم الحريّة مجال الثقافة لتتجسّد في الأعمال الفنية والقوانين والمؤسسات السياسية والقانونية. فالحرية إذن مشروع تحرير لأجل عالم متحضّر.

وهنا وجب قلب المقترح الروسوي (نسبة إلى روسو) للإعلان عن أنّ الإنسان ولد مقيّدا بالأغلال ويجب عليه فرض حريته. فالحريّة ليست بالمعطى وإنّما هي هندسة يتعيّن بناؤها. فالقلب النّابض لهذه الفلسفة يقوم على فكرة إنّ الإنسان ربّ مغلول ولكنّه ربّ بأيّة حال، وأنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرتجى منه الأمل. فالحريّة تتجسّد، في نهاية المطاف، في المشروع الديمقراطي القائم على الذّات البشرية في معاملة متساوية وإلغاء النظرية الاستبداية للـ”أمير السّلطان القطب الذي عليه مدار الدنيا”. والأمير الذي تدور حوله الدّنيا ليس سوى التعبير عن الطّغيان الذي هو نقض كامل للحرية في معنييها الذّاتي والموضوعي. ولتحقيق هذا المشروع التحرّري يتعيّن خوض معركة مضنية ندرك مسبقا أن نجاحها لن يكون مضمونا على أكمل وجه. ولعلّ في ذلك تكمن، تحديدا، روعة هذا المشروع.

{{أ) المعركة الأولى :}} شرح فكرة أنّ البنية الأساسية للاستعباد مردّها الخلط بين الديني والسياسي. فهذا الخلط يخدم النّظام السياسي في آخر المطاف ويحافظ على وضعية استلاب المواطن. فالنظام السياسي عندما يتدخّل في الشّأن العامّ باسم الدّين إنّما يضع قراراته خارج دائرة التّشاور ويجعلها غير قابلة للنّقض، ويصبح التّقدّم أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. وتبعا لذلك تتواصل وضعية عدم المساواة بين المؤمنين من ديانات مختلفة، وبين المؤمنين وغير المؤمنين، وبين الرّجل والمرأة، وبين السيّد والعبد. كما أنّ هذه الفلسفة تشجّع، من جانب آخر، التوجّه السلفي والسلبي للحياة السياسية التي يظلّ النّظر إليها على أنّها مضيعة للوقت والجهد وأنّ الإنسان ليس مطالبا، كما أوردنا آنفا، بالانخراط فيها بوجدانه.

فالنشاط السياسي الوحيد الجدير بالاعتبار يتمثّل، في رأي هذه الفلسفة، في الحفاظ على دولة تقتصر مهمّتها الوحيدة على تمهيد السبيل إلى الجنّة الموعودة. وهذه الرؤية هي التي تحرّك جميع الإسلاميين في العالم المعاصر بداية من الإخوان المسلمين مع كلّ ما يترتّب عن ذلك من تكفير وأحكام جزائية وحشية ومحاكم تفتيش.

فأن يكون الفرد ديمقراطيا يعني، كما قال مارسال قوشي، أن يكون ديمقراطيا في الأعماق أي من الوجهة الميتافيزيقية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل إنّ مثل هذا المشروع الديمقراطي ممكن؟

والجواب أنّ المهمّة تبدو من الصعوبة بمكان في ظلّ المناخ الإسلامي الذي يؤمن الفرد فيه بأنّ المدينة الدنيوية مجرّد “مزرعة الآخرة”، كما ذهب إلى ذلك الإمام الغزالي، وأنّ أساس الأخلاق والشّرع قد أوحى به الخالق في كتابه الذي يكتسي جانب منه بعدا تشريعيا؟

{{ب) المعركة الثانية :}} تبيان كيف أنّ حقوق الذّات البشرية مرهونة بتجاوز نظريات ثلاث : الطبيعانية naturalisme)) والتاريخانية (historicisme)، والثقافوية (culturalisme).

فالطبيعانية تشمل المنظومات الفكرية أو الثقافية التي تعتبر أنّ الحياة الطبيعية هي الأساس الأوّل للأخلاق والقانون. وهي تقول بأنّ صياغة القانون يجب أن تستند إلى قراءة حقائق الفيزياء والبيولوجيا وعلم النّفس، للوقوف على الاختلافات بين أفراد الجنس البشري، وعلى حقيقة القوى الغريزية أو الفطرية، واختلاف التركيبات البيولوجية للبشر. أي بمعنى آخر معاينة التراتب الهرمي في المجتمع الطبيعي، والوقوف على التمايزات والفوارق القائمة بين أفراده، لتكريسها في قواعد أخلاقية وقانونية، وهو ما يؤدّي حتما إلى التمييز العنصري والقومي والإثني والجنسي.

يتبيّن إذن إنّ الحرية الحديثة والنّزعة الطبيعانية – التي تخلط بين القانون الطبيعي والحياة الطبيعية – لا تستندان إلى نفس الأساس الإبستيمولوجي وأنّهما على طرفي نقيض وغير قابلتين للتّآلف. فالفرضية الفلسفية للقانون الحديث تقوم على مبدأ أنّ القانون لا يجب أن ينسج على منوال نمط الحياة الطبيعية. فالبون شاسع بين حقوق المرأة بصفتها ذات بشريّة وبين حقوق الأنثى.

أمّا عن النزعتين الثقافوية والتاريخانية، فكلاهما يزعم أنّ القانون هو من قبيل الخصوصية المتفرّدة لكلّ شعب على حدة، وأنّه يتّصل إمّا بالثقافة، لدى النّزعة الأولى، أو بالتّاريخ لدى الثانية. وبهذا العنوان فهما يدّعيان بأنّه لا وجود لطابع كوني للقانون، ممّا يؤدّي إلى رفت كلّ فلسفة عن حقوق الإنسان باعتبارها مستخلصة من واقع العالم الغربي فحسب. والمؤسف أنّ أحداث التاريخ الحاضر ومؤشرات الرّأي العام تدعم اليوم هذين التوجّهين، ممّا أجبر مبادئ الحريات وحقوق الإنسان على التعايش معهما كما يفصح عنه إعلان 2001 واتفاقية أكتوبر 2005 المتبناة من قبل الندوة العامة لليونسكو حول حماية التنوّع الثقافي وتعزيزه.

{{ج) المعركة الثالثة}} : تنظيم الحرية ضمن نظام مؤسساتي يعرف بالديمقراطية على أن لا يكون فيه قانون العدد هو المبدأ.

إنّ المبادئ الحقيقية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي هي في واقع الأمر مبادئ دولة القانون. فالفكرة العامّة التي تقود دولة القانون هي أن تكون هذه الأخيرة نقيضا للحكومة الثيوقراطية وكذلك للحكومة السياسية الصّرفة من النمط الماكيافلّي. وبما أنّه يستحيل استبعاد السياسة الصّرفة عن أيّ حكومة يديرها البشر، فإنّ قانون الدّولة الديمقراطية يقرّ بإمكانية وجود قسط من السلطة التقديرية ومن الوضعيات الاستثنائية الخاصّة، لكنّ دولة القانون تحرص دوما بواسطة القانون على تقليص هذا القسط إلى أدنى حدّ ممكن. وهنا نسترجع مونتاسكيو عندما قال : “الحريّة هي كلّ ما يسمح به القانون…”.

فدولة القانون تطمح إلى بلوغ معادلة بين القانون والإرادة بما يخدم القانون ذاته لأجل أن يزن هذا الأخير بوزنه على إرادة القادة السياسيين. وليصبح هذا الأمر ممكنا، وجب توفّر شروط مسبقة أوّلها استقلالية المواطن عن الدّولة. وهذه الاستقلالية ليست بالأمر البديهيّ، فهي تعني أنّ المكسب السياسي هو أرقى المكاسب في نظر المواطن الحرّ.
فالمسألة تتمثّل في اعتبار المدينة السياسية في حدّ ذاتها مكسبا جديرا بالاهتمام وليس مجرّد امتحان لكسب الآخرة. فالوعي الديني الجذري الذي لا يرى في المدينة السياسية سوى مجرّد وسيلة في خدمة الإله يصعب أن يكون مؤهّلا لقبول فكرة الدّولة فضلا عن دولة القانون. وغنيّ عن القول بأنّ الاستقلالية عن الدّولة تؤدّي حتما إلى استقلالية النظام القضائي.

على أنّ دولة القانون تشمل مبدأ آخر للحكم يشترط في السلطة السياسية أن تبرّر باستمرار أفعالها، وأن تكسبها الشرعية، خلافا للنظام الملكي التقليدي الذي يبرّر وجوده على أساس الوراثة، وخلافا للسلطة اللاّهوتية التي تقوم على فكرة التّسامي transcendance. ففي دولة القانون لا يكون الولاء أبديّا وهو ما يعني اشتغالها وفق نمط التبرير الديمقراطي.

وهنا وجب التّأكيد على فكرة أساسية قوامها أنّ دولة القانون لا تعني دولة الأغلبية بل هي تقوم على مبدأ ضمني يعتبر الانتصار والهزيمة معطيين غير مطلقين. فلا انتصار مطلقا لحكومة الأغلبية ولا هزيمة مطلقة للأقلية، وهو ما يعني أنّ شرعية المنتصر في الانتخابات يجب أن لا أن تُجادل، وأنّه يتعيّن وجوبا الامتثال للقوانين التي يسنّها هذا الأخير، على أن يتمتّع الخاسر بحقّه الدّائم في الوجود وفي التعبير والمشاركة. وبمعنى آخر فإنّه لا سبيل للمنتصر أن يتمتّع مطلقا بثمرة انتصاره.

كما أنّ الشّرط الآخر للنظام الديمقراطي، والذي غالبا ما يقع تناسيه، يتمثّل في أن كلّ ناخب وكلّ مرشّح للانتخاب يتعيّن عليه قبول النتائج السياسية التي تسفر عنها الانتخابات أيّا كان مآلها. ففي ظلّ انتخابات تتّسم بالتّنافس النّزيه لا أحد باستطاعته التّكهّن مسبقا بانتصار يقيني. هذا المبدأ يتنافى، للأسف، والممارسات السّارية عموما من هيمنة الحزب الواحد أو السّائد، وتزييف للانتخابات والتّلاعب بنتائجها، وإنشاء أحزاب معارضة صورية، وخلط بين الإرادة الحزبية وإرادة الدّولة. فالحكومة الدّيمقراطية هي حكومة النّزاهة قبل كلّ شيء.

وختاما، رأينا إلى أيّ مدى قدمنا من بعيد لتناول مسألة الحرية، وكم يمكننا أن نذهب إلى ما هو أبعد. فقد انطلقنا من مفهوم الحريّة المستحيلة قبل أن نتعرّض لمفهوم الحريّة المطلقة لنخلص إلى مفهوم الاستلاب والتبعية. ولنا يعود اليوم واجب استرجاع الحريّة بوضع مشروع لها، مشروع دولة القانون الذي يجب أن نتعلّم كيف نصادره من أيدي أهل القانون. ولنعلم أنّ دولة القانون ليست دولة أيّ قانون كان، ولا قانون أيّ دولة كانت. فبتوفّر هذا الشّرط وحده يمكن للدّولة أن تكون دولة أفضل الحريّات الممكنة.

{{الهوامش:}}

هذا المقال نصّ محاضرة ألقاها بتونس مؤخّرا أستاذ القانون الدكتور عياض بن عاشور.
1 – على هذا الأساس، تجد الفلسفة الدينية، هنا، نفسها في تناقض غير قابل للتجاوز (مأزق). فالحرية المطلقة هي التي لا تخضع للزّمن (ما فوق الزّمن)، فهي دون زمن سابق و دون زمن لاحق، وتفترض توفّر حالة جمود مطلق، بدون حراك أو تجليات أو تواصل أو أفعال. إلاّ أنّه بحكم عملية الخلق ذاتها، وخاصّة خلق الكائنات الحيّة، وبحكم التواصل بين الخالق والملائكة والشيطان أو مع البشر، وأخيرا بحكم إعادة توحّد الإنسان مع اللّه، فإنّ اللّه سيسقط، في النهاية، في فخّ الزّمن إذ سيسجّل وجوده في ما قبل الزّمن وما بعده وهو ما يفنّد نظرية الانطلاق القائمة على ربّ حرّ خارج الزّمن.

2 – سورة الأنعام، الآية 12 والآية 54.

3 – أبو الحسن الأشعري، كتاب الإبانة عن أصول الدّيانة. منشورات دار القادري، بيروت 1991.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This