تدهور

أكثر ما نخشاه حين نتحدث عن «تدهور» ان تكون هذه ضريبة العمر. لا يعلم أحد متى يأتي السن الذي لا تعود لنا معه قدرة على النظر الى الأمام، متى يأتي السن الذي نحنق فيه على عصرنا ونقول فيما بيننا وبين انفسنا أنه الزمن الرديء الذي يحبل بالأعاجيب. بعض الثوار ضد العولمة يشكون ولا بد من ان أسنانهم المتآكلة لم تعد قادرة على قضم ثمار كهذه. بعض الغاضبين من الموسيقى غير الميلودية خلقت آذانهم لأصوات أخرى.

بعض الرافضين لفن الإنشاءات والفن المفهومي باتت امزجتهم أضيق من ان تتسع لمفاجأة. اما الذين لا يفهمون دريدا فما أدراهم انه يشعوذ ما داموا يتعثرون بأول جملة له. اكثر ما نخشاه ان تكون هذه ضريبة العمر. لذا نحاذر من ان نتهم شتوكهاوزن او دريدا حين لا نأنس بهذا ولا نلحق ذاك. انه عصر آخر نقول وعلينا ان لا نبدو عميا ومذهولين فيه. انه عــصر آخر وعلينا ان نتحمله ما دام عصرنا. هذا حال العالم فهل هذه هــي حالــنا ايضا نحن العرب الذين نغدو أكثر فأكثر في الضواحــي الخلفــية لدنيــا اليوم.ام أن لنا حكاية أخرى.

لا بد أننا في حال ثانية. هل يمكن ان نفكر اننا لم نهرم كأفراد فحسب ولكن هرمنا كأمم وثقافات. هرمنا أم ان الأمر لا يقال بكلمات كهذه. فالهرم صفة من شبوا في يوم، والهرم حادث وليس دائما. اما نحن فما أدرانا اننا عرفنا شبابا وأن الهرم فاجأنا او تدرج الينا كما يفعل ببقية الناس. ما أدرانا ان شبابنا الزائف لم يتجاوز أمس العالم، وأننا لم نولد في الضواحي الخلفية فحسب ولكن في ماض غير محسوب ولا متعين. واننا دخلنا الى الدنيا من غابرها القريب او البعيد.

لنبدأ من البسيط ولنقل اننا توهمنا نهضة بعد قرون على النهضة، واننا صرنا رومانسيين حين باتت الرومانسية آبده منسية، وصرنا سيرياليين بعد افول السيريالية، ولم نشك ان رامبو ولوتريامون من الاحياء. وفكرنا ولا نزال نفكر بالسيمفونية بعد ان توارت وبالطبع كنا بريختيين بعد ان زالت البريختية ولا معقولين بعد اختفاء اللامعقول. كنا ماتيسيين بعد ماتيس وتكعيبيين بعد التكعيب وتجريديين من تجريد ولى. وسنكون كل مرة في اللحظة الآفلة.

هذا بالطبع ليس عاراً. بل انه يطابق مفهوما للتاريخ يقول أننا نعيد، ولو بتأخر مقبول، التاريخ. تواطأ الجميع على افتراض مسار واحد للتاريخ كان الغرب في نهاية حلقاته ونحن في اوائلها. ولأن الأمر كذلك لم يكن في وسعــنا ان نعــرف حاضــرنا فحـسب ولكن ان نتعرف على مستقبلنا في حاضر الغرب. كان هذا يجــعلنا اطفــال الانسانية لا شيوخها. وكان علينا فقط ان نسرع في النضــج وان نكبر قبل الأوان. كاطمئنانـــنا ذلك بالطبــع ولم نقــلق من تأخرنا ولا خجلنا به.

كان علينا ان ننتظر لنسأل مجددا أين نحن، وهل نزال اطفال الانسانية حقا. هل ما زلنا في النهضة. ام على أبواب الثورة الفرنسية.هل نحن عشية ثورة اكتوبر. اما الذي لا نفهمه اليوم بعد ان تخلصنا من هذه السذاجة، لا بفضل النضج ولكن بفضل اليأس، الذي لا نفهمه اليوم ولا نعرف له خبرا فهو الزمن الذي نعيش حقا فيه. ما عدنا نجد سؤالا لذلك ولا ذاكرة بالطبع. هل كنا فعلا في تاريخ ام ان الذي نحن فيه لا يصنع تاريخا. هل مررنا فعلا بالنهضة هل انجزنا الثورة القومية. هل كنا فعلا رومانسيين وسيرياليين وتجريديين. هل مررنا بستانسلافسكي وبريخت ومابرخولد ومينوشكين فعلا. هل صنعنا موسيقى وأدبا ومسرحا وسينما. هل فكرنا بالتأكيد، أم ان ذلك كله كان ضربا من التهريج والتظاهر على أنفسنا. نوعاً من السخرية والتوهم والادعاء البحت. ما لا نفهمه اليوم ولا نستطيع تقديره هو ماذا فعلنا منذ اللحظة التي بدأ فيها وعينا على انفسنا مجددا. لحظة ليست من الأمس القريب ولكنها بالتأكيد منذ اكثر من قرن.

السؤال هو ماذا فعلنا خلال قرن كامل امتلأ دائما بوعي شقي. وعي على التأخر، وعي على التقدم، سكرات واحباطات، سذاجات وعود على بدء، تلاعب على التاريخ ومحاولات قفز الى الوراء او الى الامام. ما هم. ماذا فعلنا منذ اعلن واحد فينا كل لحظة بدء النهضة وبدء المسيرة.

السؤال الذي لا نعرف عليه جوابا أين كنا ما دمنا فقدنا المعيار. اين نحن الآن من التاريخ والتاريخ كما تصوره الغرب وانبرى له مثلا. اين نحن من الغرب. لا نزال نحطب في هذا السؤال ولا نزال نمعن فيه طحناً. اذ كنا نعلن ان لا شيء بعد يساعد على رد انفسنا الى لحظة في تاريخ الآخر، فأين نحن الآن اذا لم يكن لنا تاريخ. الآن نملك تقريبا زمنا غير مسمى، نتبرأ منه ونرفض ان نبدأ به او نبني عليه.

زمنا غير مسمى لا نستطيع ان نجد له اسماً ولو موقتاً، ان نتعرف عليه، اذا لم نرده في السر الى لحظة في زمن الآخر. بدون ذلك هناك الضياع، وهناك الخوف الذريع من فقدان أي علامة او اسم او ماهية او تحديد. هناك بالطبع من يقيسونه على ماض مزعوم فيقولون اننا في الجاهلية. لكن الجاهلية ليست زمنا يسير ويتطور ويتوالد. الجاهلية اسم لما لا يسمى ولا يسير ولا يتفاعل ولا ينتج ولا يتوالد، أي لما لا يتزمن ولا يفضي الى مخرج، الا ان يكون قفزة الى حيث لا يدري أحد.

اذا كنا هنا في هذا الحيز الذي لا وراء فيه ولا أمام. لا مدخل اليه ولا مخرج منه. لا يتطور الى قدام ولا الى خلف. يسير ولكن من يستطيع رصد الاتجاهات، يتحرك ولكن الى أين. يتوالد لكن في أي مكان. يتناسل لكن بأي صنيعة. اذا كنا في هذا الحيز الذي لا نملك عنه خبرا معلوما. اذا كنا في مطرح لا يسعنا ان نباشره ولا نقترب منه الا بالاستعارات والكتابات، انه اللامسمى ولكنه مع ذلك ناجز متوقع. انه مختلط دامس لكنه نهائي. ماذا نقول فيه، اذن. أنقول اننا نتقدم مهما تكن وجهة التقدم. أم نقول اننا نراوح وبالأحرى نتداخل ونتراكب في داخلنا. وبكلمة أخــرى نســتنقع ونركــد وربمـا بعبارة أخرى، نتحلل.

هل يمكن والحال هذه ان نتكلم عن تراجع. نعم تراجع، لا بالكيف وحده ولكن بالكم، هل نكون اسنينا وضربنا العمر اذا قلنا ان لا شيء يؤكد ان الآتي يضيف الى الماضي او ان الأخير يتراكم فيه. هل نكون اسنينا اذا خشينا من ان يكون زمننا نسيانا او كالنسيان، او ان يكون بلا ذاكرة على الاطلاق. هل نكون حمقى ورجعيين اذا قلنا ان كل لحظة تصرف نفسها في موضعها وتترك محمولها هنا، واننا قلما ننقل شيئا الى الزمن المقبل، واننا على ذلك بلا مستقبل على الدوام. هل نكون حمقى ومسنين وضربنا الخرف اذا قلنا اننا نملك ساعة لا تشبه أي ساعة أخرى وانها تسير الى الوراء او الى الأمام بلا فرق.

اذا قارنّا أنفسنا بأنفسنا، اذا استعرنا أي مقياس فهل بوسعنا ان نقول ان موسيقانا اليوم افضل وان مسرحنا افضل وان سينمانا افضل وان أدبنا افضل وأن ابحاثنا افضل. اذا قارنا اليوم بالأمس القريب فهل بوسعنا القول اننا نتقدم، أم ان بوسعنا الكلام عن نوع من تراجع مستمر. عن تدهور بطيئ وبلا حركة وصوت شأنه شأن الاستنقاع والركود وربما التحلل.

{نشرت في السفير في: 18/1/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق