تدبيرٌ منزليّ

1

أكنس الأرض من بقايا الزجاج الأخضر المتناثر عليها منذ ألف عام ، وبعض الأوراق أو أشلاء رسالة تحذيرية أخرى مزقها القط الذي قرر ذات مساء أن يقاسمني مخدعي دون إذن حتّى ممّن بنى هذا المنزل.. و من رصّ الأحجار المقدسية تلك بترتيب فني مدهش حتى الحزن، ثم أكنس ما تبقى من بذور وهياكل فاكهة ورسائل تحذيرية أخرى يهددني بعضها بالشنق إن أنا لم أسدد غرامات خطايا أبي الذي بنى، منذ 1955، هذا البيت دون أن يحجب بالإسمنت ما يخبئه الجبل المتربص قبالتي من عظام وأسنان ذهبية وصور وأكاذيب كبيرة وديدان ومياه أمطار قديمة قد يتفكك أسرها فجأة ..أو ينفك، أتأمل الحائط الذي تستتر خلفه مائدة عمل يوسف النجار، لا زلت أعشق خطايا أبي …هذا ما أقوله وأدسه في الفراغ بين ما يظهر وما أرى من جذوع زيتون متآكلة …

2
أكنس السجادة العجمية وألملم عنها تلك الأحرف العصية التي تساقطت من بين أصابع أحد العابرين قبل ذلك بدهر مثلا..أكنس أطرافها والخيطان المتناسلة منها حاملةً رائحة الجدات اللواتي لم يعرفن يوما كيف يتقن المرء لعب دور الضحية ليموت بعدها قهرا أو حرقا لدى اشتعال شمعة كانت معدة خصيصا /أصلا لتثبت بطريقة ما تحت تمثال لعذراء منهكة، أعياها الإنتظار ها هنا ورائحة الشحبار الذي لا يتوقف البشر عن التفنن في نثره عجزا حول زرقة ثوبها عله يتحول إلى سحر..يشفي الأبرص..والأعمى ..ومن قلبه من الجفاف تاه..أكنس محيط ذلك الشق الذي أخبئ فيه كل ما يأبى تراكم السنين المنسحبة أن يتلوه..أو يعيد كتابته من جديد على حائط الدهر المحتضر الذي قتل الجميع واختبأ في شق في بيت حجري في حي في مدينة داخل نتوء لم يسلّم البعض فيه خطاياهم للكاهن…
3
أكنس البلاط وأنقل شعري الأبيض المتساقط من جهة إلى أخرى،من ضفة يقظة إلى هاوية حيرة بانتظار عشيق ليس بعاشق سيزورني تلك الليلة في جحري اليوسفي، كما أننا قد نستخدم ذلك السرير أو لا ، فقد يجرفنا الدنس داخل أنهار تكلل هذه الكنبة المهترئة التي ورثتها عن جد لا أذكر أسمه ولا تعرجات شاربه أو طول طربوشه، قد يرى العاشق صورة ما أو عبارة ترتمي عند ظل كيس نفايات تحوي جميعها أكثر مما تحتمله معاهدة الدنس الصامتة بيننا من ملامح ..ثم يفر .. أكنس البلاط والمع مائدة الوسط وأنقل شعري الأبيض المتساقط من هنا إلى هناك… إلى غرفة شبه دائرية تكتنز الأسرار البالية التي حان تدويرها وإنتاج أوراق حائط استشراقية غير مفهومة أبجدياتها…منها ومن أوراق تحمل صور أشخاص غادروا جميعا وللعلم فإن حيواتهم لم تكن “سويّة” بالقدر الكافي…مما اقتضى التنويه.

4
أكنس بيتي وأنظفه جيدا. أرتب الكتب والمجلات وقصاصات الورق وتقارير جرائمي.. أنقل ما قد يستدعي التفسير منها إلى مستودع الأسرار الذي سأقفله، هنا سنجلس عندما قدوم العشيق غير العاشق… وهنا ستحتدم نار الشهوة وتستحيل جمرا ..وهنا سنلطخ كل ما مضى من مشاهد ملتبسة بسوائل الاغتراب ..وهنا قد نسقط في بحيرة عسل ليلتهمنا من بعدها حرّ الحقيقة. قد نسقط على هذه العلبة الكرتونية المتهالكة والتي لم تبرح مكانها منذ غياب . قد تتمزق العلبة ويترامى ما فيها على ما نختبئ ما ورائه من صمت..افتح العلبة..أفرغ ما فيها داخل عبوة نفايات ودية للبيئة، أسمي وشهادة ميلادي وصوري في الحضانة عندما مثلت “المسيح” وصوري في لباس “مار مطانس”، وصورنا في النزهة الخريفية عندما انزلقت السيارة بي وبأبي في الوادي..ورسائل اعتذار ورسائل اتهامية، وشهادة زواجي وشهادة طلاقي وأرقام هواتف لعابرين وأخرى لغير عابرين ..وبطاقات بريدية من جزر الليل ومعاصر الليلك…

5
أكنس الأرض من بقايا الزجاج الأخضر المتناثر بعد سقوط الثريا بالأمس على الأرض..أكنس بيتي وأنظفه جيدا قبل أن يأتي العشيق الساكن بلحظة…أمسح ما تبقى على الكرسي بجانبي من آثار دم…مني ودمع…وكلمات أولى من النصّ.

– كاتب وقاصّ فلسطيني

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق