تداعيات اعتداء بوسطن… أمنياً وسياسياً واجتماعياً / حسن منيمنة

القتلى طفل في الثامنة وفتاتان إحداهما طالبة من الصين. الجرحى، من العدائين والمشاهدين لماراثون بوسطن، وهم قرابة مئتين، بعضهم بُترت أطرافه. هذا هو «الإنجاز» الأول للاعتداء الذي جاء ينزل الأذى بإحدى أكثر المدن مناهضة للتدخل الخارجي الذي تمارسه حكومة الولايات المتحدة. فالسواد الأعظم من سكان المدينة عارض الحرب على العراق وطالب ولا يزال بسحب القوات من أفغانستان. وإذا كانت ثمة أصوات في البلاد تعترض على الضحايا من المدنيين في عمليات الطائرات من دون طيارين في باكستان واليمن، فجلّهم من بوسطن وجوارها. إلا أن هذا شأن عرضي من وجهة نظر سائدة في المنطقة العربية.

واقع الحال أن التحقيقات، وإن أنجزت بعض التقدم، لا تزال في مراحلها الأولية، ولا يمكن الجزم بما إذا كان هذا الاعتداء فعلاً إرهابياً «جهادياً» يأتي الولايات المتحدة من وحي القراءات التسطيحية الغارقة في أوهام مناطحة القوة العظمى، أو أنه إرهاب محلي النشأة والمقصد، يندرج في إطار الريبة الأهوائية من السلطة والتي ترجمت في حالات سابقة قتلاً للأبرياء. وكل التقارير التي وردت وقد ترد في هذا الشأن تبقى عرضة للمراجعة والسحب مع ظهور المعطيات الإضافية. إلا أنه يمكن للتوّ الحديث عن تداعيات حاصلة للاعتداء، على المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية.

أمنياً، على رغم أن الاعتداء حصل، يمكن الحديث عن نجاح صريح وإن غير مكتمل للجهات الأمنية. فالإجماع في الوسط الأمني كان أنه، بعد الاعتداءات الجسيمة يوم 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١، لا بد لاعتداء آخر أن يتحقق، عاجلاً أم آجلاً. وهدف المنظومة الأمنية كان ولا يزال اعتراض المقدار الأكبر من الاعتداءات المحتملة وتطويق احتمالات حدوثها، بحيث تغدو نادرة وأن تتسبب في أقل مقدار من الأذى. والحادث في بوسطن أول اعتداء يوقع ضحايا داخل الولايات المتحدة بعد قرابة اثني عشر عاماً من سابقه، وضحاياه عدداً واحد في الألف من ضحايا الاعتداء السالف. فنظم متابعة مصادر المواد الشائعة التي يمكن تطويعها لتصبح متفجرات، تطورت بما يقوّض خيارات الراغب في العمل الإرهابي. واعتداء بوسطن اجتهد في استعمال مواد مطبخية منزلية، إلا أن سبل ملاحقة مصادرها متوافرة، وسوف تساهم في تقصي من اشتراها ومن استعملها لأغراض القتل.

والنجاح الأمني لا يتوقف عند حد التضييق على طلاب الإرهاب، فقد كان لسرعة انتشار كل الأجهزة الأمنية، في مدينة بوسطن وغيرها، وفق الخطط المتوافق عليها، لاعتراض أي استمرار للأعمال الإرهابية ولطمأنة المواطنين، أن أثبتت أن المنظومة الأمنية قادرة على استيعاب الحدث والإسراع في مهمات الإنقاذ والتقصي في شكل متوازٍ. وانطلاقاً من هذا الأداء الواضح، لم تشهد البلاد حالة من الصدمة والهلع كالتي رافقت الأحداث الجسام عام ٢٠٠١. وإذا كان ثمة تضارب في بعض التقارير الصادرة أو المسرّبة من الأجهزة الأمنية، فالهفوات تبقى هامشية وناتجة من الحجم البالغ للتعبئة، لا سيما أن التحقيقات في اعتداء بوسطن رافقت متابعة قضية الرسائل المسمومة والتكهنات في شأن الارتباط بين هذه وتلك.

وفي حين ابتدأ الرئيس أوباما تفاعله مع الحدث بحرصه المعهود على التأني، سرعان ما أمسك بزمام المسألة من موقع القيادة المتوقع منه. وهذه الحادثة تشكل انتكاسة له في بعض أوجهها، ذلك أن سجلّه أصبح اليوم ملطخاً بأول اعتداء ناجح على الأرض الأميركية منذ 11 أيلول ٢٠٠١. لكن الاعتداء من شأنه أن يوطّد المنحى الانطوائي الذي ينتهجه الرئيس في السياسة الخارجية، تحديداً إزاء مسائل الشرق الأوسط، خصوصاً إذا تبين أن الاعتداء مرتبط بالمنطقة. فالسعي الحثيث، وأحياناً المتسرع، إلى فك الارتباط بهذه المسائل وعدم الخوض في الجديد منها، والذي يعمد إليه أوباما، يلقى التأييد الواسع لدى كل الأوساط، حتى المعارضة له، باستثناء قلة من السياسيين والوجوه العامة المحذرين من خطورة الانسحاب من هذه القضايا.

وسواء اكتفى الحدث بتذكير المواطنين بأن الهمّ الأمني يتطلب عدم التورط في الخارج، أو جاء ليؤكد أن التورط السابق هو ما يستولد الاعتداءات، يميل المزاج السياسي في الولايات المتحدة بوضوح إلى الانكفاء والانطواء والانسحاب.
وإذا كان الحادث لا يؤثر سلباً على السياسة الخارجية لأوباما، فإنه يطعن في وجه مهم من مساعيه الداخلية، تحديداً ضبط الأسلحة النارية. فهذا التفجير القاتل لم يستعملها، بل اعتمد مواد غير قابلة للحظر، ما ينسجم مع رأي دعاة الحفاظ على حقوق اقتناء السلاح من دون قيود مشددة، والقائل إن المشكلة ليست في السلاح أساساً، بل في وجود المارقين والمخلّين بالأمن. وهؤلاء لن ينصاعوا الى القوانين المتشددة التي لن تطبق بالتالي إلا على المواطنين الذين يحترمون القانون. وكانت جهود أوباما فشلت لتوّها في هذا الصدد مع رفض مجلس الشيوخ مشروع القانون الذي أيده الرئيس، ومن شأن اعتداء بوسطن أن يقصي الموضوع عن المتابعة إلى موعد غير محدد.

أما اجتماعياً، فبدت الولايات المتحدة أكثر تماسكاً في أعقاب الانفجار، وهذا يكاد أن يكون معتاداً في الأوقات العصيبة. وعلى رغم الريبة المتصاعدة إزاء المواطنين والمقيمين من ذوي الخلفيات العربية والمسلمة، لم تسجل أية حوادث في حق هؤلاء، بل تكررت المبادرات والدعوات إلى وحدة الصف. لكن الأوساط الاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة أصبحت أكثر حرصاً على تقصي ردود الفعل الخارجية على مجريات من هذا النوع. وإذا كانت الأوساط الرسمية العربية أبدت تنديدها، فإن غياب التعاطف من الشارع العربي، بل صدور أصوات تعرب عن السرور بأن الأميركيين «يذوقون ما ذقناه منهم» يواجه بالصمت والاستغراب والامتعاض، ومن شأنه تعميق الهوة القائمة بين المجتمعين الأميركي والعربي، وتعزيز الاقتناع في الوسط الثقافي الأميركي بأن التواصل مع الجانب العربي مستحيل، وأن الأفضل هو القطيعة.

عن جريدة الحياة – ملحق تيارات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق