تربية مدنية / سناء الجاك

تربية مدنية / سناء الجاك
خلال مؤتمر لـ”اليونيسيف” عقد في بيروت الاسبوع الماضي، لم يجد التلاميذ حرجا في الاعتراض على مادة التربية التي “يصعب فهمها” في المناهج التعليمية اللبنانية. طارت جهود الكبار الذين اجتهدوا ليضعوا محاور هذه المادة للصفوف الابتدائية على وزن “الفرد والجماعة والمجتمع” او “الحياة المشتركة والمحيط المباشر” او حتى “الحقوق والحريات”. هم انفسهم لا يصدّقون ان ما خطّوه على الورق سوف يؤدي الى “تنمية شعور الطفل بشخصيته وهويته واحترام ذاته وتعويده تحمل مسؤولية اعماله”.

التلاميذ قالوا انهم يدرسون ما يسمح لهم بالنجاح، ليرموا ما درسوه بعد الامتحان من ذاكرتهم. هم لا يصدّقون هذه “المادة المملة” كما وصفوها، لأنهم ببساطة يعايشون عكسها ويعيشون عكسها. فالغربة كانت سائدة في القاعة التي جمعتهم. اطفال كل مدرسة بحسب انتمائها المناطقي والطائفي، انعزلوا في دوائرهم ولم يتقرب بعضهم من البعض. كل مجموعة محروسة بأساتذتها، تبارت مع المجموعات الاخرى لتظهر للحاضرين انها الأفضل. كل مجموعة كانت تعرف يقينا ان في خارج القاعة من يمعن تنكيلاً في فحوى النصوص التربوية. حتى ان بعض الصغار، او غالبيتهم، خاضوا لعبة الكبار الاستعراضية. لكأن كل مجموعة كانت تقول للآخرين: تربيتنا افضل من تربيتكم. فهم لا يملكون الحوافز ليفتحوا شبابيكهم على “الحياة المشتركة”، التي يعتبرونها نكتة بائخة. اما الحقوق والحريات والفرد والجماعة والمجتمع فهي عند غيرنا وليست في بيتنا. لذا هم يفضلون لو ان الوقت المخصص للتربية يمكن الافادة منه في الرياضة مثلا، او في الرسم او الموسيقى او الغناء. لا يصدّقون ان “بصم” هذه المادة يؤدي الى تحقيق الوحدة و”الانصهار” الوطنيين المؤمل تحقيقهما عبر المناهج التي وضعت لتطبيق اتفاق الطائف.

لتأكيد هذه الورطة التربوية، فقد اظهرت دراسة كانت اعدّتها الدكتورة مهى شعيب وشملت عيّنة من التلاميذ المراهقين، ان الشرخ قائم على مستوى مفهوم الانتماء الوطني، وان منسوب الولاء للطائفة والأحزاب الى ارتفاع. فالجيل الصاعد يولي ثقته لأهل ملته ولا يثق بمن ليس من دينه. والسبب غياب اي برنامج او خطة لتعزيز الوحدة الوطنية والاجتماعية في معظم المدارس الرسمية والخاصة، واختصار مادة التربية المدنية في التركيز على المعلومات وليس على تطوير المهارات. كما بيّنت الدراسة ان للمدارس دورا سلبيا في تعزيز الوحدة والانصهار.

باختصار: الاطفال لا يحبّون التربية ولا يحبّون بعضهم بعضاً، ويرفضون الآخر لأنه ليس مثلهم. لم يعلّمهم احد ان الحب تربية وتعليم.

الامر ليس غريبا، ففي حين يدرس بعض التلاميذ ان اليهودية آن فرانك لا علاقة لها بالصهيونيّة واغتصاب فلسطين والنزاع العربيّ – الإسرائيليّ، وانها وعائلتها ضحية النازية والعنف والحقد، يدرس تلاميذ آخرون ان سيرة مثل هذه الفتاة ليست سوى “قصة مفبركة” ووسيلة للتطبيع مع العدو الاسرائيلي. مجرد سردها خيانة ومؤامرة على الصمود والمقاومة. أكثر من ذلك، فيها قلة احترام وتطاول على سير الشهداء.

على فكرة، نحن لا نتحدث عن شهداء ساحة البرج وجمال باشا. هم ليسوا على الموضة، ولا نعرف ما اذا كانت الرحمة تجوز عليهم. والى أن يتم الاتفاق على كتاب تاريخ موحد، لن يعرف اولادنا من غزا بلادنا وترك آثاره محفورة على صخور نهر الكلب.

اما ماذا يفعل كتاب التربية ليحل مثل هذا التناقض بين رؤيتين من خلال “الانصهار والقبول بالآخر والعيش المشترك”، فلنسأل الاطفال لنرى من أين يدخلون الى “الحياة المشتركة” ما دام اولياء امورهم التربويون عاجزين عن منحهم كتاب تاريخ موحداً، ليس فقط عما يجري في بلادهم، ولكن الخلاف على ما يبدو قد توسع ليمتد الى تاريخ الآخرين المصنّفين سلفاً. تلاميذ لبنان لن يعرفوا ما اذا كانت الاحداث التي عاشها اجدادهم ويلات أم انتصارات!.

اي تربية ستحول دون تحوّل العالم خارج الصفوف متاريس تتقاصف حول حقيقة ادونيس وعشتروت او قدموس وشقيقته اوروبا او أليسار وجلد الثور الذي لا يزال معتمدا للقياس. اما عروبة لبنان فيجب ان يعرف التلاميذ مربط خليها ومذهبها وفلسفة استخدامها عند الانعطافات الحادة، في حين ان فينيقية لبنان مشكوك في حسبها ونسبها؟!

الاساتذة اقرّوا بأن التربية في المناهج وفي الشارع تحتاج الى مساندة. اكثر من ذلك، هي تحتاج الى اسعافات أولية قبل الخوض في غمارها. وقد يأتي يوم غير بعيد تُسحَب فيه مادة التربية كما سُحب كتاب التاريخ الموحد من المناهج، لأنها يمكن ان تزوِّد التلاميذ معلومات سجالية.
قد يكون اتخاذ مثل هذا القرار هو الحكمة في عينها، فالتربية التي تنص “الجريدة الرسمية” على انها ترمي الى “الانصهار الوطني” طلعت “Out”

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق