تساؤلات حول الديموقراطية الأميركية

نشرت مجلة “التايم” مقتطفات من كتاب جديد يحمل عنوان “هجوم على العقل”، ويعتبره البعض أهم كتاب سياسي لهذا العام في الولايات المتحدة. ويحذر فيه “آل غور” نائب الرئيس الأميركي السابق من أن الديموقراطية الأميركية في خطر حقيقي، ليس فقط بسبب سياسات إدارة جورج بوش، ولكن لأن المجتمع بأكمله بدأ يتنازل عن قيم كثيرة، وبسبب تغييرات غير مسبوقة في بيئة الأفكار، إضافة إلى الاعتماد على الكذب كأساس للسياسة الأميركية بشكل غير مسبوق.

وقبل “آل غور”، طرحت تساؤلات عديدة حول الديموقراطية الأميركية، وبالأخص طرح سؤال عما إذا كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة إدارات ديموقراطية حقاً أم أنها إدارات “بلوتوقراطية”، بمعنى إدارة الأثرياء، من جهة مراعاة وخدمة مصالح أصحاب النفوذ من الأثرياء وكبار الرأسماليين الذين يمولون الحملات الانتخابية الرئاسية من خلال تقديم المعونات والتبرعات السخية التي قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات. ويصف العديد من الباحثين والمفكرين النظام الأميركي بأنه أكثر النظم فساداً، كونه يقوم على الرشوة المتمثلة في تلك التبرعات وسواها.

وتستند التساؤلات حول طبيعة وأقلمات الديموقراطية في الولايات المتحدة الأميركية إلى معطيات واعتبارات عديدة، إذ اعتبرت النخبة السياسية الحاكمة في النظام السياسي الأميركي قرار شن الحرب الأميركية على العراق قراراً مصيرياً يعبر عن المصلحة القومية الأميركية حقاً، فيما اعتبره البعض يعبر عن المصالح السياسية والطبقية لتلك النخبة ومصالح الفئة الضيقة التي تمثلها وتخدمها، حيث غابت الشفافية في مجال المعلومات المتعلقة بعملية صنع القرار، بوصفها سمة أساسية من سمات أي نظام ديموقراطي، الأمر الذي عنى غياب حق الشعب في معرفة الحقائق التي تبيّن وجاهة عملية صنع القرار، وأنه يخدم المصلحة القومية فعلاً.

وتكشف اليوم مدى الخداع والكذب اللذين مارستهما إدارة الرئيس بوش في حربها على العراق، وذهب توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، الذي اضطر إلى تحديد موعد استقالته ذات المذهب الذي سلكه جورج بوش، حيث أتقن بامتياز دور التابع الأمين لتوجهات وخطط الإدارة الأميركية، وردد ذات الحجج والأكاذيب، ومارس نفس التزييف.

وكتب “بول كروغمان” في مقال نشره في “النيويورك تايمز” بعنوان “ديكتاتورية أميركية منتخبة” عن ممارسات الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني وباقي أركان الإدارة الأميركية، حيث أشار إلى أن بوش وتشيني يصدران في الواقع عن موقف مبدئي، ينهض على إخفاء الحقائق عن المواطنين الأميركيين، كي لا يعرفوا أسرار تورط رجال السياسة مع رجال الصناعة ومديري الشركات الكبرى في علاقات، يجري خلالها إثراء رجال السياسة بشكل غير مشروع. واعتبر “كروغمان” أن “تشيني” يدافع عن مذهب يجعل من الولايات المتحدة الأميركية نمطاً من ديكتاتورية منتخبة، من خلال نظام يمكن فيه للرئيس أن يفعل ما يحلو له، لأنه غير ملزم بالتشاور مع أعضاء الكونغرس أو مع الشعب.

إن الديموقراطية هي آلية للحكم، تهدف إلى حماية الفرد والمواطن ضد قابلية السلطة لأن تكون استبدادية، أي مثلما هي مجسدة في أغلب النظم السياسية العربية الحالية. وهي ليست أكثر من أداة لتحقيق هدف سياسي وإنساني يخص الشعب، وبالتالي لا يمكن اعتبار الديمقراطية هي الهدف الوحيد، أو نهاية المطاف.

مع تكشّف جرائم التعذيب والسجون السرية والمتنقلة، فإن المسؤولية عن هذه الجرائم المنظمة والممتدة زمنياً تطاول رموزاً كبيرة في الإدارة الأميركية، إذ لا يمكن للجنود الأميركيين، ولا رجال الاستخبارات الأميركية أن يتصرفوا في أبو غريب، أو في غوانتانامو، من دون تعليمات وأوامر عليا من وزارة الدفاع، ومن وزارة العدل؟ خصوصاً في ضوء تقارير صحفية أميركية تشير إلى قائمات تحتوي على أساليب لتعذيب السجناء في غوانتانامو، وأفغانستان، والعراق، بهدف انتزاع معلومات منهم، وتمت إجازتها من طرف قيادات عليا في وزارة الدفاع، وفي وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

وهناك من يحاول التخفيف من هول جرائم التعذيب، بذريعة غياب الاحتجاج في التجاوزات والانتهاكات في السجون العربية، حيث يعتبر الديموقراطية الأميركية عاملاً يخفف من بشاعة الجريمة. بينما تكمن حقيقة الأمر في عكس ذلك، إذ أن حدوث مثل هذه الجرائم يعني فشل النظام الديموقراطي في تحقيق هدفه الرئيس. وبالتالي فإن الادعاء أن أميركا بلد ديموقراطي، والكلمة الفاصلة فيها في النهاية هي حكم القانون هو ادعاء عقيم، ويشبه كثيراً عقم أحكام الديموقراطية في إسرائيل، خصوصاً وأن كلا الدولتين تمارس احتلالاً، ولا تقبلان بسريان مفعول معاهدة جنيف على الأراضي المحتلة. وتتكشف مشهديات الديموقراطية في كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل عن تمثيلات عديدة، فكل سلوك بربري، أو فعل يصل إلى جريمة حرب، ما يلبث أن ينتهي “قانونيا” كتفوق أخلاقي، ويتم تبريره بالمعاناة النفسية أو بالألم الثقافي أو بغيره من الحجج والذرائع عند القائمين على ممارسات قوى الاحتلال.

إن خطورة ما يحدث من جرائم التعذيب والسجون السرية يطرح أسئلة أكثر خطورة، فهل المنطلقات الإنسانية للديموقراطية الأميركية، وما تفرضه من التزامات قانونية وأخلاقية، مقصورة على الشعب الأميركي دون سواه أم أن الأمر يتعلق بالنظرة العنصرية التي أسست لها الصور النمطية للإنسان العربي، ومحورتها حول صورة الإرهابي الذي ساهمت في تعميمها الإدارة الأميركية ومختلف وسائل الإعلام الأميركي؟

إذن، يطال التساؤل مدى تطابق مفهوم الديموقراطية لدى الطبقة الحاكمة من ناحية، ولدى أفراد الشعب من ناحية أخرى، ويمتدّ إلى مدى نجاح الديموقراطية الأميركية على محك التجربة، خصوصاً في إطار السياسة الخارجية الأميركية.

لاشك أن دخول الولايات المتحدة الأميركية في اللعبة العراقية كشف عن الوجه الآخر لها. الوجه السيئ الذي يجعلها أشد مروقاً من “الدول المارقة”، من طرف استخدامها ذات أساليب المروق، فهي تفعل، كنظام، أو إدارة، كل ما يدخل في خدمة مصالحها، وكل ما تراه مناسباً لطموحاتها وشطحاتها الإمبراطورية، ثم تبحث عن المبررات والحجج المناسبة.

ويبدو أن الديموقراطيات الليبرالية تعيد أقلمتها، في أيامنا هذه، بما يتطابق مع الحدّ من الشفافية التي تميزها عن غيرها، وبما لا يفضي إلى المساءلة والمحاسبة المطلوبتين. بذلك يغيب حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وفي مراقبة أفعال السلطة ومحاسبتها. والخوف، بل والمحزن أن تطبق فعالية المساءلة والمحاسبة بعد فوات الأوان, أي بعد أن يطاول الكذب والتزوير كل ممارسات الواقعية السياسية، من أجل تحقيق “إجماع” عام حول ما يريده النخبة المتنفذة في السلطة.

وقد قدمت الديمقراطيات الليبرالية في أميركا وبريطانيا، مشهديات إعلامية متنوعة، عملت على تشجيع الكذب والتزييف، وتسترت على جرائم عديدة، وغيرّت / وغيّبت الحقيقة عن جمهور واسع قصد التبرير لشن الحرب. وتكاد مشهديات التحضير للحرب ومشهديات الاحتلال أن تتحول إلى بذاءات، تطال بنية السياسة ذاتها، وتجعل منها لعبة أكثر قذارة، تلوث كل من يقترب منها، الأمر الذي يذكرنا بممارسات الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، ويحيل إلى الاستنتاج بأن التخليق السياسي في ظل الليبرالية الجديدة يستحيل إلى تخليق للدولة يتأرضن في صور شتى، تقترب من كليانية شمولية أو فاشية، ولا يغيب عن هذه الحركية ارتباط عدد من الدول الديموقراطية بديكتاتوريات عديدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق