تدوينات عن اسواق بغدادية

في بغداد يصعد الوقت على هاوية من لهب، يهبط التاريخ إلى حضيضه في نهر من دماء… لا رياح تهب من الجهات إلا ريح الصحراء ورملها القادم من أرباع خالية أو مفازات تحيط بمدن الأمس، من بادية الشام والصحراء الغربية وبادية السماوة ..الريح الحمراء لا تكتفي بالرمل الذى له لون جسد محمص في الحريق، إنما تجرف في دوامتها لون الدم ولون الفحم من بقايا تفجيرات يوم الخميس وظهيرة الجمعة وصبيحة الأحد وغسق الأيام الأخرى التى لا أسماء لها إلا بما اجتاحها من موت أو دهمها من جنون .. ساحة بعد أخرى تُعلَن في ميراث الألم ملكا للموت على وقع هدير طائرة أو زحف دبابة مارينز أو انفجار حزام ناسف ربط بجسد لذته موت ومتعته إماتة وتاريخه سيف وغزوة وامراة سبية وعدو ذبيح.

السوق في بغداد لم يعد للبيع والشراء وتبادل السلع والمساومات التي عادة ما تديرها النساء المحنكات وهن يقلبن البضائع أو يتظاهرن بالزهد فيها. الأسواق التي لها هويات باعتِها وروائح أجسادهم وألوان سحناتهم… الاسواق للسأم من وفرة الموت. أمكنة تغوي بالإبادة والسواد وإدامة المقابر وازدهار اليتم والترمل…

الأسواق للرحيل المضمون إلى الآخرة. هرج الضحايا يخرسه الناسف بحزامه وانحطاطه في كراهية جنسه. هو لا يفتك بعدو كما تدعي إيديولوجيا المناورين على أثير الفضائيات، بل يصطاد الحمالين وباعة البقدونس والنعناع وبائع الشاي لعمال الفجر الحاملين معاولهم وجوع الليل.
يقتل باعة الملابس المستعملة الذين يبيعون بضاعة المهانة لمن انحدروا من الطبقة الوسطى إلى ما تحت خط الفقر. يقتل بائعة الخبز التي تحيي الليل أمام تنورالخبز تعد أرغفة لأمثالها من معدمي المدينة وجياعها. يقتل بائع السمك وبائعة المخللات والصبية العمياء التي تبيع البخور. يحكم المهاجم صيغة النهاية. يداعب الزر الصغير منتشيا بموته الوشيك مع ضحاياه. يحكم تسديد الموت على بائعة المكانس وناسجة البسط الملونة وخياط العباءات وبائعة الطيور. يسوق موتا شهيا يمنحه اللذة في مشهد نثار الأشلاء وهي تلتصق على الجدران وبوابات الحديد.
لعله لبث يتربص بالسوق منذ أسبوع أو أقل أو أكثر. لربما كان يحسب احتمالات الضحايا ويجدها أدنى مما يرجوه باعة الأكفان وصناع التوابيت، وأقل مما ينبغي لدخول الفراديس. لذا كان عليه أن ينتظر نهاية أسبوع أو بداية نهار مزدحم برغبات المتسوقين ومحتشد ببائعات مراوح السعف وباعة البنزين ومروجي حبوب الهلوسة ومهربي الأدوية المسروقة من المشافي، أن يضع في حسبانه صغار المتسولين الذين لفظتهم المدارس منذ ولدوا تحت طالع الحصار وكوكب المجاعة وبرج الانحطاط السياسي، أوالصبيان الذين سرقت السنوات الأربع تحت الاحتلال أعمارهم وآباءهم فسرقوا إذ أباح الغزاة بلادهم…
هنا في السوق البغدادي قاتل وسارق ومدمن حشيش. هنا في السوق، يندثر البلد وتتلاشى معالم الحياة لتقوم فوق الركام سلطة الخراب الشاسعة التي يغذيها سادة الموت وقوات الاحتلال والمقاتلون من كل جنس وبلد، وهم يبيدون الفقراء والجياع ويتكفلون بإنقاذهم من العوز والجوع بارسالهم إلى موت ميسور/ مخصص لهم وعلى مقاسات تناسب مقدار أوجاعهم وعذابهم…

القاتل المتأهب لموته بقدر ما يتأهب لإماتة الآخرين، يتحسب لكل هذا وتجتاح النشوة جسده المظلم المبرمج على اعتناق الموت ومعاداة الحياة. يدرك أن ميعاد اللذة العظمى قد أتى، فيرجف فمه مثل من يحلم بعناق حبيبة. يعد الحشد في السوق المستهدف وينتشي، هو الذي لا يرضى بأقل من مائة ضحية أو تزيد وثلاثمائة جريح ومحترق باللهب وما يتبع ذلك من مئة وعشرين أرملة تضاف إلى أرامل الحروب السابقات وما لا يقل عن اربعمئة يتيم حصيلة مفخخة واحدة…
1

سوق الصاغة هجره الحرفيون البارعون من المندائيين، قدامى أهل البلاد وانطفأ شرر الكور ورائحة المعدن الساخن والنار تجلوه فضة كان أو ذهبا عيار أربعة وعشرين قيراطا، كما غابت تلاوين رسوم المينا عن الأساور والخواتم والعقود والسلاسل وتوارت الخزانات الزجاجية المضاءة ببريق ألف تحفة من خلاخيل ودبابيس بأ شكال أفاعي وأسنان ذئاب مختومة بالتبر والفيروز وجواهر من لؤلؤ وياقوت وماس. ما عاد أحد يرسم نخلة على أسورة ولا أسد بابل على خاتم فضة أو يزين بالعقيق أزرار قميص العريس وطاسة الحمام بشذرات الفيروز وليس من صائغ يحبك سير ذهب على قبقاب الحسناء المدللة ويصوغ لعباءتها الحرير ورودا وقياطين من خيوط ذهب، تتلامع فوق صدرها، تختال بين الرياحين وشجر الياسمين في روضها المطل على دجلة ـو تتراءى شبه طيف وراء النوافذ ذات الشناشيل والزجاج المعشق بألوان عشب ونار…

هجر الصاغة مشاغلهم وتوارت حسان الرصافة وفاتنات كرخ العباسيين وحجرعليهن في بيت المخاوف. ليس من إيقاع يرنم خطوات الإنسان على الأرصفة. لا أحد يعرف أين الطريق الممزق بالعبوة الناسفة وأين الرصيف المكبل بالأسلاك ولافتات النعي وكتل الإسمنت وشارات
التحذير. اختلطت الخرائط وتهاوت الأسماء وتساوت الأقدار أمام حاكم البلاد الأوحد: الموت.

2

سوق “الصفافير”، سوق “النحاس”، خلا من صانعي النحاس ومزخرفيه وباعته لم يعد كما تعرف ذاكرة المدينة المخلوعة الفؤاد. أين الضجيج المنغم على ايقاع المطارق؟ أين رائحة الطلاء المبيّض وعبق الرماد المطفأ والنحاس المخرم والقصدير الذائب؟ ماعاد هنا أولئك الحرفيون الوارثون من عهد هارون الى عصر المفخخات. هُجرت المشاغل والدكاكين ولبثت برادة النحاس وعبق المياه الثقيلة تتسرب وسط السوق العباسي، وتلتمع بانعكاسات شبكة من خيوط الضوء والظلال. كل شيء موصد على قنوط والأجساد تلوب فى المدى الساخن وتبلغ الحرارة في الظل خمسا وخمسين درجة مئوية…

كل شيء هنا مشارك في المأساة: الشمس وافتقاد الكهرباء وشح الماء ووفرة الموت وطوفان الدم و حجر النساء في المحرمات الوافدة من طالبان وغيرها… أين صواني النحاس المطلسمة بالآيات والزخارف؟ أين الأقداح المطروقة من برونز ونحاس؟ أين الاباريق المفضضة والمباخر والمساخن وعدة القهوة وملاقط الجمر؟

هنا ما عاد أحد، ماعاد فن. ما عاد توق إلى شيء أو رغبة باقتناء الجمال. تفرغ الجزء الأكبر من البشر الأحياء لمهنة الخوف من الجزء الآخر المهيمن بسلاحه، والمحترف مهنة الموت وتدمير الجمال وأوصدت الاسواق بوجه الرغبات الانيقة، فلا أحد يبحث عن إناء بزخارف عباسية أو يروم شراء عباءة مطرزة بأبيات غزل من شعر أبي نؤاس أو أمثال الاصمعي…

3

في السوق الكبير، سوق “دانيال”، ذبلت أشرطة المخرمات والأزرار المنحوتة من عظام السلاحف والأصداف لتزين ثياب السيدات البغداديات في أعياد الربيع ومهرجانات الموسيقى وتدلت من سقف السوق المعقود بأسلوب البنائين العباسيين حبال و أسلاك كهرباء معطوبة وأوصدت المغازات الكبرى أبوابها على حسرة الحرير والموسلين والكشمير والغيبور الفرنسي، وامتد الحزن من التماعة الساتان إلى رفيف الدانتيل. مات الجمال واكتسى المساء برماد الحريق… نامت الفتنة في الصناديق المهجورة منذ أول الحروب وغادرت الأغاني بيت المقامات إلى ماوراء بلاد النهر خشية أن يذبحها الصمت وانتبذت النساء أمكنة غير منظورة لعل الفاتكين يضلون السبيل إلى عطورهن… أو لعل الذين استبدلوا عداوة الغزاة بقهر النساء، يخطئون ويلقون ماء النار على دبابة أو فصيل مقاتلين يتربص بالعابرين من وراء الدروع…

النساء غدون أشباح المدينة الزائدة عن اللزوم. لا مكان لهن في الحياة والشوارع والمنتديات التي تحولت إلى مجالس لترويض العقول وتدجين الخرافة في الرؤوس وتكبيل الأجساد بعلامات التحريم وإشارات الانتماء إلى فئات أو جماعات محددة. النساء ماعادت لهن أمسيات التسوق في حي المنصور أو الكرادة أو الأعظمية أو سوق الكاظمية. النساء تراجعن وتردت أوضاعهن الى منتصف القرن التاسع عشر، واحتجبن في البيوت مرغمات على التخفي وإنكارالنفس وإذلال الجسد بما يحوله إلى رهينة لأحكام التشدد. فالقائمون على تطبيق التعاليم لا يرون من النساء غير عورات ينبغي سترها وغير أجساد يتوجب ‘زاحتها من المشهد اليومي وغير كائنات لا أدوار لها في مجتمعها ولا موقع لهن في اثراء الحياة بالابداع والفن. لا قيمة لحاملة الدكتوراه أو االباحثة في علوم الفيزياء أو المتخصصة في علم الاجتماع وعلم النفس. كلهن لا أدوار لهن غير تقديم المتع وزيادة النسل وإدامة نار الموقد وطاعة ولي أمر وقبول المرتبة الـدنى بين الخلائق. لذا ما عاد القميص المطرز يُشترى ولا السراويل الأنيقة تبتاعها البنات. فقد حجر على اجسادهن الفتية في الجلاليب الواسعة وحجر على عقولهن في زرائب القمع. ليس لهن أن يتألقن في قصات الشعر ولا في تصاميم الثياب. غدون مسلوبات الفرادة متشابهات في التخفي متماثلات في الصمت، منتميات إلى القطيع الطائع المطوّع اكراها لسلطة الذكور الفاتكين. لا أسواق لمن كن يذهبن بعد الساعة الرابعة إلى كافيه الحمراء في حي المنصور أوالجادرية. فقد تكفل المتعصبون بتفجير كل محلات اللقاءات الإنسانية من مطاعم راقية ومقاهي وكافيهات ومحلات بيع الكيك والمعجنات. ماعادت السيدات يشترين اللازانيا وصفيحة اللحم ولفائف الجبن ومنّ السما والبقلاوة من محلات “الحمراء” و”الياقوت” و”الخاصكي” لأن المتعصبين قاموا بإجراء ما لزم من تفجير وإحراق وتدمير، وما عادت الصبايا يبتعن كعك عيد الميلاد والشطائر… فكل سوق في بغداد صار وصمة حضارية يتوجب تحريمها وتدميرها

أين ترتدي الآنسات ثياب العيد أو قمصان الدراسة أو فساتين السهر؟ ومن أين تأتي النساء بالعباءات المرسومة شعرا والشالات التي ترش حكايات العطر على الأرصفة والطرقات؟

أغلقت المتاجر ونسفت مشاغل الرسامات والرسامين ممن يتعاطون الرسم أو نسج الثياب الراقية وماتت التصاميم على الورق أو لبثت مسمرة بالدبابيس على الجدران، مثلما سُمرت النساء على مرتبة الغواية وحدها في عصر ديموقراطية الموت الميسور..

4

سوق الشورجة القلب التجاري لبغداد القديمة. سوق التوابل والحرير والعطور والبخور والـعشاب. سوق الأزرار والبلور والأصباغ والأبازير والبقول وقمر الدين وماء الورد والقراطيس والأقلام وا لمخرمات والأساور والخواتم والحناء والأصماغ و الغلال والمكسرات تعرض للحرق أربع مرات أو فجرت فيه عبوات واحرقت اسلاك كهربائه فانقضت النيران على المخازن واستوى في الخسران تجار كبار وباعة صغار.

هو سرة الاقتصاد ومجمع التجارة، تقصده أفواج من تجار المحافظات والبلدات كل يوم ، وتقاس حركة العملات وانتعاش الإقتصاد بدوام هذا السوق وازدهاره وتواصل البيع والشراء بين متاجره العريقة ومخازنه المحتشدة بما تستدعيه الأعياد والمناسبات والأعراس وكل حيثيات الحياة الانسانية. هو سوق يعزز التقاليد ويديم بهاء الأعياد وحفلات الأعراس ومهرجان ختان الصبيان، مثلما تشترى منه شموع العرس والنذور والبخور وكل متطلبات الحياة وما بعد الحياة من مآتم ومجالس عزاء…

هبت فيه نيران كراهية العراق وشهوة تدمير البلاد، واتت بلهبها على كل حبة قرنفل أو حفنة فلفل أو كيس حناء العروس وفي تعالي النار وسط سقوفه العباسية العتيقة، كانت روائح وأشذاء وعطور تنفلت من أسرها في الزجاج أو حجبها في القوارير وتعلن للموت أن الحياة ستمضي قدما بسوق أو من دونه، طالما الأرض تنبت كل غلال البقاء.

بعد أيام من الحريق وذوبان الأسلاك وبوابات الحديد واللدائن واحتراق البخور وتحول العطور إلى أبخرة، يتراءى لشارع الرشيد أن الحياة استعادت بهاءها وأن جميلات بغداد يخطرن بالحرير والموسلين، بالعباءات المهفهفة والشالات، وتتراقص المباهج بين ضحكاتهن والحدقات التي استغرقها الكحل العربي والقامات التي تتبختر في الفساتين أو تتماسك تحت العباءات…

ينخدع السوق بروائح فنائه ويخيل لبقاياه ومداخله المنهارة أن الغد قد أطل من كوة جامع مرجان أو تراءى من نوافذ البنك المركزي أو تماثل للشفاء وهو يلوح بمناديل الحرير من مدخل سوق التجار. تنبعث مرة أخرى روائح الطبيخ البغدادي محمولة في “السفر طاس” عند ظهيرات الصيف بين ممراته… تتراءى الحياة من وراء دجلة أو تنبثق من ضوء منارة أو تنهمر من تقوس هلال في الأفق البعيد وسط دخان الحريق الذي قد يكون الأخير كما تتشهى الحياة…

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق