تداعيات حول المرأة واللاعنف

ربما يذكر بعضنا امرأة فلسطينية تدعى شفاء المقدسي أرادت قبل سنوات أن تنفذ عملية استشهادية بحزام ناسف، إلا أنه قبض عليها ودخلت السجن وهناك تعرّفت على فلسفة اللاعنف عبر المهاتما غاندي، كما تعرّفت على سجينة لها أخ استشهاديّ، وتتخذ النهج السلميّ في المقاومة. ممّا أثّر على المقدسي وجعلها تقوم بعد الخروج من السجن بتشكيل لجنة حوار فلسطيني إسرائيلي بعنوان “مقاتلون من أجل السلام”.
يمكن أن نقول إنّ المقدسي تشكّل نواةً لظاهرة جديدة، فقد تحوّلت من مشروع استشهاد إلى مشروع سلام، وشقّت بذلك طريقاً جديداً من نضالات النسوية الفلسطينية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي والحرب الذكورية معاً. ففي مجال المقاومة السلمية سمعنا عن رموز رجال مثل جوناثان كتّاب..إلخ، لكن مع المقدسي تبرز أسماء نسوية جديدة نتمنّى أن تستمرّ. فلسفة اللاعنف في فلسطين عبر تاريخنا النضالي لم تأخذ فرصتها كاملة، ومن مظاهر اللاعنف كانت الإضرابات السلمية أيام الاحتلال الإنجليزي وفي انتفاضة الحجارة الأولى..إلخ، وفي كل هذه الفعاليات كانت المرأة حاضرة بقوة، ولها دور ملموس، لكن دون بروز أسماء محددة، أما الآن سنشهد قيادات نسوية ربما تحقق ما فشل فيه الرجال. ولا أظنها مصادفة أن تأتي ظاهرة المقدسي بعد وقت قريب من انتصار المقاومة السلمية واللاعنف ضد الجدار من خلال ما حدث في بلعين، حيث انتصرت التظاهرات السلمية الأسبوعية على آلة البطش الإسرائيلية. وطبعاً كان للمرأة دور في فعاليات بلعين، نتمنى أن تعمم التجربة بحضور نسوي قوي أيضاً.
للمسرحي الكوميدي الإغريقي أرستوفانيس مسرحيةً بعنوان “ليستراتا” تقوم فيها النساء بمحاولة إقناع أزواجهنّ بالكفّ عن الحرب وذلك لوقف الحروب الدائرة آنذاك بين أثينا واسبارتا، واستخدمن في ذلك وسائل عدة، منها الامتناع عن الجنس والسيطرة على الأموال التي يمول الرجال منها الحرب. نأمل أن تستطيع اللجنة التي شكلتها المقدسي خاصة بنسائها الفلسطينيات والإسرائيليات أن تساهم في وقف العنف ومجازر الاحتلال، فعلى المرأة الفلسطينية والمرأة الإسرائيلية معاً تقع مسؤولية كبيرة فهنّ الأخت والزوجة والأمّ والابنة، ومتضرّرات كالرجال وربما أكثر. ربما لا يستطعن أن يفعلن كالإغريقيات، لكن ثمة وسائل أخرى مثل الإضرابات والتظاهرات السلمية والنشاطات السياسية والثقافية..إلخ.
عبر التاريخ كانت الحرب ذكورية، وكان السلام قيمة أنثوية. وأنا هنا لست ذكورياً فأقول إنّ ذلك كان لأن الرجل قوي والمرأة ضعيفة، هذا غير صحيح وأنا لا أعنيه. كان الرجل هو الذي يوقد الحروب وكانت النساء هنّ المحترقات مادياً ومعنوياً، وهن من يؤخذن سبايا وجواري، وربما كان بيكاسو واعياً بذلك حين رسم لوحته الشهيرة “الجرنيكا” ضد الحرب الأهلية الأسبانية في الثلاثينات، فقد رسم في لوحته أربع نساء متضررات من الحرب إحداهن محترقة والأخرى تبكي ولدها..إلخ، في حين لم يرسم سوى رجل واحد عبارة عن تمثال مكسور يحمل سيفاً مكسوراً أيضاً. كان شعراء القبيلة الذكور يفتخرون بالحرب في حين يكون نصيب الشاعرات الرثاء كما هو حال الخنساء، بل ويلقون بأسبابها على النساء زوراً وبهتاناً كما حدث في حرب البسوس، ونجد أن هوميروس يجعل أيضاً حرب طروادة بسبب هيلين. الحقيقة أن الحروب ذكورية، ليس سببها النساء، بل سببها الرغبة الذكورية في تملّك نساء أكثر إضافة إلى أموال طائلة وأراضي واسعة..إلخ.
في حوار مع شفاء المقدسي تحدثت عن ابنتها الوحيدة التي طلبت منها عدم الذهاب للعملية الاستشهادية وأخذت تبكي فليس لها بعد الأمّ من أحد، ثم كان اعتقال المقدسي قبل تنفيذ العملية وحرمت طفلتها منها عدة سنوات. لذا نتمنّى من المقدسي أن تعوض ابنتها عن هذه السنوات بتربيتها على ثقافة جديدة هي ثقافة اللاعنف، فما أحوجنا أن نربّي أطفالنا على صور جديدة خالية من العنف والدم، لينشأوا شابات وشباباً سليمين يخلقون مجتمعاً مدنياً أفضل. أمّا مناظر الدم اليومية فلا تصنع إلا أطفالاً مشوّهين نفسياً يعانون مشاكل لا حصر لها.
وأخيراً أتمنى أن يكون للجنة التي شكلتها المقدسي عنوان آخر غير ذكوري، فلماذا لا يكون اسمها “مقاتلون ومقاتلات من أجل السلام”؟ 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق