تركيا في مواجهة مشكلاتها المزمنة

يمكن القول، في أعقاب لقاء واشنطن بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، إن احتمالات العمل العسكري التركي في شمال العراق، قد انحسرت إلى حد كبير. وعموماً يمكن الاستنتاج من السلوك السياسي للحكومة التركية إزاء الأزمة الراهنة، أن أنقرة لجأت إلى التلويح بالقوة لتحقيق أهدافها بالوسائل الديبلوماسية، مع أن هذا التلويح تضمن أيضاً استخداماً فعلياً للقوة طيلة الشهر الماضي. يمكن القول عن هذه السياسة بأنها اختارت سبيل العقلانية، ربما لأنها لم تتمكن من تأمين التغطية الدولية اللازمة للعمل العسكري. من هذه الزاوية يمكن تشبيه الأزمة الحالية بالأزمة التركية – السورية، في صيف العام 1998، التي انتهت بتوقيع البلدين على اتفاق أضنة الذي حقق كل الشروط التركية، وأبرزها طرد قائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من الأراضي السورية، واعتقاله، بعد ذلك ببضعة شهور، بتعاون استخباراتي أميركي – تركي. ولكن هل يؤدي التلويح التركي بالقوة، اليوم، إلى النتائج نفسها؟

هذا أمر مشكوك فيه، لأن الشروط القائمة مختلفة تمام الاختلاف عن نظيرتها في العام 1998. المنطقة الفيديرالية الكردية، تحوز أهمية كبيرة للولايات المتحدة، بالمعنيين الاستراتيجي والرمزي، إلى الحد الذي لن تسمح فيه واشنطن لأنقرة بعمل عسكري من شأنه تخريب الاستقرار القائم هناك. أما بالنسبة للحكومة الكردية في الإقليم الفيدرالي، فلا يسعها أكثر من تقديم تنازلات رمزية للأتراك، تبعد احتمال الحرب. فالحكومة الاقليمية الكردية، وعلى الرغم من تناقضاتها مع حزب العمال الكردستاني، لا تستطيع اتخاذ إجراءات مؤلمة ضده، ليس فقط لأن المواجهة قد تكون مكلفة جداً بالمعنى العسكري، بل الأهم من ذلك، هو الكلفة المعنوية الهائلة. فالقيادة الكردية في الإقليم تدرك دورها التاريخي في وضع أولى لبنات الدولة الأمة بالنسبة لعموم الأكراد، وأي اشتباك مع حزب العمال الكردستاني، من شأنه أن يدمر هذا الدور وحلم الدولة الكردية معاً.

المرجح، والحال هذه، أن تنتهي الأزمة الحالية، بإجراءات رمزية من نوع إغلاق الحكومتين المركزية والإقليمية لمكاتب الحزب الكردي – التركي، والتزام هذا الأخير بوقف إطلاق النار الذي أعلنه من طرف واحد، لفترة طويلة نسبياً. ومن وجهة نظر معينة، يمكن أن تشكل هذه التطورات، فرصةً أمام الحكومة التركية لمعالجة مشكلة يعود تاريخها إلى قيام الجمهورية، الأمر الذي تعبر عنه القوى الديموقراطية الكردية والتركية معاً، وكان آخر تلك التعبيرات المظاهرة الكبيرة التي شهدتها العاصمة أنقرة قبل أيام، ونظمتها قوى سياسية ديموقراطية ومنظمات مجتمع مدني، رفعت فيها شعارات العيش المشترك والمساواة والدستور الديموقراطي ورفض الحرب.

هي فرصة، أولاً، للدخول في حوار مباشر مع القيادة الكردية في شمال العراق، التي كانت أنقرة تقاطعها بصورة مذلة إلى اليوم (بل إنها تقاطع حتى الرئيس العراقي جلال الطالباني لأنه كردي)، فلا يمكن للتعاون الأمني الذي تطلبه تركيا أن يتم بدون هذا الحوار؛ ومن المرجح أن تدفع واشنطن الحكومة التركية بهذا الاتجاه.

وهي فرصة، ثانياً، للبحث عن حل ديموقراطي سلمي للمشكلة الكردية المزمنة في تركيا؛ ويزيد هذه الفرصة قوةً، وجود حزب كردي في البرلمان التركي، هو حزب المجتمع الديموقراطي الذي شبهه المحلل السياسي التركي جنكيز تشاندار بحق، بحزب الشين فين الإيرلندي؛ ذلك أن الحزب الكردي يعمل، من جهة أولى، في الإطار الدستوري الشرعي؛ ويمثل، من جهة أخرى، توجهات حزب العمال الكردستاني، ما يعني أن التفاوض مع الأول يمكن أن يكون بمثابة التفاوض مع الثاني، وهو ما يمكن التعويل على نتائجه العملية.

ليست هذه الفرصة الأولى، بل سبقتها فرص عديدة، أهدرتها الحكومات التركية بسبب إنكارها لوجود مشكلة كردية، وحصرها لمشكلة حزب العمال الكردستاني في إطارها الأمني. وإذا كان أردوغان قد خطا خطوة خجولة إلى الأمام، باعترافه بوجود مشكلة كردية، فقد اكتفى برؤيتها داخل إطار اقتصادي – اجتماعي، متجاهلاً مسألة الهوية التي ازدادت حضوراً لدى الأكراد، في العقود القليلة الماضية، وتزداد باطراد. ولا يشير المناخ العام في تركيا إلى أن الفرصة الجديدة لن تهدر بدورها كسابقاتها. هذا المناخ العام يشحن يومياً بشوفينية معادية للأكراد، عبرت عن نفسها في مظاهرات صاخبة، وفي أعمال تخريب واعتداء وجهت ضد أكراد في المدن التركية. لعبت الصحافة ذات التوجه القومي – العلماني دوراً بارزاً في هذا الشحن، وأفشل القضاء محاولة الحكومة لتقييد حريتها وفرض نوع من الرقابة عليها بهذا الخصوص.

من يراقب المشهد السياسي التركي، تدهشه هذه الانعطافات المفاجئة في أولويات الحياة السياسية التركية. فقبل أشهر قليلة فقط عاشت البلاد في صخب أزمة انتخاب رئيس للجمهورية؛ ولم تكد هذه تنجلي حتى احتدم النقاش صاخباً أيضاً حول مشروع الدستور الجديد، الذي انقطع بصورة مفتعلة وتحول إلى نقاش محوره السؤال عما إذا كانت تركيا ستتحول إلى ماليزيا أخرى (أي دولة إسلامية) بصورة متلازمة مع تجدد النقاش القديم حول الحجاب. وفجأة نحيت كل تلك النقاشات جانباً، ليتصدر موضوع المجزرة الأرمنية في 1915، صدارة الاهتمام، بمناسبة قرار لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي؛ وأخيراً بات موضوع الساعة العملية العسكرية المفترضة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

هذا يعني أن المشكلات المزمنة التي طالما رفضت تركيا مواجهتها، إلا بالقمع والإنكار، سوف تظل عوائق أمام تقدمها ما لم تلجأ الدولة التركية إلى تغيير جذري في سياستها التقليدية، نحو معالجات تتسق مع قيم العص

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق