تدور على غير أسمائنا !

بعد 467 عاما على وفاة "كوبرنيك"، توصّل علماء الآثار إلى تحديد رفاته على وجه اليقين، ومن ثمّة إعادة دفنه في كاتدرائيّة "فرومبرك" شمال بولونيا. يوم السبت الماضي 22 ماي / أيّار المنقضي، جرى الموكب الجنائزيّ الرسميّ داخل الكاتدرائيّة  لـ"نيكولا كوبرنيك" الرياضيّ والطبيب والفلكيّ البولونيّ الذي نقض فرضيّة "بطليموس" في مركزيّة الأرض وسكونها، وكان قد مات قبل أن تلقى نظريّته التصحيحيّة الرواج المناسب، ليُدفن، على عجل، سنة 1543 تماما كسائر المغمورين أو الهراطقة الذين انغلقت عليهم قبور بلا شواهد.

الموكب الجنائزيّ الذي جرى منذ أيّام في بولونيا، كان تتويجا لرحلة بحث واقتفاء لرفات "كوبرنيك" بين أجداث كاتدرائيّة "فرومبرك" بدأها منذ قرنين بحّاثون في علوم الآثار، لتنتهي على طريقة الأفلام البوليسيّة.

في البداية، توصّل أحد الأثريّين إلى جمجمة شكّ في نسبتها إلى كوبرنيك، فاستعان ببرمجيّات حاسوبيّة وضعت فرضيّات متطوّرة للجمجمة. هذا الأمر قاد إلى وجود مشابه بين صور الحاسوب وبين بعض البورتريهات المخطوطة للفلكيّ. على أنّ القطع بالنتيجة استلزم صدفة هي خير من ألف ميعاد. كان لا بدّ من التوصّل إلى شَعرتيْن لـ"كوبرنيك" ترقدان في صمت وإهمال بين صفحات كتاب مرجعيّ لازم الفلكيّ البولونيّ طيلة حياته، هو كتاب (  Calendarium Romanum Magnum  ) لـجوهان ستوفلر (  Johannes Stoeffler  ). رحلة البحث عن هذا الكتاب قادت إلى العثور عليه في خزائن مكتبات سويديّة. لقد كان الكتاب المقصود قد استولى عليه السويديّون أثناء حروبهم مع بولونيا في القرن السابع عشر !

وبمقارنة بسيطة بين الحمض النوويّ في سنّ عالقة بالجمجمة الموجودة وفي الشعرتيْن الراقدتيْن في الكتاب كان اليقين بأنّ السنّ والشعرتيْن لجمجمة لكوبرنيك !

وكان من اللاّفت أنّ الرفات، وقبل أن ينام نومته الأخيرة، قد جاب المدن المحيطة والقريبة التي شهدت خطى العالم الجليل أثناء حياته. والأهمّ من كلّ ذلك هو ما لقيه الموكب الجنائزيّ، عند مروره بكنائس الجهة، من ترحاب واعتراف وصلوات، في سياق مراجعة جريئة لإدانة بابويّة سابقة لـنظريّة "كوبرنيك" بتهمة مخالفة تعاليم الكنيسة !

 بعد الاطلاع على هذا الموضوع والوقوف على "نهايته السعيدة" حضرني مشهد جنائزيّ آخر، مشهد حزين هذه المرّة. لقد أثار هذا المشهد النبيل من الاعتراف والمحبّة مشهدا آخر، وهيّج لي أشجانا أندلسيّة جرت بين عدوتيْ المتوسّط منذ أكثر من ثمانية قرون. ذلك هو مشهد رفات أبي الوليد ابن رشد ( المتوفّى سنة 1198 م = 595 هـ )، وهو يشقّ طريقه من مرّاكش، ويتّجه شمالا نحو مسقط رأسه في قرطبة.

كان ابن عربيّ صاحب "الفتوحات المكّية" الشاهد على الموكب الجنائزيّ الحزين حين كتب: "ولمّا جُعِل التابوت الذي فيه جسده ( يقصد جثّة ابن رشد ) على الدابّة، جُعِلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب ابن جبير، كاتب السيّد أبي سعيد، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السرّاج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال: ألا تنظرون إلى من يعادلُ الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام وهذه أعماله – يعني تواليفه ! فقال ابن جبير: يا ولدي. نعم ما نظرتَ ! لا فُضّ فوك ! فقيّدتها عندي موعظة وتذكرة…"

دفن ابن رشد في مرّاكش، وبعد ثلاثة أشهر نبش عن قبره ليُرحّل مع تواليفه صوب بلاد اللاّتين، إلى قرطبة، وحينما شقّ الموكب الحزين مضيق جبل طارق، كانت الحكمة "الإسلاميّة" التي عرفت مع ابن باجه وابن طفيل وابن رشد عصرها الذهبيّ في إسبانيا بالذات – قد ودّعتنا إلى الشمال حيث تبدأ دورة جديدة، وتُبعث بعثا آخر تكون فيه أساسا من أسس الحداثة الأوروبيّة.

 منذ يوم السبت 22 ماي / أيّار 2010 ينام "كوبرنيك" في قبره هادئا، وليس أدعى لراحته من هذا الاسترجاع "القانونيّ" لهويّة افتقدها طيلة نحو خمسة قرون، فضلا عن سلسلة من المراجعات والاعترافات من قبل الفاتيكان تجاه ضحايا محاكم التفتيش الكنسيّة، وبعد ثمانية عشر عاما من حركة رمزيّة مماثلة تجاه غاليلاي، وكان قد تعرّض، بدوره، إلى الاضطهاد بتهمة الضلوع في الثورة الكوبرنيكيّة.

 أمّا أبو الوليد ابن رشد أو أفيرواس (Averroès) كما صار يسمّى فأشكّ أن يكون كذلك في قبره. الذاكرة معطوبة. والأرض، عندنا، تدور على غير أسمائنا، ثابتة منبسطة، والشمس وحدها الجاريةُ طالعةً وغاربةً! ( * )

 

 

  * انظر فتوى الشيخ ابن باز في تكفير القائلين بثبوت الشموس ودوران الأرض في "الأدلّة النقليّة والحسّية على إمكان الصعود إلى الكواكب وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض".

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق