تركيا: الحاجة إلى انقلاب عسكري بوصفها حساسية – إتيين محجوبيان

لعله من المفيد التحرر، ولو لحظة واحدة، من جاذبية الهذيان الوطني الذي نحياه حول انتخابات رئاسة الجمهورية، لنتفحص باحثين عن صفة من صفاتنا الوطنية قد تكون مرتبطة بهذا الهذيان. ذلك لأن نشر العسكر بياناً على شبكة الانترنت، منطلقين من تهديد رجعي لا أساس له في الواقع؛ واستقبال قسم من الإعلام المحلي لهذا البيان بحماسة جماعية، بعدّه “المذكّرة” المنتظرة؛ وأخيراً، قرار المحكمة الدستورية بإلغاء تصويت البرلمان، والذي حوّل القانون إلى امتداد لعقيدة تهديدات العسكر؛ كل ذلك بهدف الحيلولة دون انتخاب رئيس للجمهورية من حزب العدالة والتنمية؛ تشير (الوقائع الثلاث المذكورة) إلى حساسية عامة تلغي الاختلافات الفردية. لكن تصريحات الأحزاب المفترض أنها تمثل قطاعات اجتماعية في هذا الموضوع، واللغة الجماعية للشعب الذي نزل إلى الشارع في اسطنبول وأنقرة، تشيران إلى أن الحساسية التي نسعى لفهمها، تكاد تكون “وطنية”.

{{المسلمون ودورهم في العالم}}

إما أن يستشعر المرء حساسية من هذا النوع، أو ألا يستشعر. وبما أنني من الفئة الثانية، فإن الأمر الوحيد الذي يمكنني فعله، هو فهمها. كتب الصحافي “أمين تشول آشان” في مقالته ليوم الأحد التالي على نشر “المذكرة” يقول: “دخل العسكر على الخط، أطلق مسار السابع والعشرين من نيسان، فأراح ملايين الناس من شعبنا”. إننا نفهم من هذا الكلام، أن شعبنا كان سيبقى في حالة من القلق، لولا دخول العسكر على الخط. أي أنه ثمة حالة تقلق راحة شعبنا، لكنه عاجز عن إزالة تلك الحالة بنفسه، فيتدخل العسكر جالباً للراحة. وهكذا تصبح هذه المقالة مرغمة على تغيير منحاها لتحاول فهم القلق المذكور. لا يمكننا، من جهة أخرى، التفكير بأن الجيش قام بتدخل ليس مقتنعاً به، لمجرد أن الشعب غير مرتاح. فالقوات المسلحة، على كل حال، لا تستند إلى شعبية استعراضية كحال الأحزاب السياسية. لذلك من الواضح أن الجيش أيضاً لديه الحساسية نفسها. ها هو النص المنشور على شبكة الانترنت والذي ينطوي على معنى “المذكرة”، يقول: “سوف تقوم القوات المسلحة، حين تقتضي الحاجة، بإعلان موقفها وسلوكها بصورة واضحة وحازمة. ليس لأحد أن يشك في ذلك”. وبذلك نفهم أن الحساسية لن تبقى كامنة، وأنه سوف يتم عمل ما تستوجبه. فإذا وصلنا إلى السؤال عما تكونه الحساسية المذكورة بصورة ملموسة، نحصل على المعلومة التالية: الجيش التركي هو “المدافع المؤكد عن العلمانية”. ومعها الفكرة التالية: “كل من يعارض عقيدة ’ما أسعد من يقول أنا تركي’ هو عدو للجمهورية التركية”.

الحق أن ذلك قد يكون منح أشخاصاً كثيرين شعوراً بالارتياح… إن المحافظة على هذه الحساسية طيلة خمسة وثمانين عاماً وتحولها إلى قالب جامد، يشكلان برهاناً متيناً على أن الجمهورية باقية إلى الأبد، وأن العالم لم يتغير أبداً. من جهة ثانية، من الممكن ألا تروا للوهلة الأولى، أية علاقة بين الحساسيتين المذكورتين أعلاه… وتتصل إحداهما بالعلمانية أي بالتدين، في حين تتصل الثانية بالهوية التركية، أي بالقومية. ولكن ثمة رابط خفي بينهما، على ضوء حال البلاد في الفترة الأخيرة: تؤكد دراسات سوسيولوجية عديدة أن الهوية الإسلامية في تركيا، قد أعادت تعريف نفسها في ظل متطلبات العالم الحديث، وأن التدين، بنتيجة ذلك، قد اكتسى دلالات جديدة وتنوعاً، ومختصر القول إن القطاعات الإسلامية شهدت علمنة ذاتية انطلقت من القاعدة. لكن هذه العلمنة لا تشير إلى ابتعاد المسلمين عن دينهم، بل، على العكس، إلى اتساع قاعدة الجماعة المسلمة بقدر إعادة تعريفها للتدين. مختصر القول، لدينا اليوم نموذج المواطن الجديد المتصالح مع العالم، ذي الثقة العالية بالنفس، والقادر- وهذا هو الأهم، من وجهة نظر الأيديولوجيا الرسمية- من خلال هويته الإسلامية، على تصور دوره الكوني.

معنى ذلك هو أن المركّب المنسوب إلى الجمهورية، والذي يربط بين الهويتين الإسلامية والتركية، آخذ في التحلل. لم تعد حاجة المسلمين الأتراك، اليوم، إلى الهوية التركية كما تعرّفها الإيديولوجيا الرسمية، كبيرة كما كانت في السابق… ومن ذلك، على سبيل المثال، أن فكرة “خطر المبشّرين” (إشارة إلى حوادث اغتيال ضد مبشرين مسيحيين غربيين، أخرها قتل رجال الدين المسيحيين الثلاثة، في مدينة ملطية، الشهر الماضي) تجد آذاناً صاغية بين العلمانيين أكثر مما بين المسلمين… ومن ذلك أيضاً، أن نص “مذكرة” الجيش المذكورة أعلاه، وضع معارضة العلمانية والتنكر للهوية التركية في حكم واحد. وهنا يكمن معنى اندفاع حزب الشعب الجمهوري بحماسة وراء هذه الحساسية. فتصوير التيار الإسلامي على أنه “الآخر”، من وجهة نظر الإيديولوجيا الرسمية، انطلاقاً لا من تدينه فقط، بل كذلك من علاقته بالهوية التركية، يجعل من حزب الشعب الجمهوري، في وعيه الذاتي، القوة السياسية الوحيدة المقبولة. وهكذا نفهم سبب الأعجوبة المسماة بالوطنية. إن إظهار حزب العدالة والتنمية على أنه ليس فقط أصولياً متعصباً، بل أيضاً ذيلاً للإمبريالية، هو كمن يضرب عصفورين بحجر واحد. لكن مستوى التحليل لدى هؤلاء الوطنيين، لا يتمتع بالعمق الكافي، فلا يدركون أن استراتيجيتهم تنبذ المسلمين بعيداً عن “الوطنية/القومية”. أو لعلهم يدركون ذلك ويناسبهم. ذلك لأنهم لا يبحثون أصلاً عن حل للأزمة في الإطار الديموقراطي…

{{القضية هي إسقاط حزب العدالة والتنمية}}

هكذا يصبح بوسعنا فهم ما عناه (دينيز) بايكال حقاً بقوله إنه لا يرى في الانتخابات المبكرة بذاتها، حلاً للأزمة. فهمّه هو إسقاط حزب العدالة والتنمية، أما بأية طريقة يتم ذلك، فلا يهمه. فإذا لم تتكفل الديموقراطية بذلك، يصبح وضعها على الرف مشروعاً في نظره. هو الذي قال، على كل حال، إن “تركيا ستندفع إلى أزمة وصراع خطيرين” إذا لم تشترط المحكمة الدستورية نصاب 367 نائباً كشرط لمشروعية الاقتراع. أي أنه لدينا حزب سياسي يلوّح بأنه سيخرج من الإطار الديموقراطي، إذا تفعّلت الديموقراطية. وهو، فوق ذلك، الحزب المؤسس للجمهورية… وأسوأ ما في الأمر أن هذا الحزب ليس وحيداً في موقفه. مثلاً، رئيس جامعة الشرق الأوسط للعلوم التقنية، أي القائم على إدارة مؤسسة نعاملها معاملة الجامعة، لا يتورع عن القول: “إن صبر الجيش كاد ينفد”. علينا ألا نستغرب إذن تلبية مئات آلاف الناس دعوة التيار “الدولتي/القومي” بالتظاهر في ساحات أنقرة واسطنبول، بعدما عرفنا الخلفيات. كذلك علينا ألا نستغرب حمل أولئك المتظاهرين للأعلام التركية فقط، وارتدائهم قمصاناً عليها صورة مصطفى كمال. ذلك لأنهم قد مهدوا الأرض، كما أوضحنا أعلاه، لتحميل رمز وطني كالعلم، دلالة سياسة مضادة للإسلام.

{{الحقيقة المختبئة خلف ثوب العلمانية}}

خلاصة القول، إن إعاقة وصول محتمل لأشخاص من التيار الإسلامي إلى السلطة، يبدو، من وجهة نظر التحالف “الدولتي/القومي”، أهم بكثير من الديموقراطية. ثمة فائدة في إدراك أن المظاهرات التي حصلت، انطوت، في شروط الأزمة الراهنة، على معنى الابتعاد عن الديموقراطية، وإن كان هذا الحكم لا ينطبق، بكل تأكيد، على جميع المتظاهرين. علينا أن ندرك أيضاً أن عبارة “تركيا علمانية، وستبقى كذلك” التي هتف بها المتظاهرون، لا علاقة لها، في حقيقة الأمر، بالعلمانية. ذلك لأن تركيا ليست أصلاً “علمانية”. الأصح أنها تعتقد أن العداء السلطوي/الدولتي للدين هو “العلمانية”. لذلك فإن عبارة “ستبقى تركيا علمانية” لا تحمل إلا معنى أن “تركيا ستبقى كما هي”، أي أن العقلية السلطوية/الدولتية باقية. لعل الجموع التي ملأت الساحات آمنت فعلاً بوجود خطر رجعي موهوم، حين هتفت قائلة: “لا للشريعة ولا للانقلاب”. لكن واقع الحال هو أن المتحمسين للشريعة الإسلامية في تركيا، قليلو العدد ويفتقرون إلى القوة السياسية معاً. في حين أن المغرمين بالانقلابات العسكرية كثيرون عددياً وأقوياء سياسياً. وهكذا فإن الهاتفين ضد الشريعة والانقلاب العسكري معاً، قد قدموا الدعم الضمني لأولئك المتحمسين للانقلابات العسكرية، حتى لو لم يعوا ذلك.

إن أولئك الذين يعرّفون الجمهورية على أنها امتداد لنزعة دولتية نخبوية، ويتصورون الديموقراطية بوصفها غلافا ضروريا للظهور بمظهر لائق أمام العالم، يكشفون عن وجههم الحقيقي في مواجهة المطالب الديموقراطية المتصاعدة من الأناضول. أولئك الذين يقيمون التعارض بين الديموقراطية والجمهورية، وينصبون أنفسهم حماة للثانية، ويظنون أنهم يكسبون المشروعية لموقفهم بوساطة رمزي العلم ومصطفى كمال، لم يقبلوا بالديموقراطية أبداً. وهكذا يضطر “غوندوز آكتان”، حين يشعر بأنه محشور في زاوية ضيقة، لأن يكتب قائلاً: “لا يجوز تغيير هوية الجمهورية. نقطة على السطر!”. ألا تكون الجمهورية ديموقراطية، فهذا ما لا يهم آكتان. كما لا يهمه أن جمهورية غير ديموقراطية سوف تتخذ مساراً استبدادياً باطراد… المهم بالنسبة له، هو استمرار النظام القائم بلا أي تغيير، ليحتفظ بأمثاله في موقع السلطة الإيديولوجية.ْ

نعم، ثمة حساسية شائعة إلى حد كبير، في مواجهة حزب العدالة والتنمية… لكنها ليست حساسية إيجابية وبنّاءة، بل هي تعبير عن حالة رعية لجمهورية غير ناضجة ولا تثق بنفسها، تحافظ على الحاجة إلى الانقلابات العسكرية بوساطة استثمار المخاوف. الجمهورية اليوم تمر بامتحان ديموقراطي في تركيا، ويلفق جميع تلاميذ النظام الفاشلين آلاف الذرائع للهروب من الامتحان. إنها حالة مؤلمة ومثيرة للحزن… حالة تنتمي إلى مجال السيكولوجيا أكثر من مجال التحليل السياسي…

-*إتيين محجوبيان: رئيس تحرير جريدة “آغوس” التركية – الأرمنية، التي أسسها ورأس تحريرها إلى حين اغتياله، في 1912007 الصحافي هرانت دينك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق