تركيا: أية سياسة خارجية ضد النزعة العسكرية؟ إحسان داغي

في طريقها إلى الانتخابات العامة الجديدة، تشهد تركيا نقاشاً حول السياسة الخارجية أيضاً، وذلك من خلال موضوعات كالعملية العسكرية المحتملة في شمال العراق والعلاقات مع الولايات المتحدة ومستقبل عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بل إن بعض المحافل تذهب إلى اقتراح تغيير جذري في اتجاهات السياسة الخارجية التركية، وثمة جنرالات متقاعدين من المراتب العليا في الجيش يقترحون التحالف مع روسيا والصين بدلاً من الغرب وحلف شمال الأطلسي. إن الأمر المهم في السياسة الخارجية هو التوجه الأساسي، الأهداف والإستراتيجيات العامة، لأن هذه لا تنطوي فقط على المواقف والسياسات الموجهة إلى “العالم الخارجي”، بل تحدد، كذلك، العلاقة بين الدولة والمجتمع في “الداخل”. علينا ألا ننسى هذه العلاقة. فالسياسة الخارجية، ليست أبداً “خارجية” وحسب، بل لها وظائف شديدة الأهمية في تأسيس السياسة الداخلية وضبطها وشرعنتها. إي إنها ميدان وأداة حقيقيين للسلطة. لذلك من الخطأ النظر إلى السياسة الخارجية والخطاب المسوّغ لها بوصفهما “حقائق غير قابلة للنقاش”. إن تعبيرات من نوع “القضية الوطنية” أو “المصلحة القومية”، إذ تظهر بمظهر حصين ومغلق أمام النقاش، تمنعنا، عموماً، عن مساءلة ميدان السلطة وأداتها هذه. إن السياسة الخارجية، وبالضبط لهذا السبب، وسيلة ممتازة سُرقت من المجتمع وأخفيت عنه واستخدمت في ضبطه والتحكم به.

السياسة الخارجية وسيلة التدخل في الداخل

ينتج مما تقدم أنه إذا سلمنا السياسة الخارجية إلى استعراضات القوة الفظة، والعداء للأجانب، والدعوات الصاخبة للحرب، المختبئة وراء تعبير “المصلحة القومية”، لن يكون بوسعنا تجفيف منابع “النزعة العسكرية” وبناء نظام ديموقراطي. ذلك أن النزعة العسكرية المطرودة من الباب، عن طريق الإصلاحات الليبرالية الديموقراطية، ستدخل مجدداً من المدخنة وتحتل البيت، باسم السياسات الخارجية والأمنية. ثمة فائدة في العودة إلى أحداث الأشهر القليلة الماضية. إن من أعلنوا البيان العسكري في السابع والعشرين من أبريل، أرادوا الإمساك بقيادة سياسات تركيا الخارجية والأمنية. ترى لماذا؟ لأنهم يعرفون جيداً بأنهم سيتمكنون من فتح باب السلطة بوساطة التهويل القائل إن “الدولة لم تكن أبداً مهددة بالخطر كما هي اليوم”، وبأنهم سيدفعون الشعب إلى القبول بتربعهم على السلطة، من طريق سيناريوهات الرعب والترهيب هذه. من غير الممكن قطع الطريق على هذا الصراع على السلطة، إلا بسياسة خارجية قائمة على التعاون والعقل الجماعي، غير صدامية، منظورها تعددي وليبرالي. لقد استخدمت “نخبة الدولة” السياسة الخارجية وسيلةً للإمساك القمعي بالداخل، وإرهاب المجتمع، وتأسيس ثقافة عسكرية وشرعنتها، ولجر المجتمع إلى المغامرات والفقر؛ بدلاً من استخدامها كأداة من أدوات بناء مجتمع وطني حر وديموقراطي ومرفّه وآمن. وصفّقت الحشود الشعبية الكبيرة لهؤلاء المتلاعبين، بدعوى “المصلحة القومية”، أي أنهم صفّقوا، في الحقيقة، لمن سرقوا منهم ميدان السلطة وأداتها، واستخدموها ضدهم. تريدون أمثلة؟ من المرجح أننا أدركنا أن السيناريوهات التي طرحت في الأشهر الأخيرة حول العملية العسكرية الموجهة إلى شمال العراق، لا تنطلق فقط من غاية “سامية” كمكافحة الإرهاب. إن أولئك الذين يطالبون بخفة بعملية قد تتمادى وصولاً إلى احتلال شمال العراق، إنما يريدون، بوساطة الحرب، إعادة إنتاج النزعة العسكرية والسلطة المنبثقة منها في البلاد، وشرعنتها وتكريسها.

بات مفهوماً اليوم أنه، في الشروط الدولية الجديدة، لا يمكن الفصل بين سياسة خارجية قوية وفعالة من جهة، وسياسة داخلية قائمة على نظام تعددي ديموقراطي متحرر، من جهة ثانية. إن نظاماً سياسياً ديموقراطياً فعالاً وممأسساً، هو عامل من شأنه أن يوسّع الخيارات أمام السياسة الخارجية التركية ويسهّل تحقيق أهدافها. إن المغفلين الذين يرون في الديموقراطية مصدراً للضعف، إنما يعرّضون قوة تركيا في العلاقات الدولية للشلل، عن طريق مواقفهم اللاديموقراطية. على أولئك الذين يعبّرون عن الخجل من السلوك الشائن للجمهور التركي، في مباراة دولية لكرة القدم، ويشكون مما لحق، بذلك، من إساءة إلى سمعة تركيا، أن يحسبوا حساباً لهذه السمعة، ولما سيلحق بها من أذى وعار، حين يهددون بغزو ميدان الديموقراطية بدباباتهم.

إن القوة في السياسة الخارجية، لا يمكن اختزالها إلى بعدها العسكري وحده. على تركيا أن تستخدم، للوصول إلى أهدافها، “قوّتها الناعمة” بالدرجة الأولى. وأهم عناصر هذه الأخيرة إنما هو وجود نظام سياسي ديموقراطي. ينبغي، في هذا الإطار، إبعاد السياسة الخارجية عن بعدها السياسي الراجح والمتمحور حول الدولة، وإضافة أبعاد اجتماعية واقتصادية إليها. إن زيادة فعالية الفاعلين الاجتماعيين في تحديد الأهداف العامة للسياسة الخارجية، سيزيد، في الوقت نفسه، مشروعية تلك السياسة ودرجة مساندة المجتمع لها. يتم تقديم السريّة الضرورية، أحياناً، في بعض ممارسات السياسة الخارجية، كمبرّر مشروع لإبعادها عن الرقابة والمساءلة الاجتماعية والسياسية. ينبغي، في كل الشروط، عدم ترك السياسة الخارجية حكراً لـ”نخبة الدولة”، إذا أردنا تكريس التحول الديموقراطي والقدرة على محاسبة السلطة.

نحن لا نستخدم قوّتنا الناعمة

من الخطأ النظر إلى العلاقات الدولية، بوصفها ميداناً للصراعات والمنازعات التي لا تضبطها أية مبادىء أو قواعد، وتطوير سياسة خارجية انطلاقاً من ذلك. ففي العلاقات الدولية، القاعدة هي التعاون، والاستثناء هو الصراع. ثمة شبكة من علاقات التعاون تغطي مجالات كثيرة كالتجارة والنقل والتعليم والاتصالات وغيرها، هي ما يجعل تدفق الحياة اليومية ممكنة في مستوى العلاقات الدولية. المسألة الأساسية في السياسة الخارجية، هي تحقيق السلم الوطني والإقليمي والكوني وصيانته. إن التعاون المعمق بين تركيا وجيرانها فيما يشكل مصالح مشتركة، والشراكة الاقتصادية والحوار المجتمعي، تمثل مجتمعةً العناصر الرئيسة لاستراتيجية عامة من شأنها المحافظة على السلم في المنطقة بصورة مستديمة. ومما لا شك فيه أن التقارب والتعاون في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، من شأنهما أن يخفضا التوترات والصراعات السياسية.

إن المزاعم القائلة بأننا محاطون بالأعداء من الجهات الأربع، لا تفعل شيئاً غير صب الماء في طاحونة النزعة العسكرية. قبل الكف عن ترداد هذه المزاعم، لن يكون بوسعنا إقامة علاقات سوية مع جيراننا، ولا التغلب على النزعة العسكرية التي تغذيها المخاوف والعداء. على تركيا، التي لها مصالح مشتركة لا يمكن إنكارها ولا التخلي عنها مع جميع دول المنطقة، أن تنجح في التحول، بفضل مواصفاتها السياسية والاقتصادية، إلى “قطب جاذب”، بدلاً من الرغبة في التحول إلى “قوة إقليمية” بوساطة سياسة خارجية مغامرة. إن التوجه الغربي للسياسة الخارجية التركية، بات تفضيلاً راسخاً. لذلك لا يبدو بحث بعض الجنرالات المتقاعدين من “الاتحاديين الجدد” (نسبة إلى جمعية الاتحاد والترقي التي حكمت تركيا بين 1908 – 1922) عن “حلف أوراسيوي” مع روسيا والصين واقعياً ولا جدياً، بل لا يعدو كونه أداة يستخدمونها لعقد صفقة يحصلون بموجبها على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة للقيام بـ”انقلاب عسكري ذي نزعة قومية”. إن عضوية تركيا في كل من المجلس الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبية، ومفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وغربية خياراتها في العلاقات الاقتصادية والسياسية، هي جميعاً تعبير عن رسوّ البلاد على الشاطىء الغربي /الأوروبي. ومن العناصر الأخرى المهمة للوجه الأوروبي لتركيا، وجود الأتراك في دول أوروبا الغربية، الذين تزداد فعاليتهم الاقتصادية والاجتماعية في أماكن عيشهم، والصلة التاريخية الوثيقة بشعوب البلقان.

ثمة بعد آخر للتوجه الغربي لتركيا، ويتمثل في البعد السياسي / الثقافي الذي يؤدي دوراً مساعداً على ترسيخ قيم الحداثة ومؤسساتها في تركيا. إن افتراض ابتعاد تركيا عن الغرب، ينطوي أيضاً على خطر إضعاف مؤسسات وقيم الحداثة (الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون) إن لم نقل إلغاءها. وهذا بالضبط ما تريده قوى التيار القومي من مناهضتها لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. لقد أراد معدو البيان العسكري للسابع والعشرين من أبريل قطع مسيرة الانضمام، من بين أهدافهم الأخرى. فهم يدركون أن الانضمام إلى الاتحاد سيلزم تركيا باحترام الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون والمجتمع المنفتح واقتصاد السوق، الأمر الذي يعني بداية تحلل سلطتهم.

الخلاصة، أن سياسة خارجية متصالحة مع المجتمع الدولي ومعاييره، تركز على التعاون بدلاً من الصراع، وتصاغ بصورة تشاركية، هي أمر ممكن وضروري. بهذه الطريقة وحدها، يمكننا أن نتخلص من تسلط النزعة العسكرية على الدولة والمجتمع، تلك النزعة التي طالما انبعثت في التاريخ التركي كل حين وحين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق