تزيفيتان تودروف : الأنوار حركة تحرير المجلة الأدبية (ماغازين ليترير) ترجمة حسين عجة

{ترجمة حسين عجة}

في لقائه مع “ماغازين لترير” (المجلة الأدبية) يحاول تودوروف تناول عصر الأنوار الأوروبي من جوانب مختلفة، لا تقتصر على تقديمه كعصر للمعرفة وحسب، بل وأيضاً كانطلاقة جذرية لولادة مفهوم الحرية الذاتية والجماعية باعتباره يؤسس الحضارة والثقافة، ويغذيهما.

المجلة الأدبية: على الصعيد التاريخي، كيف تشخص مرحلة الأنوار؟

تودروف : النقطة المركزية في فكر عصر الأنوار هي نقد الوصايات الخارجية والتأكيد على الاستقلال الذاتي. فهو، في المقام الأول، حركة تحرير تؤكد ضرورة تحمل الفرد الإنساني لمصيره بنفسه، إن كان ذلك المصير سياسياً أو فردياً. إذ لم تعد التقاليد من يمسك القانون ويطبقه، بل البشر أنفسهم : الشعب هو صاحب السيادة. ذلك هو معنى “الإرادة العامة”، أي الفكرة التي أدخلها جان جاك روسو على حقل التفكير عبر كتابه “العقد الاجتماعي”. لا يمكن التلاعب بإرادة الشعب، ولا يمكن إيداعها بيد أحد إلا وقتياً، فالملك نفسه أصبح مسؤولاً أمام الشعب. لقد أدى ذلك الرفض للوصاية، في ذات الوقت، إلى خيبة أمل من العالم. إذ أصبح الكون برمته خاضعاً لقوانين الطبيعة، ولم يعد هناك مكان للقدسي إلا ضمن الإيمان الذي تحول إلى شأن فردي : كان غاليليو ونيوتن قد برهنا على تماثل العالم الفيزيائي. فما إن نعيش ضمن عالم طبيعي بكامله، أي في عالم ما عاد خاضعاً للقوى السحرية، حتى تتمكن العلوم من الانطلاق : العلوم الطبيعية، لكن الانتربولوجيا والسوسيولوجيا أيضاً، وكذلك السيكولوجيا وعلم التاريخ. كل شيء يغدو مادةً للمعرفة. كما ينفتح الأفراد أنفسهم على تنوع الكون : انفتاح جغرافي، يرافقه فضول عال لمعرفة عادات البلدان الأخرى وسلوكاتها ، كما هو انفتاح تاريخي. ومن ثم يبتدئ العمل على وصف المراحل السابقة، ليس بوضع لائحة أمثلة عنها على طريقة “مونتين”، ولكن بالبحث عن تواصلها الخاص.

إن عصر الأنوار هو إذن، في آن معاً، شمولية العالم والتنوع اللانهائي للاختلافات. كل هذه المبادئ الأساسية التي تعيش في ظلها حداثتنا قد ابتدعها عصر الأنوار.

المجلة الأدبية : ألا يمكن أن تكون هذه صورة مثالية، فعصر الأنوار قد واجه، منذ بدايته الأولى، انتقادات لاذعة.

تودروف : بعض تلك الانتقادات مشروع، والبعض الآخر يستند على سوء فهم. إن أول تلك الانتقادات لمشروع الأنوار كان يتعلق بخطر الإرادة غير المحدودة. فإلى أي شيء سيخضع الكائن الإنساني عندما يكف عن الولاء لقوانين جاءت من مكان آخر؟ إذ دون حواجز المنع، كما كان يُقال في القرن التاسع عشر، سينتهي الإنسان بخلق الغولاغ، ويقضي على الأجناس الضعيفة. ضمن فكر عصر الأنوار، تواجه الإرادة تحديدين مزدوجين: أولهما الإنسانية إذ هدف النشاط الإنساني هو لصالح خير الإنسانية، فالبحث عن السعادة احتل مكان البحث عن الخلاص، وإذا لم تكن الفاعلية التي يقررها الفرد المستقل، تخدم مصالح الإنسانية، ولا تضمن للشعب سعادة كبيرة، فينبغي طرحها جانباً. أما التحديد الثاني، فهو الشمولية، فكل مفكري عصر الأنوار كانوا حساسين حيال هذا الشرط. فعند روسو لا بد ، لمعرفة ما هو عادل، من مراقبة ما ينصب في خانة المصلحة العامة. أما مونتسكيو، فيؤكد على ضرورة التخلي عن فكرة تتناقض مع مصالح الإنسانية. بعد ذلك، أعطى كانط لهذه الشمولية صياغتها الفلسفية. إن المجاهرة بالآراء المتعلقة بالإيمان بتلك الشمولية تحدّد إطاراً بعينه : ليس من المباح القيام بكل شيء. لقد جرت المطالبة بالاستقلال، استقلال الفرد والمعرفة، واستقلال الشعب، لكنه استقلال محدد، موضوعاً في إطار الشمولية والإنسانية.

المجلة الأدبية : لقد حددت مبادئ عصر الأنوار هذه أفقاً للتقدم. أما اليوم، فإن كل خطاب يرجع

إليها يصطدم بأشكال الرعب التاريخي وباستحالة الإيمان بغد أفضل.

تودروف : على عكس ما هو شائع، لم يطالب أي من رجال عصر الأنوار بفكرة التقدم الأحادي. وفي المقابل، أعلن جميعهم التمسك بفكرة كمال الجنس البشري، ولقد كان صراع نظرية التقدم مع نظرية الكمال هذه قد ولدَ توتراً مثيراً. كان “تيرغو” من أشد المدافعين عن فكرة التقدم. فقد تناول من جديد مشروع “بوسويه”، المتعلق بإكمال الإرادة الربانية، وذلك بإبدالها بمضمون دنيوي. أما فولتير نفسه، فقد كان أكثر تردداً : كان يؤكد أن الإنسانية تتوجه ببطء نحو التقدم، وقد شدّدَ على مفردة بطء. ومن جانبه، كان “ليسنغ” ينافح من أجل مفهوم للتاريخ يضع بعين اعتباره تربية الجنس البشري : لا نرتكب الشر إلا بحكم الخطأ، كذلك يمكن تعليم الخير. إن تيار عصر الأنوار هذا يؤمن بالتقدم، لكنه كان يتعثر بالعديد من الانتقادات، كتلك التي وجهها إليه “هيوم” أو “ماندلزون”. لقد كانت فكرة التقدم واحدة من الطروحات الأساسية التي نتج عنها صراع ما بين روسو والإنسكلوبديين (الفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا في وضع موسوعة المعارف في القرن الثامن عشر). فروسو كان يفكر بأن كل تقدم سيُدفع ثمنه غالياً على صعيد التراجع. ففي كتابه “مقالة عن أصل اللامساواة”، يحذر من التالي : كلما قمنا بتسهيل حياة الفرد، أثقلنا بذلك على الجنس البشري. ستصبح خطوات التقدم العلمي تعاسة للناس. فها هو خطر يتمثل في اعتقادنا بأننا قادرون على تصور الجنة على الأرض. لا يدعي روسو بناء إنسانية متكاملة، أو تخليصها من كل آلامها، ففي نظره تسيل فكرتا الخير والشر من ذات المنبع. إن معالجة الإنسانية مما هي عليه قد ينتج عنه جنس بشري آخر. لذا فهو ينظر للحياة الإنسانية باعتبارها “حديقة غير مكتملة”، لكي أستخدم مجاز “مونتين”، إذ ليس البرنامج السياسي الجيد لوحده، أو إعادة توزيع وسائل الإنتاج منْ بإمكانه تنظيم كل شيء. لم تسمع الثورات من تعاليم الأنوار سوى قسماً واحداً. ومع ذلك، يصر روسو على فكرة التكامل (فهو، كما يبدو، منْ ابتدع تلك المفردة) : في كل لحظة، يستطيع الفرد الإنساني تصور حالة أفضل من الحالة التي يجد نفسه فيها في الحاضر، فيما لا يتمتع الحيوان بمثل هذا الشعور وليس بمقدوره تخيل وضع آخر غير الذي يعيش فيه. أما الكائن الإنساني فيمتلك قدرة استثنائية على طرح مثُل، أي الرغبة في التغيير. لقد عاش في الخطيئة، كما يقول المؤمن، ثم قرّر عدم القيام بها ثانية. بيد أن ذلك لا يقدم معنى للتاريخ! فنحن عندما ننتقد بسذاجة التقدم، نظل أوفياء للأنوار. لكنها أنوار “ماندلزون”، روسو وكانط، أكثر من كونها أنوار “تورغو”، “ليسنغ”أو كوندورسه.

المجلة الأدبية : بعد أن قامت الثورة بقلب كل أوروبا، وتحولت إلى جيوش نابليونية للغزو، شهدنا اشتعال لهيب القوميات، العودة إلى تراب الوطن، سفك الدماء، التقهقر نحو الماضي، إلى عمق الأساطير. أما اليوم، وبعد اعتقادنا بأن هذه الشياطين القومية قد دخلت في جحرها، ها هي تعاود الانبثاق.

تودروف : إن الصورة التي تحضر في ذهني هي صورة ذلك الأفعوان الخرافي ذي التسعة رؤوس والتي لا تكف عن البروز دائماً من جديد. فرجال عصر الأنوار، بإبطالهم شرعية الملكِية والكنيسة، كانوا يحسبون أنفسهم “هرقل” الذي يقطع تلك الرؤوس، دون أن يلاحظوا أنها سرعان ما تشب ثانية. فالتكاملية، وحدها، ليس بمقدورها قيادة التقدم الواضح، وسترغمنا دائماً على البدء ثانية وبشكل متواصل. ذلك لأن ردود الأفعال ضد الاستقلال، والإنسانية، والشمولية لا تكف عن المعاودة: الكائن البشري ليس بالبساطة التي كان يؤمن بها انتربولوجيو عصر الأنوار. فهو يأمل في الحرية والتحرر، لكنه يخاف أيضاً من تلك الحرية، وينشد الحماية والعيش ضمن الروتين، وكذلك يمنح نفسه للأنانية.
دعني أؤكد على أن مهاجمة الأنوار قد تمت، منذ القرن الثامن عشر، من جانبين متعارضين، فاللوم يوجه لها في وقت واحد لأنها قامت بأشياء كثيرة، ولأنها لم تقم بالشيء الكثير. كان مونتسيكو يقول إنه يشعر بنفسه وكأنه شخص يسكن الطابق الأول : يزعجه في آن الدخان المتصاعد من الطابق التحتي وضوضاء الطابق العلوي…أما روسو، فيكتب لـ “بومونت” إنه ما أن انتهى بالكاد من نقاشه مع الأتقياء، حتى كان عليه منازعة “الفلاسفة. ”

المجلة الأدبية : ثمة إذا طريقة أخرى لمناقضة الأنوار : معرفة حرة، لكنها لم توضع في خدمة عيش أفضلللإنسانية.

تودروف : يجب فعلياً التمييز ما بين أشكال رفض التحريفات التي تدفع ببرنامج الأنوار إلى نهايته القصوى، بحيث تحوله إلى ما هو نقيضه. فعندما يقول الماركيز دي ساد، في كتابه “فلسفة الصالون”، إنه لا ينبغي علينا أبداً الخضوع لوصايات قادمة من الخارج ولا الركوع أمام أخلاقية التقاليد، فأنه يظل ضمن عقل الأنوار. لكنه عندما يطالب بجعل الآخر يتألم، لأن ذلك يوقظ شهوته، فهو يتنصل عن بحث الخير العام، لذلك فإن الكابح المضاد للحرية غير المحدودة ، وبصورة أكثر أهمية، تخيل الإنسان قادراً على إشباع نفسه ذاتياً، شيء ضروري. وبذات الطريقة، فإن التوليتاريين هم أطفال غير شرعيين للأنوار. فالشيوعية مثلاً تطرح كفرضية الشفافية الكاملة للكائن الإنساني على صعيد المعرفة : قدرة على معرفة كل شيء وبالتالي إمكانية خلق إنسان جديد عن طريق إعادة تربية الإنسان الحالي، وذلك عبر التحويل الاجتماعي لظروف الحياة. لكن مشروع الأنوار ، والحال هذه، ينطوي على ما هو مجهول. فمونتيسكيو يؤكد على وجود جانب لا يمكن معرفته عند الكائن الإنساني، وبأن هذا الشيء يرتبط بحريته بحد ذاتها، والتي يفلت بفضلها من الحتمية السببية. أما النسبية الراديكالية فهي شكل آخر لذلك الانحراف. فسود أفريقيا هم بشر كالبيض الأوربيين. غير أن الاعتراف بهذا التنوع ينطوي رغم ذلك على وحدة الجنس البشري. بالمقابل، يمكن لتلك النسبية الراديكالية أن تقود إلى فكرة أن الأجناس البشرية شديدة الاختلاف إلى حد لا يمكنها أن يتواصل بعضها مع البعض الآخر ولا الاندماج في ما بينها. أما اليوم، فنحن مهددون أكثر من أي وقت آخر بتحريفات عصر الأنوار أكثر من كوننا مهددين برفضها. لقد سعت الأنوار لإحلال هدف إنساني محل الهدف الإلهي لممارساتنا، وتبرير وجودنا. والحال هذه، نجد أنفسنا يوماً بعد آخر مأخوذين بحركة تقود إلى التنصل عن تلك الغائية الإنسانية : لم يعد هناك من شيء آخر سوى الوسائل. وننسى أنها قائمة من أجل خدمة غاية، كما نواصل بلا هوادة فكرة التطور، والإنتاجية، دون تساؤل عن غائية هذا النشاط المنفلت. لكن الفاعلية الإنتاجية لا تشكل هدفاً في حد ذاتها، فلا جدوى منها إن لم تكن موضوعة في خدمة حياة أفضل.

المجلة الأدبية : من بين أطفال عصر الأنوار الشرعيين أو غير الشرعيين، نلتقي بالليبرالية، وهي فكرة غالباً ما تمّ ربطها وبانتظام، في القرن التاسع عشر، بعقل الأنوار. لقد تبدل معنى تلك المفردة وصار يختلط اليوم بالاقتصاد الذي يعمل لوحده تماماً.

تودروف : باعتباري مؤرخا للأفكار، أشعر بالضيق من الاستخدام المعاصر لكلمة “ليبرالية”. فمع الحط من شأن اللغة الماركسية نوعاً ما، حلت هذه المفردة محل كلمة “رأسمالية”. بيد أن ليبرالية أوروبا كانت قبل أي شيء ليبرالية سياسية. وكانت تهدف إلى وضع كابح لحركية الدولة، لكي لا تفرض علينا طريقتها في التفكير وفي العيش. إذ يمكننا اليوم اختيار ديننا، اختيار المدرسة التي نرسل أطفالنا إليها، والمدينة التي نعيش فيها. لكن في بلغاريا، مسقط رأسي، كان من الصعب تماماً، في ظل الديمقراطية الشعبية، السكن في صوفيا إذا كان المرء قد ولدَ في مكان آخر. كذلك يصعب عليه اختيار مهنته أو مكان عمله. وقد شكل ذلك نقيضاً لليبرالية. ولا يسهل عليّ تخيل عداء معاصرينا لهذا النوع من الليبرالية السياسية، والتي كانت هي ليبرالية مونتسيكيو، بنيامين كونستانت وتوكفيل، أو ريموند أيرون، أي ورثاء الأنوار هؤلاء.

المجلة الأدبية : كانت إحدى أسس عصر الأنوار تشكيل الرأي العام. أما اليوم، وحتى في الديمقراطيات الليبرالية، أصبح التلاعب بالرأي العام تقنية تعمل هي الأخرى لوحدها، حيث يمكن نسيان الغائية الإنسانية.

تودروف : لقد وضعت أجهزة الإعلام في الغالب في خدمة غرض يفتقد لأي نبل : مضاعفة قوتها الخاصة وتعزيزها، وهذا ما يشكل انحرافاً للأنوار يسلبنا استقلالنا. نحن نظن أننا أحرار، لكننا خاضعون للدعاية التي تجعلنا نرشح كقطرات الماء عبر شاشاتنا الصغيرة، وصحفنا. إنها أجهزة تعددية، لكنها قائمة ضمن إطار داخلي تم تحديده سلفاً. تقتضي الأنوار اليقظة. ففي كتابه “مقالة عن أصل اللامساواة”، يذكرنا روسو بأنه في مواجهة أي ضغط يمتلك الكائن الإنساني، والكائن الإنساني وحده، القدرة على القبول أو المقاومة. لا ينبغي أبداً نسيان ذلك : فنحن أيضاً يمكننا المقاومة.

ترجمة حسين عجّة

نشر الأصل بمجلة(Magazine Littéraire)الفرنسية

عدد خاص بـ”عصر الأنوار”

العدد 450 شباط2006

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق