ترافق نزعة التوحيد الإلهي مع اتجاه المركزة السياسية

لقد أدت موجة الهجرة السامية الآتية من شبه الجزيرة العربية، حوالي العام ( 000 3 ق.م )، إلى الهلال الخصيب، لجعل هذا الأخير بؤرة للفعالية الحضارية المركزية للشرق الأوسط.

استطاع أولئك الرعاة الاستفادة من التنظيمات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية التي أنشأها السومريون في وادي الرافدين، بعد العام 4000 ق.م. ويبدو أن هؤلاء الأخيرين الذين كانوا بارعين في تلك المجالات، ما كان بإمكانهم مقاومة امتلاك الوافدين الجدد لعوامل وفعاليات كانت مفتقدة لدى السـومري المترف في مراكزه الحضارية المدينية، المنعزلة والمنفصلة سياسياً عن بعضها البعض: نقصد الشكيمة العسكرية والسياسية التي تفوّق بها أولئك البدو القادمون من الجنوب.
يلاحظ ترافق عدم توحد المدن السومرية السياسي مع حالة تعدد الآلهة، إلى درجة نجد أن هذا التعدد ليس تعبيراً، فقط، عن عناصر الطبيعة المتفرقة، و إنما، أيضاً كان مرتبطاً بوجود آلهة خاصة تكون بمثابة حامية أو راعية للمدينة السومرية (الإلهة “إنانا” حامية مدينة “إريخ” مثلا): فالتعددية في المنظور الكوني كانت متلازمة مع انعدام الوحدة السياسية. وربما، كانت حالة التنافس السياسي بين هذه المدن، و الناتجة عن عوامل اقتصادية، أساساً لتحول الآلهة إلى الوضع الصراعي، وربما كان هذا تعبيراً، أيضاً، عن عدم وصول الذهن البشري إلى مستوى إنشاء نواظم قانونية موحدة لعناصر الطبيعة وظاهراتها المختلفة.

إن إنشاء الدولة المركزية الموحدة لبلاد الرافدين، من قبل الأكادي السامي سرجون الأول عام 350 2 ق. م (استمر حكمه 45 عاما)، والتي تابعها العموريون في بابل عام 000 2 ق. م ثم الآشوريون في نينوى – لم يكن تعبيراً، فقط، عن ضرورة الإشراف الموحد على وسائل تنظيم الري، وإنما، أيضاً، عن ميل البدوي إلى اعتبار الطبيعة فراغاً امتدادياً، يجب ملؤه من قبل الفعالية الإنسانية التي تستظل بالرعاية الإلهية، مما يؤدي إلى جعل الإنسان ظلاً وامتداداً للّه على الأرض. الشيء الذي يفترض، حكماً، وجود كائن ناظم وموحد لعناصر الطبيعة الكونية، يُجريها، وفقا لتقدير محدد، في إطار وظيفي غير قابل للاختلال والفوضى، ويكون الإنسان، من خلال فعاليته الموهوبة من اللّه، هو الوحيد القادر على الاستفادة القصوى من تلك الوظيفية الطبيعية المنظمة إلهيّاً.
لم يتم الوصول إلى التوحيد الإلهي، بشكل مباشر وتلقائي، وإنما عبر عملية زمنية طويلة كانت ذروتها معمردوخ البابلي وآشور، وكانت نقطة انطلاقها هي الحاجة لتجاوز الفوضى السياسية والمفهومية التي كانت سائدة لدى السومريين، الشيء الذي تحقق من خلال انجاز بناء الدولة المركزية الواحدة ووضع قانون واحد منظم لظاهرات الطبيعة في إطار كائن متعالٍ كونياً: وهنا، نلاحظ أن هاتين العمليتين قد كانتا متلازمتين، وربما كانت الأولى هي التي تقدم تفسيرا لنشوء الثانية، خاصة إذا أدركنا أن نموذج الحكم السياسي كان يقوم إما على تأليه الملك أو على وضع أصل إلهي، يُصاغ بهذا الشكل، أو ذاك، له.

وهذا ما يؤكده واقع ترافق نشوء عملية التوحيد الإلهي مع وجود حالة إنتاجية شديدة الفعالية، تتوق للسيطرة الإنسانية على مجالات الطبيعة والمجتمع، وغالبا ما تكون متلازمة مع ميول حربية عنيفة ونزوع إلى التحكم السياسي الشمولي. وليس صدفةً، تعارض التوحيد الإلهي مع النزعات التجزيئية التي تميل إلى فصل المعرفة عن الممارسة، وتوافقه مع التركيبية التي لا تفصل الفلسفة أو الرؤية الكونية عن السياسة ومفهوم العمل.

وقد أتاحت حالة العطالة السياسية – العسكرية التي كانت تعيشها المراكز الطرفية المتاخمة للهلال الخصيب، مثل مصر المنشغلة بعملية التوحيد الداخلي وبناء أجهزة الدولة التي استغرقت الفترة ما بين 100 3 ق.م إلى بدايات المملكة الوسطى حوالي 902 1 ق.م، أو فارس التي كان يحاول وافدوها الهندو – أوروبيون الآتون من الشرق تأسيس بدايات الحضارة الزراعية، أو آسيا الصغرى التي لم تستطع امتلاك الفعالية الحضارية إلا في الألف الثاني – أقول، إن هذه العطالة قد أتاحت للأكاديين بناء الدولة المركزية وتأسيس المفاهيم، في جو من السلام الداخلي وانعدام التهديد الخارجي، مما جعلها عملية خصبة النتائج وغير خاضعة لمنطق رد الفعل، وجعلها، أيضاً، تتم في إطارها التكاملي الذي جعل أبعادها الميتافيزيقية والسياسية والإدارية والعسكرية (المتمثلة في السيطرة على سورية الطبيعية) تتكامل في فترة زمنية قصيرة، لتصل إلى ذروتها مع الأكادي “نارام سن” (170 2 ق.م).

2
يلاحظ أن التوحيد الإلهي قد نبع من منطقة الهلال الخصيب خصوصاً، ومن آسيا العربية عموما: وربما، كان هناك ارتباط بين فكرة المركز الذي
كانت تشغله هذه المنطقة، جغرافياً، في وسط و قلب العالم القديم، وبين نشوء التوحيد الإلهي فيها. أي بعبارة أخرى، إن المركز (= الوسط) الجغرافي للعالم القديم هو الذي ولّد فكرة التوحيد التي تعني وجود كائن أعلى يمثل مركزاً كونياً للعالم المتعدد الظواهر، والذي يُجريه ويدبِّره ويسيطر على مجراه وحركته ومصيره.

وهنا نلاحظ أن الرسالات التوحيدية، غالباً، ما تترافق مع نزوع إلى السيطرة الجغرافية المصحوب بإحساس الفاتح بأنه صاحب رسالة عالمية، والملفت للنظر، أن النزعات الفكرية والميول السياسية والعسكرية التي كانت تولدها هذه المنطقة (أي الهلال الخصيب) كانت تتجه إلى الجمع والضم والتركيب، و بالمحصلة إلى الوحدة والتوحيد، بينما التهديدات الخارجية والاختراق الطرفي (= مصر و فارس) كانت تؤدي إلى الثنائية والتشظي والتجزء، ليس فقط على صعيد الجغرافيا والسياسة، وإنما أيضاً بما يشمل بنية الأفكار والرؤى الفلسفية والدينية.

3
هناك ترابط في الأديان التوحيدية بين الرؤية الميتافيزيقية، أي رؤية الله ودوره في تدبير النظام الكوني والطبيعي والبشري، وبين الرؤية السياسية، وهو ما ينطبق أيضاً على الأديان الثنائية، أو غير التوحيدية، التي تميل أكثر نحو تصور أرسطو لـ”المحرك الأول”، الذي أوجد العالم وفق علمه وتقديره ثم تركه لقوانينه الذاتية: يلاحظ هنا أن كل هذه الأديان، توحيدية كانت أم لا، تنطلق من مسلمة وجود فراغ كوني- طبيعي، يكون ميداناً لفعالية “ما”، طرفاها هما الله والإنسان، حيث نجد أن حدود الفعالية المعطاة لأي منهما هي التي تحدد مقدار فعالية “الآخر” وموقعه الوظيفي ودوره الوجودي. وفي هذا المجال، مثلاً، نلاحظ أن النظرية المعتزلية حول “تنزيه الله” عن الصفات، أو تلك المعاكسة المتمثلة في النظرية الجبرية الأشعرية حول “تثبيت الصفات”، والتي تعطي الله حضوراً امتدادياً دائماً في العوالم الكونية والطبيعية والبشرية – لا تكونان مقتصرتين على تقديم تصور لاهوتي محض، وإنما تمتدان من خلال هذا التصور، كأساس انطلاقي، نحو تقديم نظام معرفي يشمل مجالات الحرية الإنسانية وحدودها ومفهوم “الإرادةّ، وتصور “العمل”، و”شكل نظام الحكم السياسي”. وهو ما نراه أيضاً عند سيد قطب لما انطلق من نظرية إفراد الله بـ”الحاكمية” لتقديم نظريته السياسية التي تأتي من “إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان” (“معالم في الطريق”، مكتبة وهبة، القاهرة 1964،ص 64).

4
هل يعني هذا أن الأديان التوحيدية تكون دائماً غير تعددية في رؤيتها للسياسة، والعكس صحيح، من حيث أن الأديان الثنائية أو التعددية تتيح مجالاً أكبر، كفضاء وكإمكانية وليس بالضرورة كتعاليم أو كإرادة، لإقامة مجتمع تعددي سياسياً؟

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق