تدجين الجمل على عهد إبراهيم في ضوء علم الآثار

نشر موقع الأوان مؤخّرا سلسلة من المقالات للأستاذ نبيل فيّاض حول ما أسماه “مصادر القرآن الكريم”، تناول فيها بالخصوص مسألة التناصّ بين النصّ القرآني والنّص التوراتيّ، أو بعبارة أدقّ ما يعتبره الأستاذ فيّاض “نقلا” للأوّل عن الثاني، مركّزا على ما ورد فيها ممّا أسماه “أساطير” متعلّقة بالخلق والبعث والأنبياء والطّوفان، وفي الجملة بما لا نملك أيّ دليل حسّيّ عليه أو إشارة تاريخيّة على حدوثه…

ولئن كان المجال لا يسمح هنا بتناول مسألة نعت القصص الدّيني بالأسطورة، إذ أنّ الكتابات المعرّفة بالأساطير وأهميّتها في تشكيل الوعي البشريّ أكثر ممّا تعدّ وأشهر ممّا أن نقوم بالإشارة إليها في هذا المقام، فإنّه لممّا يستفزّ الحسّ العلميّ – ناهيك عن الحسّ النّقديّ لكلّ من يدّعي العقلانيّة- أن يتناول المرء مسائل “علميّة” شائكة تتعلّق بقراءة النّصوص الدّينيّة بما يعتقد أنّه منهج “علميّ” دون التسلّح بما يقتضيه ذات المنهج من دقّة أوّلا، وصرامة ثانيا، واعتماد نظرة نسبيّة للمسائل المدروسة ثالثا. ولن ندخل هنا في شرح هذه الشّروط وكيفياتها واشتراطاتها النظريّة والمعرفيّة، وإنّما سبيلنا فحسب تناول مسألة واحدة من المسائل التي طرحها الأستاذ فيّاض في مقاله “[مصادر القرآن الكريم: قصّة إبراهيم->http://www.alawan.org/%D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86,3930.html]” المنشور بتاريخ 01 مارس 2009 من زاوية نظر تزعم التقيّد بتلك الشّروط، بل إنّ سبيلنا فحسب – مرّة أخرى- تناول مسألة فرعيّة من مسألة كبرى (قصّة النبيّ إبراهيم)، ألا وهي مسألة عدم وجود الجمل المدجّن في مصر على عهد إبراهيم، والحال أنّ الكتاب المقدّس يشير إلى ذلك، ممّا يستنتج معه “بصفة آليّة” وجود تخبّط “تاريخي كرونولوجي” عند واضعي القصّة جعلهم يخلطون بين زمانيّة إبراهيم وزمانيّة أحداثٍ، زعموا معايشته لها بهدف “الإيحاء” بتاريخيّة تلك الأحداث، والحال أنّ التّحقيب التّاريخيّ “المعتمد علميّا” يضع حياة إبراهيم والأحداث المزعومة في حقبتين تاريخيّتين مختلفتين، أي ضمن زمانيّتين منفصلتين، بل ومتباعدتين بما لا يمكن معه سوى استنتاج غياب “الحسّ التّاريخيّ” عن النّصوص المقدسّة، بما فيها النصّ القرآنيّ “النّاقل” عنها تلك القصص (وهذا ما يستنتج على كلّ حال من عنوان المقال).

ونودّ قبل الخوض في هذه المسألة أن نشير إلى أنّ هذا الردّ لا يدخل في باب الدّفاع عن الكتاب المقدّس وما يتضمّنه من أساطير، ولا في باب نفي وجود حرتقات متكرّرة على ما يمكن اعتباره نصّا أصليّا. كما نودّ أن نشير ثانيا إلى أنّ ما كتبه الأستاذ نبيل فيّاض حول ما أسماه “أسطورة أبراهام” يستحقّ كلّ عنصر فيها في الحقيقة نقاشا مطوّلا لا يسمح المقام به. ومن هنا فإنّ الاقتصار على نقطة وحيدة فحسب له ما يبرّره، وهو استخدام الأستاذ فيّاض لها (من جملة نقاط أخرى) مقدّمة كي يبني عليها جملة من الاستنتاجات الخطيرة، لا بمنظور دينيّ إيمانيّ، فهذا ما لا سبيل إلى مناقشته من منظور عقلانيّ، بل من منظور “علميّ” متعال عن جميع الاعتبارات الذاتيّة بما فيها البعد الإيمانيّ. وقد تبدو المسألة من هذا المنظور البعيد عن “الغيبيّات” غير ذات أهميّة في البناء العامّ لأسطورة إبراهيم، إلاّ أنّ استخدام الأستاذ فيّاض لها كان على درجة من الأهميّة حين بنى عليها استنتاجات خطيرة تشكّك في النصّ التّوراتيّ، الذي قد يتصوّر البعض أنّ النصّ القرآنيّ مجرّد امتداد له يكاد يبلغ درجة الاستنساخ الأمين، وهذا موضوع آخر لا يقلّ تعقيدا وتشعّبا عن الأوّل وليس هنا أيضا مقام الحديث عنه. إلاّ أنّ مرور الأستاذ على هذه المسألة “مرور الكرام” لا يمكن أن يمرّ على من لديه أدنى حسّ تاريخيّ نقديّ بنفس الصّفة، ذلك أنّ الأمر لا يتعلّق هنا بنصوص دينيّة لها منطقها الخاصّ في كيفيّة حشد وترتيب وتصنيف ما تعتبره أحداثا تاريخيّة فحسب، بل لأنّه يتعلّق في المقام الأوّل بحقائق علميّة وأركيولوجيّة لا بدّ من توضيحها قبل أن يُبنى عليها أيّ استنتاج، بقطع النّظر عن تماشيه أو عدم تماشيه مع ما تقوله النّصوص الدّينيّة. فاتّفاق نصّ دينيّ ما مع الحقائق التّاريخيّة لا يزيد من قيمته، كما لا ينقص من قيمته غياب مثل تلك الحقائق أو أسطرتها، إن لم تكن تلك الأسطرة هي ما يضفي عليه قيمته تلك. إلاّ أنّ هذا شيء، والقفز على حقائق تاريخيّة محددّة في سبيل إثبات أخرى، شيء آخر. وهذا ما يهمّنا هنا بالخصوص. ونعتذر مسبقا على الإطالة في الإحالات رغم محاولة الاختصار والاقتصار على مرجع واحد لكلّ إحالة، فهو ممّا يتطلّبه المقام علما وأنّ اختصارها كان سببا في ابتسار أدلّة كثيرة مؤيّدة لردّنا.

1{{. رأي الأستاذ فيّاض في مسألة تدجين الجمل على عهد إبراهيم:}}

جاء في مقال الأستاذ فيّاض تعليقا على ما ورد في سفر التّكوين بشأن وجود الجمال في مصر (تكوين 12: 14– 16) وفي آرام النّهرين ( تكوين 24: 10–11) ما نصّه :”التّخمينات المتعلّقة بتاريخ وجود أبراهام تتراوح بين القرن الخامس والعشرين ق.م. والقرن السّادس عشر ق.م. والنصّ السّابق يوحي ضمناً أنّ الجمل كان مدجّناً بل قيد الاستعمال في ذلك الوقت. لكن بالاعتماد على أدلّة أخرى بين أيدينا، فالجمال المدجّنة ببساطة لم تكن معروفة أيام أبراهام. والنصوص المصريّة من تلك الحقبة لا تذكر شيئاً عنها. بل حتى في ماري، المملكة المجاورة للصحراء، والتي ستبدو الأكثر حاجة لاستخدام الجمال، فإنّ مجموعة وثائقها الضخمة التي هي الآن بين أيدي الأركيولوجيين، لا تذكر مرّة الجمال في ما يفترض أنه كتابات من حقبة معاصرة لأبراهام. بالمقابل، فالواقع يقول إنّ الإشارات إلى الجمال لم تبدأ في الظهور في النصوص والنقوش المسماريّة إلا في القرن الحادي عشر ق.م. وبعد هذا التاريخ راحت الإشارات إلى الجمال تتزايد على نحو ملحوظ. هذا يعني ضمناً أنّ تدجين الجمال بدأ حوالي القرن الثاني عشر ق.م. أو قبله بقرن. إذن، لا يمكن أن تكون هنالك جمال مدجّنة حين كان أبراهام على قيد الحياة؛ ولا بدّ بالتالي أنّ القصص السابقة إضافات متأخّرة على أسطورة أبراهام” [التّشديد من عندنا].

إنّ نقدنا لهذه الفقرة لا ينبغي أن يفهم منه عدم وجود مآخذ على جملة المقال المذكور إن لم نقل جملة كتابات الأستاذ فيّاض التي تناولت “القصص الدّينيّ” المنشورة في موقع الأوان وفي غيره من المواقع، بل هو مجرّد عيّنة نقديّة يمكن سحبها على كلّ ذلك، أي مثال نريد من خلاله “نقد” منهج “نقديّ” معيّن في تناول النّصوص الدّينيّة ومحاولة قراءتها “موضوعيّا” باعتماد المقارنة. لذا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا المقال هو مجرّد “قراءة نقديّة” لما يبغي الأستاذ فيّاض أن يكون “قراءة نقديّة” للنّصوص الدّينيّة.

أوّلا، ينكر الأستاذ فيّاض في هذه الفقرة “ببساطة” كما يقول وجود الجمال المدجّنة في الفترة التي يفترض أنّ إبراهيم عاش خلالها، وذلك اعتمادا على “أدلّة أخرى بين يديه” لم يذكرها ومتّخذا من عدم ورود إشارات حول هذا الموضوع في النّصوص المصريّة الرّاجعة إلى تلك الحقبة أو في وثائق مملكة ماري دليلا وحيدا على زعمه، قبل أن يشير إلى أنّ أوّل ذكر لذلك في النّصوص والنّقوش المسماريّة يعود إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد، أي بعد الفترة التي يفترض أنّ إبراهيم عاش خلالها. ونحن بدورنا نسأل الأستاذ: ما هي تلك “الأدلّة التي بين يديك” ؟ أليس من حقّنا الاطّلاع عليها أو حتّى مجرّد أخذ العلم بوجودها، أم هي من المضنون به على غير أهله؟ ومن هم الأركيولوجيّون الذين تقبع مجموعة الوثائق الهامّة لمملكة ماري بين أيديهم؟ وهل اطّلع الأستاذ عليها برمّتها ونقّب في تفاصيلها ليحدّد تضمّنها أو عدم تضمّنها إشارات تخصّ تدجين الجمل، حتّى يجزم برأيه ؟ لقائل أن يقول إنّ المجال ربّما لم يكن يسمح له بإيراد مثل تلك الأدلّة، وهو ما لا يشفع له على أيّ حال، خاصّة وأنّه يورد بعد ذلك مباشرة “أدلّة أخرى” حول عدم تدجين الجمل في مصر وبلاد الرّافدين، لكن دون إحالة -مرّة أخرى- على مرجع علميّ واحد معروف، إلاّ أن تكون ممّا اختصّ به وحده !.

فماذا لو كانت النّصوص المصريّة والبابليّة ووثائق مملكة ماري معا، تثبت جميعها وجود الجمل في تلك البقاع وتدجينه، بل واستخدامه في التنقّل وأعمال الفلاحة في نفس الفترة التي يفترض أنّ إبراهيم عاش خلالها ؟

{{ 2. تدجين الجمل على عهد إبراهيم حقيقة تاريخيّة ثابتة}}

لقد أثارت مسألة تدجين الجمل أو عدم تدجينه في الحقبة الإبراهيميّة كثيرا من الجدال والنّقاش في أوساط اللاّهوتيّين اليهود والمسيحيّين منذ القرن التّاسع عشر، قبل أن يتلقّفها المشكّكون، ولعلّ من أهمّهم إطلاقا “ويليم ألبرايت” (William Albright) [1] و”أوتو إيسفلدت” (Otto Eissfeldt) [2] في القرن الماضي، ولن يكون آخرهم في هذا القرن مدير معهد الآثار بجامعة تلّ أبيب “إسرائيل فلنكشتاين” (Israël Finkelstein) ومدير القسم التّاريخيّ في مركز إينام (ENAME) للآثار العموميّة في بلجيكا “نيل آشر سيلبرمان” (Neil Asher Silberman) وقد نشرا سنة 2004 كتابا أثار من جديد نفس مسألة عدم تاريخيّة الآباء المذكورين في الكتاب المقدّس لتناقض المعطيات التّاريخيّة مع ما يذكر عنهم، وخاصّة مسألة غياب تدجين الجمل في عهد إبراهيم المفترض أنّه عاش في القرن 18 ق.م، والحال أنّ الكتاب المقدّس يذكر عكس ذلك [3].

وحول قدم طرح هذه المسألة، نشير إلى أنّه سبق للمؤرّخ الفرنسيّ والباحث الآثاريّ “دومينيك هنري” (Dominique Henry) أن أشار في كتابه حول “مصر الفرعونيّة” [4] المنشور سنة 1846 إلى انتشار القول بين علماء عصره بعدم وجود أدلّة أركيولوجيّة على تدجين الجمل في مصر بل وفي إفريقيا بكاملها على أيّام إبراهيم، زاعمين أنّ ذلك لم يتمّ إلاّ مع الفتح العربيّ لمصر في القرن السّابع للميلاد. إلاّ أنّه يردّ على ذلك بحجّة منطقيّة فيقول :”هل ينجرّ عن عدم وجود نقائش للجمال عدم وجودها واقعا؟ إنّ ذلك سيكون كمن ينفي وجود الحمار في مصر لأنّه لا يوجد أيّ نقش مصريّ يمثّله، فهل تريدون للنّقائش أن تكون كتبا في علم الحيوان ؟”(ص 452). ثمّ ينبري نفس الكاتب إلى إثبات “قلّة اطّلاع” من يقول بانعدام أدلّة أثريّة على وجود الجمل وتدجينه خلال الألفيّة الثانية قبل الميلاد، مشيرا إلى أنّ ذلك “ينافي الواقع، إذ توجد نقوش [من تلك الفترة] تمثّل الجمال على مسلاّت الأقصر، وهي النّقوش التي وثّقها عالم الآثار مينوتولي (Minutoli) في الجزء السّادس من كتابه “السّياسة والتّجارة عند الشّعوب القديمة في اللّوحة رقم 16 في الصّفحة 396″[5].

وفي نفس السنّة أي 1846، صرّح ثلاثة من كبار علماء الآثار الفرنسّيين وهم “غاستون بوكور” (Gaston Beaucourt) و”بول آلار” (Paul Allard) و”جون غيرو” (Jean Guiraud) بلا مواربة بعد بسط الأدلّة بـ”وجود جمال في مصر زمن إبراهيم”، وأنّ “غياب تماثيل للجمل، لا يثبت البتّة عدم معرفة المصريّين له” [6].

أمّا عالم الآثار الفرنسيّ “مارييت” (Mariette)، فقد أشار في تقرير خاصّ موجّه إلى أكاديميّة النّقائش والفنون الجميلة الفرنسيّة سنة 1863، إلى عثوره خلال حفريّاته بمدينة “أبيدوس” الأثريّة في مصر سنتي 1861-1862 على تماثيل لرؤوس جمال مصنوعة من الطّين المطبوخ [7]. وقد أعاد هذا الاكتشاف مشكلة تاريخ تدجين الجمل في مصر إلى الواجهة في صفوف الأوساط العلميّة بفرنسا عموما وأوساط المؤرّخين وعلماء الآثار والمهتمّين بتاريخ الكتاب المقدّس على وجه الخصوص، وأثار ردودا كثيرة يهمّنا منها هنا تعليقان؛ أحدهما لعالم الآثار “أرنست ديجاردين” (Ernest Desjardins) في تبريره غياب تماثيل الجمل عند المصريّين القدامى، فهو يقول :”إنّ عدم وجود تماثيل لهذا الحيوان يعود بخاصّة إلى غياب رمزه عن الكتابة الهيروغليفيّة القديمة، إذ كان المصريّون لا يقبلون تصوير أيّ حيوان في حروفهم ونقائشهم الوطنيّة ما لم يكن مصريّ الأصل. ولهذا، فإنّ الجمل والفيل، وهما حيوانان معروفان جدّا في مصر منذ قديم الأزمنة، لم يكونا في عداد الرّموز المعتمدة في الكتابة القديمة لأنّهما دخيلان على مصر وليسا أصيلين فيها” [انظر التّعليق في نفس عدد مجلّة أكاديميّة النّقائش والفنون الجميلة الفرنسيّة المذكور، ص 330].

أمّا التّعليق الثاني، فينمّ عن تواضع علميّ كبير، وهو لعالم الأديان المقارن “فولكران فيغيرو” (Fulcran Vigouroux) الذي يقول في كتابه “التّوراة والمكتشفات المعاصرة في فلسطين ومصر وأشور” الصّادر سنة 1896 [8]: “إنّنا لا نستطيع اعتمادا على ندرة النّقوش التي تمثّل الجمال القول بعدم وجودها زمن إبراهيم” (ص 486).

لقد أردنا من إيراد هذه المقتطفات الموجزة والمجتزأة (وغيرها كثير)، البرهنة على قدم الموضوع المطروح، وأنّ علماء الآثار لا يستنكفون – حتّى وإن كانوا ميّالين إلى إثبات مسألة تدجين الجمل في مصر على عهد إبراهيم – من التّصريح بندرة الآثار الماديّة الذّالة على ذلك. فهل توجد حقّا آثار ماديّة ترّجح رأي من يذهب إلى وجود الجمل في مصر زمن إبراهيم ؟

نشير أوّلا إلى قدم تصاوير الجمال في النّقائش الصّخريّة القديمة في جبال منطقة “العوينات” (حاليّا على الحدود المشتركة لكلّ من مصر وليبيا والسّودان)، وهي نقوش اكتشفها الأمير المصريّ “كمال الدّين” سنة 1926 ووثّقها عالم الآثار “هنري برويل” (Henri Breuil) [9]، وهي شبيهة كلّ الشّبه بنقوش الجمال في مصر العائدة إلى عصر ما قبل الأسرات [10]، مثل رأس الجمل المصنوع من الطّين الخزفيّ في منطقة “هيراكونبوليس” (كوم الأحمر) على ما يشير المؤرّخ المختصّ في تاريخ الحيوان “آرثر إرنست روبنسون” (Arthur Ernest Robinson) [11]، والتّمثال الخزفيّ المصغّر للجمل الذي عثر عليه بمنطقة “أبو صير الملك” جنوب الجيزة على ما يشير “جورج مولر” (Georg Möller) [12]، والرّسم الخزفيّ في منطقة “نجادة” (3.300 ق.م) على ما يؤكّد مؤرّخ الفنّ المصريّ القديم “جون كابار” (Jean Capart) [13]. أمّا في عهد الأسرات (بعد سنة 3.150 ق.م وتوحيد إقليمي مصر العليا ومصر السّفلى)، فقد عثر على نقش في منطقة أسوان يعود إلى عصر الأسرة السّادسة (2.350-2.200 ق.م) يمثّّل جملا وعليه سائقه، وهو ما وثّّقه عالم الآثار الألمانيّ “جورج شوينفورث” (Georg Schweinfurth) [14] قبل أن يعثر مواطنه عالم الآثار “لودفيغ كايمر” (Ludwig Keimer) على نقش شبيه به في منطقة “قرنة” يعود إلى نفس الحقبة أي الأسرة السّادسة [15]، فيما عثر على رؤوس جمال طينيّة بمدينة “أبيدوس” [16] وأنصاب تمثّل جمالا وعليها رحالها تعود كلّها إلى عصر الأسرة الثانية عشرة (2.000 سنة ق.م) [17]…

وقد كانت هذه الكشوفات الأثريّة، وقد اقتصرنا منها على أقلّ القليل، وراء جزم بعض العلماء بوجود الجمل في مصر “رغم ندرة النّقوش الدّالة عليه هناك منذ عهد يسبق القرن 25 ق.م” [18]، فيما اكتفى آخرون بالقول بأنّ “تدجين الجمل تمّ على الأقلّ منذ النّصف الثاني من الألفيّة الثانية قبل الميلاد، إن لم يكن قبله، إذ كانت تنقّلات البدو مستحيلة دون ذلك” كما يصرّح المؤرّخ الفرنسيّ “ريشار بوليات” (Richard Bulliet) بكلّ احتراز [19]، أي تقريبا – فيما يخصّنا- خلال العصر المفترض أن يكون إبراهيم عاش خلاله.

ولقد تعلّقت بمشكلة وجود الجمل وتدجينه في مصر على عهد إبراهيم عدّة مسائل تاريخيّة شائكة، ليس أقلّها شأنا مسألة دخول الجمل إلى مصر، وهل تمّ من الجزيرة العربيّة أو من الحبشة أو من شمال إفريقيا، وهي مسائل لن ندخل فيها، وحسبنا هنا الإشارة إلى قدم تدجين الجمل لا في مصر وحدها بل وفي جميع منطقة السّاحل الإفريقي وشمال إفريقيا، ناهيك طبعا عن الجزيرة العربيّة، وأنّه “يوجد من الآثار ما يثبت استخدام الجمل في الأعمال الفلاحيّة في مصر منذ عهود سحيقة” على ما يذكر عالم تاريخ الحيوان “هنري أوكابيتان” (Henri Aucapitaine) في مقال له حول “جِمال السّباق عند شعب الطّوارق” [20] كتبه سنة 1864، فهو يؤكّد “وجود صور للجمل على عدّة آثار فرعونيّة في صعيد مصر تمثّله وهو يمشي فوق أرض محروثة”، مشيرا في ذات الوقت إلى أنّ “الجمل مصوّر أيضا على نقوش بربريّة قديمة من العهد القارامنتي بكلّ من طرابلس وتونس وصولا إلى صحراء الجزائر” (ص 396). ومعلوم أنّه بات من الثابت أنّ شعب “القارامنت” الأمازيغي كان يجوب المنطقة الواقعة بين واحات “جرمة” و”مرزق” (جنوب ليبيا) وجبال الأطلس على ظهور الجمال منذ الألفيّة الثّالثة قبل الميلاد حسب أحدث ما كتب في هذا الموضوع [21].

أمّا بشأن مملكة ماري، فيؤكّد الأستاذ فيّاض أنّ “مجموعة وثائقها الضّخمة التي هي الآن بين أيدي الأركيولوجيّين، لا تذكر مرّة الجمال في ما يفترض أنه كتابات من حقبة معاصرة لأبراهام”،. ونحن لا نطيل في هذا الموضوع، ولا نطلب من الأستاذ فيّاض أن يدلّنا على أولئك الأركيولوجيّين، ولا على ما بعض ما في أيديهم من “وثائق ضخمة”، وهل اطّلع على بعضها… وحسبنا الإحالة على كتاب عالم الآثار البريطاني “كينيث كيتشن” (Kenneth Kitchen) المختصّ في تاريخ الشّرق القديم، وفيه صور لعظام جمال تعود بكلّ تأكيد – حسب كيتشن نفسه- إلى ما قبل القرن 18 ق.م عثر عليها في مدينة ماري، بل وفيه أيضا حديث عن نصوص سومريّة “تتناول الفوائد العلاجيّة لِلَبن النّوق” [22] عثر عليها في معبد الإله “إنليل” (ما بات يعرف بخزينة مدينة “نُفر” (Nippur) الواقعة على بعد 130 كلم جنوب بابل، وتضمّ 23 ألف لوح يعود تاريخها إلى الفترة الواقعة ما بين سنتي 2.700 و2.800 ق.م، وقد نهبت جامعة بنسلفانيا تلك الخزانة برمّتها منذ سنة 1896 !)، وهو ما يشير بكلّ تأكيد إلى وجود الجمل وتدجينه في مملكة ماري وما جاورها من ممالك خلال الفترة المفترض أنّ إبراهيم عاش خلالها، إن لم يكن قبلها. كما نكتفي بخصوص بقيّة الممالك الأموريّة التي عرفتها بادية الشّام في الألفيّة الثانية قبل الميلاد بالإشارة إلى تضمّن نصوص مملكة “العلخ” (Alalakh) (منطقة تلّ عطشانة حاليّا على نهر العاصي) ومملكة أوغاريت (منطقة رأس شمرا 12 كلم شمال اللاّذقيّة) لإشارات واضحة حول الجمل واستخداماته، بما لا يدع أيّ مجال للشكّ في تدجينه في تلك الفترة [23].

هذا إجمالا ما كتب حول مسألة معرفة قدامى المصريّين والشّعوب المجاورة لهم بالجمل المدجّن، خلال الفترة التي يفترض أنّ إبراهيم عاش فيها. أمّا ندرة الآثار الماديّة الدّالة على هذا الأمر، فهي مسألة أخرى لا نرى بأسا في الإشارة إليها، لما قد يلقيه ذلك من أضواء على المسألة التي تهمّنا؛ ألا وهي تدجين الجمل على عهد إبراهيم.

{{ 3. أسباب ندرة الآثار الماديّة حول الجمل عند قدامى المصريّين}}

حاول عدد كبير من الباحثين المختصّين تبرير ندرة الآثار الماديّة الدّالّة على وجود الجمل وتدجينه في الحضارة المصريّة القديمة، فمنهم من ذهب إلى ترجيح أسباب مناخيّة متعالقة مع أسباب حضاريّة (نسبة التحضّر العالية في مصر القديمة أساسا)، ومن هؤلاء مثلا “جورج موراي” (Georges Murray) وقد رجّح أن يكون سبب ندرة حضور الجمل في الحضارة القديمة لوادي النّيل هو “عدم ملاءمة مصر الوسطى والسّفلى للجمال” مشيرا إلى “عدم وجود الجمال في أيّامنا في واحات البحيرة وسيوة”، بل ويذهب إلى وجود سبب ثان هو “وجود ذبابة سامّة تتوالد في المياه الرّاكدة، تتسبّب في موت الإبل في مصر الوسطى والدّلتا… وهو ما يجعل مصر السّفلى منطقة موبوءة إلى أيّامنا وفي حاجة لتجديد قطيعها من الإبل دوريّا، بجلب الجمال من مناطق الصّعيد في مصر ومن ليبيا”[24]. وقد ردّ بعض الباحثين هذه الحجّة لأنّ الأراضي الزراعيّة الحافّة بالنّيل مجرّد شريط ضيّق تحدّه الصّحراء من جانبيه وهي الوسط الطّبيعيّ الملائم لعيش الإبل منذ بداية التصحّر في مصر أي قبل حكم الأسرات[25].

كما ذهب آخرون إلى ترجيح أسباب دينيّة، لندرة الآثار الماديّة الدالّة على تدجين الجمل في مصر القديمة، ومنهم على سبيل المثال “أوتو كيلر” (Otto Keller) وقد رجّح أنّ الجمل “كان يعتبر حيوانا جهنّميّا تابعا لإله الشرّ ست… ومن هنا عدم الاهتمام بتربيته وتمثيله على النّقائش والرّسوم”[26].

وإنّنا لنتساءل مع أوليفي كيرهيليون (Olivier Cair-Hélion): “ألا يعود الحذر المتزيد عند المتخصّصين حاليّا في رفض تلك المقولة إلى رفضهم تاريخيّة شخصيّة إبراهيم؟” [27]. كما نتساءل مع “ورنر كيلر (Werner Keller): “هل يجب إحراق قصّة إبراهيم إمعانا في رفض تاريخيّة شخصيّة إبراهيم، أم إذعانا لرفض غير مبرّر علميّا لما ترويه من أحداث ؟”[28].

{{*******}}

ونختم بكلمة وجيزة تتعلّق بعدم إشارتنا في هذا المقال المبتسر إلاّ إلى الجانب المتعلّق بنقض ما يطرحه الأستاذ فيّاض بخصوص مسألة محدّدة، هي تدجين الجمل في مصر خلال الفترة المفترض أنّ النبيّ إبراهيم عاش خلالها، وأنّ عدم الإشارة إلى ما يسند طرحه كان متعمّدا، لا خشية الإطالة، بل للتّأكيد في المقام الأوّل على مسألة كيفيّة طرح المسألة والمنهج المتوخّى في معالجتها، ثمّ التأكيد من جانب آخر على أنّه من الصّعب أن نتبنّى أو ندحض أيّ حقيقة، مهما بلغت درجة علميّتها أو مناقضتها لما نعتقد أنّه علم، لدعم أطروحة معيّنة على حساب أخرى حين يكون الأمر متعلّقا بمجرّد فرضيّات عمل. وبما أنّه لا يمكن للآثار الماديّة أن تعطينا جميع الإجابات التي نودّ الحصول عليها، فإنّه لا مندوحة من توخّي أقصى درجات الحذر في تناول المسائل الجداليّة على غرار المسألة التي تشغلنا هنا، والابتعاد عن القطعيّة والجزم، فيمكننا طرحها وشرحها مشيرين إلى أنّها ما تزال خاضعة لنقاش واسع لم يحسم بعد بين جميع المهتمّين بها (علماء دين، مؤرّخون، علماء آثار، أنّاسون،…) وأنّهم لا يتّفقون على كلّ التّفاصيل إذ توجد دائما مناطق رماديّة؛ ثمّ يمكن بعد ذلك، وبعد ذلك فحسب، طرح مختلف الافتراضات مع الإشارة دائما إلى ما يحفّ بها من مخاطر قد يكون على رأسها اكتشاف آثار ماديّة في قادم الأيّام قد تفنّد رأينا المبنيّ على فرضيّة أو قراءة معيّنة للمسائل، أو تعزّزه.

{{الهوامش:}}

1. Albright (William Foxwell): The Old Testament and Archaeology: Old Testament Commentary, Philadelphia: Muhlenberg Press, 1948 (pp.110); The Archaeology of Palestine, Baltimore: Penguin Books, 1960 (pp. 206-207); The Bible After Twenty Years of Archaeology, Religion in Life, Vol. 21, 1952 (pp. 537-550).

2. Eissfeldt (Otto), Palestine in the Time of the Nineteenth Dynasty: the Exodus and Wanderings, Cambridge Ancient History (CAH), II: 26a, Cambridge: Cambridge University Press, 1965, p. 6.

3. Finkelstein (Israël) & Silberman (Neil Asher) : La Bible dévoilée : les nouvelles révélations de l’archéologie, collection : Folio, Paris : Gallimard, 2004.

4. Henry (Dominique Marie Joseph) : L’Égypte pharaonique, ou, Histoire des institutions des Égyptiens sous leurs rois nationaux, Paris : Firmin Didot Frères,1846.

5. Minutoli : Politique et commerce des peuples de l’antiquité, tome VI, p 396.

6. Beaucourt (Gaston Louis) & Allard (Paul) & Guiraud (Jean) : Revue des questions historiques, Paris : Librairie de Victor Palmé,1876.

7. Desjardins (Ernest) : De l’emploi du chameau en Egypte, Son absence dans les textes hiéroglyphiques, Comptes rendus des séances de l’Académie des inscriptions & belles-lettres (France), tome 8, Paris :Librairie Auguste Durand, 1864, p. 329.

8. Vigouroux (Fulcran Grégoire) : La Bible et les découvertes modernes en Palestine, en Egypte et en Assyrie, 6 ème édition, Paris : Librairie Berche & Tralin, 1896.

9. Breuil (Henri) : Les gravures du Djebel Ouenat, Revue scientifique, 25 février 1928, p. 106, fig. 61.

10. Léonce Joleaud, Gravures rupestres et rites de l’eau en Afrique du Nord, Journal de la Société des Africanistes, Année 1933, Volume 3, N° 3-1 (pp. 197-282), pp.208-209.

11. Robinson (Arthur Ernest), The Camel in Antiquity, Sudan Notes and Records, vol. XIX, n° 1, 1936.

12. Möller (Georg): Ausgrabung der Deutschen Orient-Gesellschaft auf dem vorgeschichtlichen Friedhofe bei Abusir-el-Meleq im Sommer 1905, Mitteilungen der Deutschen Orient-Gesellschaft (MDOG),n° 30, Berlin, Mai 1906, s. 1-28.

13. Capart (Jean) : Les débuts de l’art en Egypte, Fondation Égyptologique Reine Elisabeth, Bruxelles, 1904,(pp. 182-183 :Chevaux et Chameaux).

14. Schweinfurth (Georg): Über alte Tierbilder und Felsinschriften bei Assuan, in: Zeitschrift für Ethnologie, n° 44, Berlin, 1912 , p. 633, fig. 2.

15. Keimer (Ludwig): Über die Darstellung eines Kamelreiters aus der Ägyptischen Frühzeit, Kêmi, n° 2, Paris, 1929 (pp. 84-106).

16. G.-B.-M. Flamand, De l’introduction du Chameau dans l’Afrique du Nord, Actes du IVème Congrès International des Orientalistes, 1906, II.

17. The Soul-house in Egypt, The Man, 1907, 71, p. 113.

18. Free J.P. : Abraham’s camels, Journal of near eastern studies, n° 3 (1944), p.187.

19. Bulliet (Richard) : Le chameau et la roue au Moyen-Orient, Annales, Économies, Sociétés, Civilisations, Vol. 24, n° 5 , Paris, 1969 (pp. 1092-1103), p. 1094.

20. Aucapitaine (Henri) : Notice sur les Dromadaires ou Chameaux de course des Touaregs (Camelus Dromedarius), Revue et magasine de zoologie pure et appliquée ,27 ème Année, Paris, 1864 (pp. 369 – 375).

21. Ripinsky (Michael) : Camel Ancestry and Domestication in Egypt and the Sahara, Archaeology, New York, Mai/June 1983, vol. 36, n° 3, pp. 21-27 ; Camps (Gabriel) : Garamantes (Article), in : Dictionnaire de l’Antiquité (sous la direction de Jean Leclant), collection : Quadrige, Paris : PUF, 2005 .

22. kitchen (Kenneth), Ancient Orient and Old Testament, London: Inter-Varsity Press, 1966, pp. 79-80 & p. 114-115.

23. Lambert (Wilfred George), The Domesticated Camel in the Second Millennium-Evidence from Alalakh and Ugarit, Bulletin of the American Schools of Oriental Research (BASOR), n° 160 (Dec, 1960), pp. 42-43.

24. Murray (George): Sons of Ishmael, a Study of the Egyptian Bedouin, London: George Routledge & Sons, 1935, pp. 58-60.

25. Epstein (Hans) : Le dromadaire dans l’Ancien Orient, in : Revue d’histoire des sciences et de leurs applications, Année 1954, Vol. 7, n° 3 , (pp. 247-268).

26. Keller (Otto) : Die Antike Tierwelt, Leipzig: W. Engelmann, 1909, p. 253.

27. Cair-Hélion (Olivier), Les animaux de la Bible : allégories et symboles, Paris : Le gerfaut, 2004, p.46.

28. Keller (Werner): La Bible arrachée aux sables, Collection : Les grandes civilisations perdues, Genève : Famot, 1975.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق