تركيا: هل يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يصبح حزب الطريق الثالث؟ – الدكتور إبراهيم كالن*

حركة “الطريق الثالث” التي تقدمها توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، أرادت أن تتجاوز التقسيم السياسي التقليدي بين اليمين واليسار. كان “الطريق الثالث” إذن أفقاً لإنقاذ السياسة الأوروبية المحصورة بين اليمين الأوروبي بقيمه المحافظة والتقليدية وبسياساته الاقتصادية المنحازة للفرد ورأس المال، واليسار الأوروبي المعارض للتقليد والمنحاز للعدالة الاجتماعية والسياسات التدخلية. كان توني بلير الناطق الأول باسم الطريق الثالث الذي ضم أيضاً بيل كلينتون في الولايات المتحدة وغيرهارد شرودر في ألمانيا. مع مغادرة بلير لمنصب رئاسة الوزراء، بات مستقبل هذا الخط غامضاً. لكن الطريق الثالث سيبقى مبادرةً مهمة، من زاوية كشفه عن سطحية التصنيف إلى يمين ويسار، الذي يشكو منه الجميع، ولا يستطيعون، مع ذلك، التخلي عنه.

حزب العدالة والتنمية الذي يشكل، في تركيا، محاولة للبحث عن الطريق الثالث، جمع، في إجراءاته الحكومية، بين أربعة ميول سياسية رئيسية: فهو ديموقراطي في الإدارة العامة، وليبرالي في سياساته الاقتصادية، ومن أنصار الدولة الاجتماعية في ميدان تقوية البنية الاجتماعية، ومحافظ في تصوراته الثقافية والتاريخية. مثله مثل جميع الحركات السياسية التي تظهر في مراحل الأزمات، كان حزب العدالة والتنمية مضطراً لتطوير برنامج سياسي يملك من المرونة ما يتيح له احتضان ميول متنوعة. كان قد أطلق على نفسه، في بيانه الانتخابي للعام 2002، صفة “الديموقراطية المحافظة”. ولكن إذا نظرنا إلى خطابه السياسي وإجراءاته الحكومية بين العامين 2002 – 2007، فسوف نرى الحزب وقد تخلى عن خطابه الديموقراطي المحافظ إلى حد بعيد.

إن حزب العدالة والتنمية اليوم يكرر ما فعلته حركة تورغوت أوزال وحزبه حزب الوطن الأم، في العام 1983، فيتصرف تحت هاجس احتلال موقع الوسطية السياسي من طريق احتضان الميول المختلفة. من الممكن قراءة التنقلات الجديدة بين الأحزاب السياسية، استعداداً للانتخابات العامة في 22 تموز، بوصفها استمراراً لإرادة احتلال الوسط، المستمرة منذ العام 2002. لكن التوفيق بين ميول سياسية مختلفة أو بين مقاربات سياسية متعارضة فيما بينها في بعض التفاصيل، في برنامج سياسي متماسك، ليس بالسهولة التي يظنها الناس. إن حزب العدالة والتنمية مضطر، في المرحلة القادمة، للكفاح من أجل الحفاظ على هذه الميول بصورة متوازنة، تماماً كما كان الأمر مع حزب الوطن الأم في الثمانينيات.
أربعة ميول وأربع مشكلات
لقد خطا حزب العدالة والتنمية خطوات هامة للوصول إلى معايير الاتحاد الأوروبي، في مجالات كالدمقرطة وحقوق الإنسان والشفافية في الإدارة العامة وثقوية المجتمع المدني وغيرها، فتم قطع مسافات مهمة، في السنوات الماضية، في ميادين كإلغاء محاكم أمن الدولة وعقوبة الإعدام، وتحويل مجلس الأمن القومي إلى هيئة مدنية، وتغيير قانون الأوقاف، وزيادة الصعوبة في إجراءات حظر نشاط الأحزاب السياسية، ومكافحة التعذيب وغيرها. يفسح الحزب مساحة واسعة، في بيانه الانتخابي الأخير، لمبادىء الشفافية وقدرة المجتمع على محاسبة السلطة، كما كانت الحال في بيانه الانتخابي في العام 2002. ولكن لا يفوت المراقب أن العام ونصف العام المنقضيين، شهدا تراجعاً في الإصلاحات في الميادين المذكورة، بتأثير من التوازنات السياسية الداخلية في تركيا.

إن الخصخصة واجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية ودمج الاقتصاد التركي بالاقتصاد العالمي، هي نتائج لسياسات الحزب الاقتصادية المتسمة بالتنافسية والانفتاح على العالم. لا شك أن لمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، دوراً مهماً في هذا المشهد الاقتصادي. وفي مستوى الاقتصاد الكلي، ثمة إجماع لدى المراقبين، لوصف إنجازات السنوات الخمس الأخيرة بالنجاح الكبير. يقوم الحزب، من جهة أولى، بالعمل على رفع النمو الاقتصادي، ويصارع، من جهة ثانية، لحل مشكلات من نوع عجز الموازنة والتوزيع غير العادل للثروة القومية. يسجل لحزب محافظ يتمتع جزئياً بمساندة رأس المال الأناضولي، كحزب العدالة والتنمية، سياساته المنفتحة على الخارج والتنافسية والمنحازة إلى العولمة واقتصاد السوق. ُ

في ميدان تقوية البنية الاجتماعية، اتبع الحزب سياسات تكاد تلغي الحاجة إلى أحزاب اشتراكية ديموقراطية بل اشتراكية يسارية. إن إجراءات من نوع المساعدات المباشرة التي تؤمنها الدولة، أو القروض التشجيعية، أو التوزيع المجاني للكتب المدرسية، أو إقامة مراكز ثقافية ورياضية بتمويل عام، أو التأمين ضد البطالة، أو تطبيق نظام البطاقة الخضراء، أو الخدمات الصحية المجانية، تشير إلى الاهتمام الكبير بالسياسات الاجتماعية. حزب العدالة والتنمية الذي عرّف نفسه، في العام 2002، كحزب “ديموقراطي محافظ”، لم يزعم لنفسه، في تلك الفترة على الأقل، دوراً يناصر الوظيفة الاجتماعية للدولة. ونحن نرى أنه، بعد خمس سنوات، قد تجاوز هذه العتبة بكثير. إنه اليوم يوازن بين سياسات التكافل الاجتماعي واقتصاد السوق التنافسي المنفتح على العولمة. أما إلى متى سيتمكن حزب العدالة والتنمية من الاستمرار في موازنة هذين الميلين المتعارضين؟ فهو سؤال يثير الفضول.

أما في مجال تصوراته الثقافية والتاريخية، فحزب العدالة والتنمية يسعى إلى التوفيق بين ميوله اليمينية المحافظة، وهويته الليبرالية والديموقراطية الاجتماعية سالفة الذكر. للوهلة الأولى، لا ترتبط هذه السياسات بعلاقة تعارض حتمي. يمكن القول إنه منذ ماكس فيبر الذي قال إن أفضل من فهم روح الرأسمالية هم المتدينون البروتستانت، ساد الاعتقاد بوجود توافق بين الحداثة التنموية والتدين، أكثر من التعارض بينهما. إن شيوع تعبيرات كـ”نمور الأناضول” أو “الكالفنيين المسلمين” يشير إلى أن الظاهرة المذكورة تتفاعل في تركيا أيضاً وبعمق. ولكن، بنظرة عن قرب، ليس من السهل القول عن حزب يعمل على اجتذاب استثمارات رأس المال العالمي، وتحديث تركيا من طريق فتحها على العالم في كل المجالات الاقتصادية والإعلامية والسياحية والثقافية وغيرها، إنه ما يزال حزباً محافظاً.

ترى ما هو نصيب التاريخ السياسي لكوادر حزب العدالة والتنمية، قبل العام 2002، في ذلك؟ إن هذا الحزب الذي تبنى “المحافظة البراغماتية” في مواجهة “الإسلام السياسي الرومانسي” الذي يمثله نجم الدين أربكان، يمثل، في صورته هذه، أفقاً جديداً في المشهد السياسي التركي. إني أضع خط توكيد تحت كلمة أفق، فمن المبكر القول إنه جمع كل تلك الميول المختلفة في إطار كامل الانسجام، ما يؤهله إلى احتلال موقع الوسطية الاجتماعي. فسوف نرى معاً كيف ستنعكس التوازنات السياسية الداخلية في تركيا على توجهات الحزب مستقبلاً. الأمر الآخر الذي يتمتع بأهمية مماثلة، هو بأي وتيرة ستتقدم، في السنوات العشر القادمة، مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأثر ذلك على أداء الحزب أوروبياً؟ على الرغم من كل هذه المحاذير، يبقى أن حزب العدالة والتنمية هو الحركة السياسية الوحيدة خارج أوروبا، التي تؤيد، بكل هذه الحماسة والوضوح، الاندماج بالغرب. الشكل الذي سيتخذه هذا المسار – والذي يسميه الأوروبيون بـ”الثورة الهادئة” – من اليوم وصاعداً، سيكشف، في الوقت نفسه، الاتجاهات المقبلة للسياسة التركية.

حزب العدالة والتنمية إلى أي درجة هو حزب محافظ؟
إن أحد أكبر التحديات التي يواجهها حزب العدالة والتنمية، هو التوليف الإيجابي بين الميول الأربعة المتعايشة في بنيته. فتأييد حزب محافظ الانفتاح على الخارج، في مواجهة ظاهرة العولمة، وموازنة ذلك بسياسات الدولة الاجتماعية، إنما يشكل تحوّلاً شديد الأهمية في الحياة السياسية التركية. بعيداً عن الهواجس السياسية الظرفية، يشير التحول المذكور، إلى المنحى الذي سيتخذه انزياح موقع الوسطية السياسي. وفي حال تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق التركيب المذكور، سوف يكون قادراً على إنتاج استجابة متوازنة عل كل من مطالب الهوية الأصلية والعدالة الاجتماعية وتطورات العولمة، معاً وفي الوقت نفسه.

وحتى يتمكن الحزب من إنجاز ذلك بصورة سليمة، عليه أن يجيب، كأنصار “الطريق الثالث” تماماً، على سؤال: “إلى أي مدى وأية دولة؟”. إن الانقسام الإيديولوجي في تركيا، والتشتت السياسي الناتج عنه، يتمان حول السؤال عمن يحتكر الدولة لحسابه، أكثر مما حول قدسية الدولة وحصانتها. مثله مثل جميع أحزاب اليمين التي جاءت إلى السلطة، منذ العام 1950 إلى اليوم، لا يملك حزب العدالة والتنمية مشروعية تلقائية بالنسبة للنظام. وكما حدث مع حكومتي مندريس وأوزال، لا يكفي الالتفاف الشعبي حول حزب من الأحزاب، وحصوله على أصوات الشعب وتأييده، وإنتاج برامج ومشاريع اقتصادية وسياسية وتطبيقها، أو بمختصر القول، القيام بما يجب على حكومة القيام به، في ظروف طبيعية… لا يكفي لنيل المشروعية من وجهة نظر إيديولوجيا النظام. لا تصعب ملاحظة المعاناة العميقة لحزب العدالة والتنمية بسبب مشكلة المشروعية هذه، وما تسببه من ضغط نفسي على كادره القيادي.ْ

بسبب هذا الوضع الخاص والحساس، أراد حزب العدالة والتنمية أن يطرح السؤال “إلى أي مدى، وأية دولة؟” طيلة السنوات الخمس المنقضية، لكنه عجز عن إنتاج الجواب. على سبيل المثال، مشروع إعادة هيكلة الإدارة العامة، الذي أريد منه الوصول إلى إدارة حكومية فاعلة وشفافة وقابلة للضبط والمساءلة، حكم عليه بأنه محاولة لإضعاف بنية الدولة المركزية وتقويضها. الإجراءات التي من شأن أي سلطة منتخبة أن تقوم بها بصورة طبيعية، وصفت، بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، بأنها غير شرعية وتوتّر النظام وتدفع إلى الصدام مع الدولة، الخ… في هذه الحالة الروحية الناجمة عن الحصار السيكولوجي، من الصعب القول إن الحزب المذكور قد استطاع القيام بإجراءاته من موقع أنه “هو الدولة”.

الخلاصة، ثمة سؤال ذو وجهين يواجه، اليوم، حزب العدالة والتنمية: هل سيتمكن من تركيب الميول الأربعة في سياساته، فيفتح، في السياسة التركية، أفقاً جديداً؟ أم أنه، في ظل شروط التوازنات السياسية التركية الداخلية، سيتحول إلى حزب “الوطن الأم” آخر؟

-*الدكتور إبراهيم كالن: أستاذ في جامعة هولي كروس الأميركية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق