تركيتان (هاني شكري أوغلو )

{الترجمة عن التركية: بكر صدقي}

العاصفة التي اندلعت بصدد تغيير سلم الدرجات في امتحانات القبول الجامعي مؤخراً – والتي تبدو تفصيلاً تقنياً إذا نظرنا إليه من الخارج – تظهر مدى عمق صراع يتم التعبير عنه بوساطة الرموز. بصورة مشابهة لعبارة “فرنستان” التي تعبّر عن الحقبة الفاصلة بين الثورة الفرنسية والعام 1905 أفضل تعبير، فإن الـ”تركيتين” – وهي أمر واقع مهما حاول المحاولون إنكارها – تشكلان قطبي حرب اجتماعية يتم خوض غمارها بوساطة مختلف الرموز. هذا الصراع بين “التركيتين” يشبه إلى حد ما الصراع الدائر في الولايات المتحدة حول رمزية الإجهاض. لكن ما يختلف في الحالة التركية عن كل من المثال الفرنسي التاريخي والمثال الأميركي الراهن، هو أن الصراع عندنا يتخذ صورة الحرب بين الأديان، بسبب شكل البنية الأيديولوجية التي تشكل أساساً للعلمانية التركية بعدما خلقت أرثوذكسيتها الخاصة.

“تركيا الرسمية” التي بنت مفهومها للعلمانية على قاعدة مادية مبتذلة هي ثمرة خلاسية لمزج “العقل السليم” لدولباخ و”المادة والقوة” لبوخنر، أي بخليط من المادية الفرنسية للقرن الثامن عشر والمادية المبتذلة الألمانية للقرن التاسع عشر، خلطت بين تلك العلمانية وسحر الحداثة، فجعلت منها قوام أيديولوجيتها، وبذلك خلقت، بلا قصد منها أو وعي، ديناً جديداً. ليس من قبيل المصادفات أن منظّري هذه الإيديولوجيا من جيل المؤسسين، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، قد قدّموا أنفسهم بصفتهم مريدي دين يشكل كتاب “العقل السليم” إنجيله. ولكن، بعكس توقعاتهم، أدى تحطم احتكار الحداثة، وفشل العلم في التحول إلى دين المجتمع والبشرية المتحررة بوساطة التنوير بعد إرسال الأديان الموجودة إلى مزابل التاريخ، بعدّها ركاماً من “الخرافات والإسرائيليات”، (أدى) إلى إطلاق حرب دينية قلبت توازنات المجتمع رأساً على عقب. فقد كان مثقفو تيار التغريب العثماني الذين أسسوا العقيدة الرسمية التركية في إطار المجتمع العثماني بدءاً من الربع الأخير للقرن التاسع عشر، يأملون في مستقبل “بلا دين” – وفقاً لتعبير جان ماري غويو – تتحول فيه ماديّتهم، بعد تجميلها ببعض الرتوش المثالية، إلى دين جديد، يجعل الأفراد مؤمنين بالمعنى الفلسفي للكلمة.

{{بين التوقعات والوقائع}}

ضمن هذا المسار المفترض، سوف تلقى الأديان الموجودة مصير الديانات الوثنية القديمة، وتتحرر البشرية من مشكلة الدين، فتزيد من سرعة تقدمها على طريق التطور. بالمناسبة، كان أصحاب هذه الأفكار يعتقدون أنه بعد فترة انتقالية قصيرة من “التنوير – التنوّر” سوف تتحقق بيئة من السلم والاستقرار الاجتماعيين، لا مكان فيها لـ”مشكلات” ذات منبع ديني. من يعرفون جيداً التاريخ الثقافي للحقبة المحددة بأواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، سيسلّمون بسهولة بأننا لا نبالغ في حديثنا عن فشل التوقعات بصدد ما حصل من تطورات واقعية في هذا المجال. هذه الترسيمة التأملية التي تبدو لنا اليوم بلا معنى تقريباً، كانت النظرية السائدة في الحياة الثقافية في تلك الحقبة، وكان الإيمان تاماً، في الأوساط المذكورة، بأن البشرية على وشك تحقيق واحدة من أهم قفزاتها أهميةً عبر التاريخ.

التطور الآخر، في النصف الأول من القرن العشرين، الذي عجزت تركيا الرسمية عن التنبؤ به، هو أن العقيدة العلمانية الرسمية قد خلقت أرثوذكسيتها الخاصة. فمثلها مثل الجماعات البروتستانتية الأمريكية التي تتبنى اليوم مواقف أكثر تشدداً من الكنيسة الكاثوليكية في كثير من الأمور، أو الحركات الوهابية والسلفية التي انطلقت من مبدأ النقاء أو الطهرانية (Puritanism) في إطار الدعوة للعودة إلى جوهر الإسلام، لكنها انتهت إلى تحويل أطروحتها إلى نظرية متحجرة، قامت العقيدة الرسمية التركية القائمة على العلمانية، بخلق أرثوذكسيتها الخاصة، وتحول قسم من أنصارها إلى مريدين.

{{المشكلات التي تواجه خلق تركيا موحدة}}

لم يكتف هذا الدين الجديد الذي خلق أرثوذكسيته الخاصة، بمنح الأدب مفهوم “الإنسان العلماني”، بل سعى أيضاً إلى إدخال الإيمان إلى قلب الجمهور، بوساطة رموز متنوعة. غير أن العقيدة الرسمية واجهت، في هذا المجال، ثلاث عقبات رئيسية. أولها مقاومة الأديان التي طالما رأت فيها “ركاماً من الخرافات”، واستجابتها لتحديات الحداثة بالتصالح معها. بنتيجة ذلك حرمت العقيدة المذكورة من سلاحها الأمضى ألا وهو “سحر الحداثة”، وواصل الدين أداء دوره الاجتماعي، بدعوى أنه يقدم حلولاً أفضل لمشكلات الحداثة من تلك التي تقدمها العقيدة الرسمية. إصرار هذه الأخيرة على عدم الاعتراف بفقدانها احتكار الحداثة، وعلى “تنوير الجهلة” بوساطة أفكار التنوير للقرن الثامن عشر، قد لعب دوراً كبيراً في خلق أرثوذكسيتها. وتقوم هذه على فكرة استحالة التصالح بين الدين والحداثة، وترفض، في الوقت نفسه، إمكانية وجود “حداثات” مختلفة، فتدافع عن حداثتها الخاصة بوصفها “الوحيدة الممكنة وغير القابلة للنقاش” رغبة منها في مواصلة احتكارها المذكور. في تطور ما كان لمؤسسي العقيدة في أواخر القرن التاسع عشر أن يتخيلوه، تخلف مفهوم الحداثة الذي دافعوا عنه، عن قسم من المقاربات التي احتقروها بوصفها ركاماً من الخرافات، في ميدان التوافق مع التطورات الاجتماعية الراهنة.

العقبة الثانية التي واجهتها العقيدة الرسمية، هي أنها، بسبب أرثوذكسيتها، بدلاً من أن تخلق “ديناً لفرد متدين بالمعنى الفلسفي” في عصر تزول فيه الأديان، كما تنبأ منظروها، قد واجهت صعوبات كبيرة في كفاحها ضد الأديان الموجودة، بسبب كونها ديناً متشدداً ذا أساس مادي.

وتتمثل العقبة الثالثة في أنه تم تبنيها من قبل أقلية في المجتمع، على عكس المأمول، وذلك بسبب المشكلات المذكورة في العقبتين الأولى والثانية. ما دامت هذه الأقلية محتكرة لميدان الثقافة، وما دامت السياسة قائمة على نظام الحزب الواحد التقدمي، لم تفصح هذه المشكلة عن نفسها بقدر ما يجب. ولكن مع الانتقال إلى نظام تعدد الأحزاب في السياسة، وكسر احتكار الميدان الثقافي، بل انقلاب التوازنات في هذا الأخير إلى عكسها، بدأت الأيديولوجيا التي نشأت بهدف التحرير، تأخذ منحىً قمعياً متصاعداً.

المقارنات التي أجريت مؤخراً بين المرحلة الراهنة والمجتمع العثماني بعد عصر التنظيمات، ركزت على المشكلات الناجمة عن البنية المزدوجة التي أفرزتها التنظيمات، في زعم مشابه لمزاعم راجت بعد العام 1908. لكن هذه الازدواجية بقيت على الرغم من إلغائها على الورق بوساطة إجراءات تشريعية من قبل حكم “الاتحاد والترقي” وعهد الجمهورية. الأمر الذي يظهر أن المشكلة أعمق من أن تحل بإجراءات من هذا النوع.

إن مسألة كيف يمكن تحويل تركيا المزدوجة إلى تركيا واحدة، بنوع من المصالحة بينهما، هي مسألة علينا جميعاً أن نمعن التفكير فيها. إصلاح الأيديولوجيا التي تأسست في المرحلة الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية، وتحجرت في الأربعينيات في صورة مذهب أرثوذوكسي متشدد، (إصلاحها) لنفسها، بمراجعة التطورات التي ظلت بمنأى عن توقعاتها الأصلية، من شأنه أن يشكل خطوة هامة في سبيل توحيد التركيتين في واحدة. أما التمسك بالأرثوذوكسية والإمعان في التحجر، فهو، على عكس ما يظن، سيزيد من صعوبة الانتقال إلى “تركيا واحدة”. ولكن يجب ألا ننسى أن تحويل التركيتين إلى واحدة عن طريق إلغاء إحداهما للأخرى، لن يتحقق إلا بقلب النظام الاجتماعي رأساً على عقب. على الرغم من وجود من لا يقبلون بالحلول الوسط داخل التركيتين، فهم لا يشكلون سوى أقليات صغيرة، وهذا ما يمنحنا إمكانية التطلع إلى المستقبل بأمل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق