تحول الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين…

{{قراءة في كتاب تحوّل الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين والتسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي لصبحي عسيلة}}

تمثّل استطلاعات الرأي العامّ في إسرائيل واحدة من أهمّ الآليات في معرفة توجّهات الرأي العام لديها. إذ تسمح إسرائيل بشكل دائم ومستمرّ، في إطار حرصها على تقديم نفسها باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بأنشطة قياس الرأي العام من مختلف المؤسسات وإزاء مختلف الموضوعات دون قيود. الأمر الذي أدّى إلى تطوّر هذه الآلية، وقد كان للتطوّرات التي شهدها ملفّ التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي في بداية التسعينات من القرن العشرين أثر إيجابيٌّ بشكل أو بآخر على توجّهات الرأي العامّ الإسرائيلي إزاء إمكانية التسوية السلمية للصراع. إذ أدّت التطوّرات المتعلّقة باندلاع الانتفاضة الفلسطينية السلمية وانتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية، إلى تهيئة المناخ للبدء في علمية التسوية السلمية بانعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991، وهو الأمر الذي انعكس بالإيجاب أيضا على توجّهات الرأي العامّ. فمن جهة ساعدت الانتفاضة الفلسطينية الأولى السلمية، في دفع الرأي العام نحو تفضيل الحلّ السلميّ، أو ما يرتبط به من قضايا. وعلى الأقلّ فقد بدا الرأي العامّ في بداية التسعينات من القرن الماضي منقسما بالتساوي إلى نصفين، أحدهما متشدّد والآخر معتدل فيما يتعلّق بالتسوية مع الفلسطينيين. ثمّ جاءت حرب الخليج الثانية فخلقت لدى الطرفين، الإسرائيلي والعربي، استعدادا أكثر لقبول التسوية ـ بصرف النظر عن عدالتها ـ لاسيما الطرف العربي الذي فقد الكثير من عناصر قوته بخروج العراق من معادلة القوة العربية.

ومن هذا المنطلق تأتي أهمّية الكتاب محلّ العرض، نظراً لمناقشته عوامل تحوّل الرأي العام الإسرائيلي أو تقلّبه، وتناولها بشكل تفصيليّ ومتكامل العلاقة بين تطوّرات عملية التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي وتوجّه الرأي العامّ نحو اليمين. في وقت اقتصر فيه ما تناولته الدراسات المعنية بالرأي العام الإسرائيلي على التركيز على وصفه ومتابعة تطوره إزاء قضية معينة دون الوقوف كثيرا على تفسير أسباب تحولاته.

وقد حاول الكتاب من خلال فصوله الثلاثة الإجابة علي تساؤل رئيسيّ مفاده ما هي العلاقة بين تطورات عملية التسوية السلمية للصراع العربي-الإسرائيلي وتحوّل الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين؟ بمعنى آخر، هل جاء تحوّل الرأي العام نحو اليمين نتيجة لتعثّر عملية التسوية السلمية، أم أنّ تعثر التسوية السلمية للصراع قد حدث بسبب يمينية الرأي العامّ؟ ثم ما هي العوامل أو الأسباب التي أدّت إلى التحوّل، في نهاية فترة الدراسة، نحو اليمين؟

في الفصل الأول تناول الكاتب طبيعة الرأي العامّ في إسرائيل وتوجّهاته إزاء عملية التسوية، من خلال مبحثين رئيسيين، ركّز الأول على تحديد طبيعة تأثير الرأي العام في الحياة السياسية، من خلال أربعة محاور، ناقش أولها طبيعة الديمقراطية الإسرائيلية وعلاقتها بالرأي العام، بينما ناقش ثانيها بنية وتكوين المجتمع الإسرائيلي وتأثير ذلك على توجهات الرأي العام، أما ثالثها فقد عرض للمقولات النظرية المتصلة بكيفية تأثير الرأي العام في الحياة السياسية، فيما عرض المحور الأخير عملية قياس الرأي العام والمراكز التي تتولّى تلك المهمة. أمّا المبحث الثاني فقد عرض بقدر من التفصيل لتوجّهات الرأي العام من عملية السلام على مرحلتين الأولى، في ظلّ تأثير الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية في ظلّ عملية التسوية مع الفلسطينيين خلال فترة الدراسة 1991-2003، مع التركيز على خمس قضايا أساسية تمثّل في مجملها مؤشّرا لقياس توجّهات الرأي العام إزاء التسوية، وهي الدولة الفلسطينية، واتفاق أوسلو، والمستوطنات، واللاجئون، والقدس.

أما الفصل الثاني فقد خُصّّص لمناقشة تأثير العوامل الداخلية على تحوّل الرأي العام نحو اليمين. حيث ركّز المبحث الأول على العوامل الاقتصادية والاجتماعية وعلاقتها بالتحوّل نحو اليمين، من خلال محورين أساسيين، عرض الأول لطبيعة النظام الاقتصادي في إسرائيل منذ نشأتها وحتى الآن، بينما عرض الثاني للاقتصاد الإسرائيلي في ظل انتفاضة الأقصى. أما المبحث الثاني فقد تناول العوامل السياسية، وتحديدا الائتلافات الحكومية أو تأثير الحكومة الموجودة في إسرائيل في دفع الرأي العام نحو اليمين. وقد تعرّض هذا المبحث لدراسة الرأي العام في ظل خمس حكومات، منها اثنتان لحزب العمل هما حكومة إسحاق رابين في الفترة من 1992 إلى 1995، وحكومة إيهود بارك في الفترة من 1999 إلى 2001، وثلاث حكومات لحزب الليكود الأولى حكومة بنيامين نيتانياهو في الفترة من 1996 إلى 1999، والثانية والثالثة هما حكومتا آرئيل شارون في الفترة من 2001 إلى 2003 ثم عرض المبحث الثالث لتأثير العوامل أو التغيرات الديمغرافية، لاسيما تلك المتعلقة بالهجرة إلى إسرائيل، على توجهات الرأي العام الإسرائيلي.

أما الفصل الثالث فتناول تأثير العوامل الإقليمية وتأثيرها على تحول الرأي العام نحو اليمين، من خلال ثلاثة مباحث. عرض الأوّل منها لتأثير تطوّرات عملية التسوية على المسار الفلسطيني والمقاومة المسلّحة الفلسطينية، من خلال محورين أساسين ناقش أوّلهما تأثير تقدّم أو تحرّك عملية التسوية مثلما حدث أثناء وبعد اتفاق أوسلو لمثال لاتفاق تمّ في عهد حكومة عمالية، واتفاق واي ريفر كمثال لاتفاق تمّ في عهد حكومة ليكودية، وقمّة كامب ديفيد التي لم تنته إلى شيء في عهد حكومة باراك. أما المحور الثاني فناقش تأثير توقّف عملية التسوية واللجوء إلى نمط العمليات الفدائية والعنف المسلح. أما المبحث الثاني فقد تناول تأثير تطورات التسوية على المسارين المترابطين السوري واللبناني على تحوّل الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين. بينما نقاش المبحث الثالث تأثير تطورات القضية العراقية منذ عام 1990 وحتى عام 2003 على الرأي العام الإسرائيلي.

وقد توصّل المؤلف إلى عدة نتائج في نهاية كتابه، يمكن الإشارة إلى أهمّها فيما يلي:

1ـ يتمتّع المجتمع الإسرائيلي بعدّة خصائص ساهم بعضها في تفعيل دور الرأي العام الإسرائيلي، بينما ساهم البعض الآخر في الاتّجاه العكسي. فقد ساهم مستوى ديمقراطية النظام السياسي الإسرائيلي في تفعيل دور الرأي العام، على نحو ما يوجد في الديمقراطيات العريقة مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ومقابل ذلك فإنّ الطريقة التي نشأ بها المجتمع الإسرائيلي قد أثّرت بالسلب إلى حدّ بعيد على طبيعة الرأي العام الإسرائيلي ودوره. فالمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع مهاجرين بالأساس، ويتكوّن من لفيف من المجموعات الإثنية التي تشكّل فسيفساء غير متجانسة على كافّة المستويات، ولم تنجح المحاولات الإسرائيلية العديدة في صهر تلك الاختلافات لخلق ما يسمّيه الإسرائيليون المواطن الإسرائيليّ بصرف النظر عن انتمائه السابق.

2ـ أنّ توجهات الرأي العام الإسرائيلي ليست من المعطيات الثابتة أو الجامدة، فقد تأثّرت بالتغيرات التي شهدتها البيئة الداخلية في إسرائيل، وخاصة تلك التي تتعلّق بالتغيرات التي طالت النواحي السياسية والاقتصادية والديمغرافية. وفيما يتعلّق بتأثير التطورات الاقتصادية، والتي بدأت قبل فترة الدراسة وتعمقت خلالها، لاسيما ما يتصل باستمرار عملية الخصخصة وتزايد نسب البطالة، التي أفرزت أوضاعا لم تكن في صالح حزب العمل بالمرة، لاسيما في ظلّ عجز الحزب خلال العقد الأخير من القرن الماضي عن طرح بديل اقتصادي واجتماعي فعليّ لما طرحه اليمين، لا أثناء اشتراكه في الحكومة ولا في حملاته الانتخابية ولا أثناء تولّيه الحكومة بمفرده. وهو الأمر الذي مثّل سببا مهمّا في ابتعاد الإسرائيليين عن اليسار ممثلا في الابتعاد عن حزب العمل، متّجها نحو اليمين بأطروحاته المختلفة.

3 ـ على المستوى السياسي، اتّضح أنّ وجود حكومة إسرائيلية يمينية يعتبر من العوامل المساعدة والمهمّة ضمن قائمة العوامل التي تدفع بالرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين. ومع التسليم بأنّ دور الرأي العامّ يكون سابقا على وجود الحكومة، فهو الذي انتخبها، إلا أنّ وجود حكومة بتوجّهات يمينية يعمّق من التوجّهات اليمينية لدى الرأي العام. وفي مقابل ذلك، فإنّ وجود حكومة يسارية في الحكم يدفع الرأي العام الإسرائيليّ في اتّجاه اليسار فيما يتعلّق بالتسوية مع الفلسطينيين. كما لابدّ من الإشارة أيضا إلى أنه في حال اتّخذت حكومة ما مواقف تقترب من مواقف التيار الآخر ـ اليمين أو اليسار ـ فإنّ الرأي العام ينحاز إلى تلك المواقف ويبدو أقرب إليها مما هو أقرب لتوجّهات الحكومة القائمة، على نحو ما شهدته توجّهات الرأي العام الإسرائيلي من تغيّرات حينما قام نيتنياهو بتوقيع اتّفاق الخليل، وحينما تبنّى باراك أساليب العنف لقمع الانتفاضة.

4ـ لم تتأثّر توجّهات الرأي العام الإسرائيلي إزاء التسوية مع الفلسطينيين بتطوّرات الموقف على المسار السوري، بل إنّ توجّهات الرأي العام الإسرائيلي إزاء الجولان المحتلّ لم تتأثّر كذلك بتطورات التسوية على المسار السوري ذاته. حيث ظلّت المعارضة الشديدة للانسحاب من الجولان هي السمة الأساسية لتوجّهات الرأي العام الإسرائيلي إزاء ملفّ الجولان. أمّا عن تأثير الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني على توجّهات الرأي العام إزاء التسوية، فقد اتّضح أنّ التأييد الذي حظي به هذا الانسحاب قد أدّى إلى خلق حالة معنوية جيّدة لديه، انعكست في تقييمات إيجابية لأداء رئيس الوزراء وتفضيل لخيارات التسوية بشكل عامّ، حتى اندلعت انتفاضة الأقصى، فتغيّرت كافّة الحسابات.

5ـ بصرف النظر عن العوامل التي أدّت إلى دفع الرأي العامّ الإسرائيلي نحو اليمين، فإنّ الأمر الذي لا خلاف عليه هو أنّه قد وصل إلى نقطة من اليمينية غير مسبوقة ـ تتجاوز تلك الحالة التي كان عليها عندما أتى باليمين إلى الحكم للمرّة الأولى في إسرائيل في عام 1977ـ وهو الأمر الذي انعكس سلبا على عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي ـ خاصة في بعدها الفلسطيني ـ التي عادت بوصول شارون إلى الحكم إلى ما يطلق عليه المربع رقم واحد، أي إلى ما قبل انطلاق عملية التسوية في مدريد عام 1991.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق