تركيا: مئوية عقيدة – شكري هاني أوغلو

ثمة اعتقاد شائع في المجتمع التركي، فحواه أن العامين 1923-1924 يشكلان بداية تاريخنا الحديث، وأن الاختلاف بين ما قبل هذا التاريخ وما بعده، يشبه في حدته الاختلاف بين الجحيم والجنة. فكرة الانقطاع هذه لها ما يسوّغها إلى حد كبير، في عدد من المجالات. فقبل كل شيء جلب الانتقال من إمبراطورية متعددة القوميات إلى مرحلة بناء الدولة – الأمة، معه تغيرات كبيرة بدءاً من اعتماد النظام الجمهوري في العام 1922، وما تبع ذلك من اجراءات سميت بالانقلابات. المؤسسات الجديدة وسياسات التعليم وأطروحات تاريخية تناسب الدولة – الأمة والتصميم على قطع الروابط مع الماضي… من الممكن أن يدفعنا كل ذلك إلى الاعتقاد، للوهلة الأولى، بأن التغيير شامل حقاً. ولكن إذا تجاوزنا السطح نحو عمق تلك التغييرات، وإذا ألقينا نظرة، لا على الإجراءات والكلام، بل على الخلفيات الفكرية لهما، فسوف نرى أننا أمام استمرارية إيديولوجية.

بتعبير آخر، لم تحدث القطيعة الأيديولوجية في المجتمع التركي في العام 1922. على الرغم من أن هذا التاريخ يشكل بداية تحولات لا يمكن تجاهلها، لكنه لم يشهد ميلاد أيديولوجيا جديدة، على عكس ما يزعم عموماً. التغيرات التي تحققت بعد العام 1922، هي، في الواقع، ثمرة استمرارية إيديولوجية، وهي إيديولوجيا ما زالت موجودة إلى اليوم لدى قسم من النخبة الحاكمة.

{{ثورة 1908 والمشروطية الثانية، بوصفهما قطيعة إيديولوجية}}

هذه الإيديولوجيا التي تشكل اليوم خلفية الحياة السياسية والاجتماعية في تركيا، احتلت موقع السلطة، في أعقاب ما يعرف باسم انقلاب 1023 تموز 1908، بهدف إعادة تشكيل المجتمع، ولم تتخلّ عن موقعها هذا إلى اليوم. تعرضت هذه الأيديولوجيا لتحول اضطراري في إطار الشروط المتغيرة، فواءمت نفسها مع شروط الدولة – الأمة، لكنها لم تتغير كثيراً من حيث نظرتها إلى العالم. هذه الأيديولوجيا التي تم تقديسها طيلة قرن، وانتقلت، بوسائلها وإجراءاتها الهادفة إلى “هندسة” المجتمع، من جيل إلى جيل، وتم تمثلها وتجذرت إلى درجة أن أطروحاتها الأساسية باتت في حكم قوانين الطبيعة؛ ترغم مجتمعنا على مواجهة مشكلات القرن الحادي والعشرين بنظرة إلى العالم لا تتجاوز الأفكار التي كانت سائدة، في منتصف القرن التاسع عشر، في الأوساط الثقافية الأوروبية، الأمر الذي يشكل عبئاً أثقل مما يُظن، وعائقاً أمام تقدم مجتمعنا.

انقلاب العام 1908، الذي بالكاد يحتل مقطعاً قصيراً في كتب التاريخ، ويفترض، عموماً، بأنه لا يرتبط بيومنا الراهن بأدنى صلة، كان قد غير النظام السياسي من جهة، والأيديولوجيا السائدة من جهة ثانية. لقد قامت هذه الإيديولوجيا على العلموية العثمانية، وهي خليط من المادية المبتذلة الألمانية للقرن التاسع عشر، والتحليل الوضعي لـ”ليتري” الذي انتقد تلك المادية بشدة، والمادية الفرنسية للقرن الثامن عشر، والداروينية الاجتماعية؛ وتحولت مع الزمن إلى دين، وبات الصراع بين الدين والنزعة العلموية، الذي احتدم خاصة في أعقاب قيام الجمهورية، محوراً أساسياً للنقاش السياسي في مجتمعنا. ينبغي عدم خلط هذا الأمر، كما يحدث عموماً، بإضفاء أهمية على العلم. فالفكرة العلموية التي كانت شائعة، في القرن التاسع عشر، عن المجتمع الذي يحل فيه العلم محل الدين، قد ثبتت في أساس الإيديولوجيا السياسية، فبات العلم جزءاً من الخطاب السياسي، وباتت السياسة صراعاً بين التقدمية والرجعية، والتدين موقفاً سياسياً.

يشكل احتكار العصرنة والحداثة، الأساس الثاني لعقيدتنا التي بلغ عمرها القرن. لعله من الممكن الزعم بأن خطابها المستند إلى المادية المبتذلة الألمانية ونخبوية “(غوستاف) لو بون”، كان ينطوي على هذا الاحتكار بحق، بالنظر إلى تاريخ نشوئه. غير أن زعماً مشابهاً، بعد انقضاء قرن كامل، وبتكرار الأطروحات نفسها، بل وتقديمها بوصفها التفسير الوحيد وغير القابل للنقاش للعصرنة والحداثة، يدفع بالبلاد إلى قلب نقاشات أكثر تشدداً بالقياس إلى مجتمعات ترفض احتكار الحداثة وتفترض إمكانية وجود حداثات مختلفة.

انقلاب تموز 1908، الذي تكمن مأثرته في إنشاء تقليد التمثيل السياسي، لم يكتف بأنه أفرغ هذه المأثرة من محتواها، بوساطة نزعة نخبوية تزامنت معها، بل كرس هذه النزعة في قلب إيديولوجيتنا ذات العمر المديد. وتختلف هذه عن النخبوية التقليدية، بغلافها العلموي المستمد من نظرية “الفرينولوجيا” (دراسة شكل الجمجمة بوصفه مظهراً دالاً على الشخصية والملكات العقلية – المترجم)، وبإسنادها وظيفة إدارة الجموع والدفاع، رغماً عنها، عن مصالحها التي تعجز عن إدراكها، إلى أرستقراطية مثقفة. هذه النخبوية الجديدة المستلهمة إلى حد كبير من غوستاف لوبون، نجحت في البقاء إلى يومنا الراهن، بوصفها الحجر الأساس لإيديولوجيتنا.

بصورة مطابقة لغوستاف لوبون، تكره هذه النزعة النخبوية كل مؤسسة عمومية، بما في ذلك المجالس التشريعية، وترى ضرراً في مساهمة الشعب في اتخاذ القرارات، ورأت في البرلمان مؤسسةً يمكن تحملها، فقط بقدر ما تشكل امتداداً للبيروقراطية، تجتمع تحت سقفها نخبة المجتمع.

تمثلت نتيجة أخرى من نتائج النخبوية المستمدة من أفكار لو بون، في عزل السياسة عن المساهمة الشعبية، وتحويلها إلى هندسة اجتماعية. فإذا تحولت السياسة إلى هندسة، لعب السياسي دور المهندس وتنكب وظيفة إنشاء مجتمع المستقبل. أما السياسة التي تبقى دون حدود الهندسة، فقد نظر إليها بازدراء. وتم خلق قطبين متضادين، أولهما السياسي الجاهل الذي لا يمكن الوثوق به، والثاني رجل الدولة الذي يخطط لمستقبل المجتمع. ولم تفقد هذه النظرة ولا هذا الاستقطاب، شيوعهما إلى اليوم.

والنتيجة الجانبية لتحويل السياسة إلى هندسة، في عقيدتنا المعمرة قرناً، هي أن معارضة المهندسين الذين سيرسمون مستقبل المجتمع ويحققون التحولات التي يعجز الشعب عن فهم مصلحته فيها، تقدم على أنها محاولة للعودة بالمجتمع إلى الوراء.

في تموز العام 1908، تم قلب نظام عمره 32 عاماً بسهولة، وفي العام 1922 تحقق النصر العسكري على القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، تلك القوى التي اعتقد الناس بأنه لا يمكن فعل شيء أمامها غير الاستسلام والخضوع. المنظمات السياسية التي استندت إلى الهيبة الاجتماعية الناجمة عن تلك الانتصارات، وعن صفة “منقذي الوطن” التي أسبغت عليها، باتت حصينة أمام النقد، وباتت معارضتها أكثر صعوبة. لم يعن هذا فقط ممارسة السياسة من قبل تشكيلات غير متكافئة، بل استتبع أيضاً رؤية تلك الأحزاب لنفسها كجزء من الدولة، أكثر من كونها أحزاباً سياسية، وذلك بعد توحدها، بوساطة الإيديولوجيا، مع مؤسسات الدولة المختلفة. جمعية الاتحاد والترقي العثمانية التي رأت في نفسها، بعد انقلاب 1908، “الجمعية المقدسة”، باتت تصف النقد الموجه إليها بالخيانة الوطنية وبالسعي إلى بيع الوطن، وتؤكد على وجوب احتكارها للقيادة السياسية. ثمة حزب في يومنا هذا يمارس السياسة على أرضية أنه “مؤسس الجمهورية” (يقصد الكاتب حزب الشعب الجمهوري بقيادة دينيز بايكال – المترجم). يقوم كلا الموقفين على الأسس الإيديولوجية نفسها.

تنطحت الإيديولوجيا المذكورة لمهمة استلهمتها من نظرية “كولمار فون در غولتز” التي طرحها في أواخر القرن التاسع عشر، وتتمثل في خلق “أمة مسلحة عثمانية”، تحولت مع الزمن إلى “أمة مسلحة تركية”. في هذا الإطار، انتهت مؤسسة كانت خارج السياسة منذ العام 1826، إلى أن تكون واحداً من الفاعلين الرئيسيين في الميدان السياسي.

أيديولوجيتنا، وهي الأطول عمراً بين مثيلاتها، قد تمفصلت مع نزعة قومية مقاومة – هي نتاج طبيعي لسيكولوجيا مجتمع يرى دولته تُقلص حدودها مرغمة، طيلة قرنين من الزمان – فازداد خطابها تشدداً وتفاقم عدم تقبلها للنقد. حتى أحزابنا السياسية التي تضع نفسها على يسار المشهد السياسي الراهن وترى نفسها أحزاباً اشتراكية ديموقراطية، تستخدم خطاباً مقاوماً من النوع المذكور. بقدر ما يشكل ذلك ظاهرة لافتة، بقدر ما يظهر أيضاً اتساع وعمق نفوذ الأيديولوجيا موضوع الحديث. يضاف إلى ذلك، أن فكرة “الأمة الحاكمة” التي أضفيت عليها صفة “العلمية” بالاستناد إلى النظريات العرقية لمادية القرن التاسع عشر، وإلى الداروينية الاجتماعية، وواصلت نفوذها إلى اليوم، قد زوّدت الخطاب القومي المقاوم ببعد مختلف.

{{أيديولوجيا عمرها قرن ومستقبلنا}}

في اللحظة التي تنهي أيديولوجيتنا قرناً من عمرها وتبدأ سنة جديدة، تظهر بوصفها العقبة الرئيس أمام مجتمعنا في طريقه لتحقيق تحول بالمعنى الحقيقي للكلمة. إن السبب الأهم لانشغال مجتمع، عجز عن تحقيق تحول حققته دول المعسكر الشرقي السابق في بضع سنوات، وأنشأ أول مجلس تمثيلي قبل 128 عاماً، وما زال يحافظ على هذه المؤسسة منذ 79 عاماً تحت أسماء مختلفة، بجهوده في سبيل الدمقرطة إلى اليوم، هو التمسك بإيديولوجيا، كانت قد أخذت صفتها العصرية بالتراجع حتى في العام 1908 لحظة إمساكها بالسلطة المعنوية. بعبارة أخرى، يراد، بوساطة أيديولوجيا أنتجت أفكارها الرئيسية في واقع القرن التاسع عشر، حل مشكلاتنا الراهنة، على الرغم من التطورات التي مر بها المجتمع. تنجم عن ذلك مشكلات تبرز أمامنا في كل يوم.

من الممكن، إذا جاز لنا التشبيه، أن نقول إن مجتمعنا يشبه شخصاً يريد المشاركة في سباق سيارات، بسيارة من طراز 1890، ويزعم أن سيارته هي أفضل من السيارات من طراز 2005، وحين يفشل في السباق يقول إن المشاركين الآخرين قد تآمروا عليه. في حين أن وقت استبدال النسخة المحلية للسيارة من طراز 1890، والمنتجة في العام 1908، بالشراكة بين باريس ومقدونيا، قد فات منذ زمن طويل. إن تقديم العودة إلى أصناف السيارات التي كانت مستخدمة قبل العام 1908، في نوع من الحنين الرومانسي، على أنها الحل، يفتقد إلى المعنى، ليس أقل من الإصرار على طراز 1908. ففي الفترة الأخيرة ثمة نزعة شائعة لحنين رومانسي إلى المرحلة السابقة على 1908، أو الزعم بأن كل شيء انحط بعد العام 1922، وكلاهما بلا معنى. فالحل يكمن في تحقيق التحولات التي يرغمنا عليها الحاضر، بدلاً من ضروب الحنين إلى الماضي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق