تساؤلات حول الشريعة في زمن العولمة

تزايدت، وبحدة، في الآونة الأخيرة محاولات المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية من قبل معظم ممثلي جماعات الإسلام السياسي. لدرجة أن أعلن بعض أعضاء الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بمصر أن تطبيق الشريعة بمثابة الهدف الأسمى للجماعة، وأنه يتربع على قمة أولوياتها الآنية والمستقبلية.
وحقيقة القول، إن مفهوم الشريعة، يمثل في حد ذاته إشكالية كبرى تحتاج إلى العديد من المحاولات الجادة لفض الغموض المتعلق به من ناحية، وبحث مدى ملاءمته لسياقات العولمة من ناحية ثانية. ذلك أن الدلالات المختلفة لهذا المفهوم، فضلا عن تمسك كل فريق بتأويله الخاص له، يحول دون الاتفاق حول نقاط محددة، وخاصة تلك التي تتعلق بمعنى الشريعة والوقوف على ماهيتها، وعن أي شريعة يمكن تطبيقها يتحدثون: هل يتحدثون عن الشريعة بالمفهوم الجنائي؟ أم الشريعة كما هي متعارف عليها لدى علماء أصول الفقه قديما والحقوقيين حديثا؟!.
وما هي الشريعة المقصودة المترتبة بشكل مباشر على اعتماد “الإسلام هو الحل” كمبدأ أساسي لدولة الإخوان؟ وهل الحل الإسلامي، والحالة هذه، واحد من عدة بدائل، أم يمثل تجسيدا لكل الحلول الأخرى؟ وهل سيتم، حالة اعتماده حلا أوحد، تصنيف الاختلاف بينه وبين الحلول الأخرى على أساس ديني أم سياسي؟!. وما هو الاستخدام الأمثل، أو الخيارات المتاحة، للتعامل معها كما هي وفق المفهوم الجنائي: هل نتقبلها كما هي ومن ثم نطبقها بنفس الآليات القديمة؟ أم نرفضها كلية، أم نعيد فهمها من جديد ونطور من آلياتها في سياق أشمل؟!.
وما هي نتائج الأخذ بالخيار الأول على مستوى كل من: المواطنة، والأقباط، والمرأة، والعلاقات الدولية…إلخ؟! وما هو الفارق بينها وبين الدستور؟ وهل يخدم تموضعها في الأخير، على حساب الدين، أهدافها الرئيسة أم أنه يسهل من مهمة توظيفها سياسيا وأيديولوجيا، كما الحال في مصر؟ وهل الأجدى أن نتناقش الآن حول “الشرعية السياسية” بدلا من اللغو المفرط حول “السياسة الشرعية” وما الفارق بينهما؟ أخيرا: ما هي المرجعية التي تعول عليها مثل هذه الجماعات في المطالبة بتطبيق الشريعة، هل هي محض مرجعية نقلية، أم هي أنها تعول على التجربة السياسية التاريخية للأمة الإسلامية؟!.   
يمكن القول، إن التساؤلات السابقة تعكس حالة التخبط، إن لم يكن انعدام الوعي، بطبيعة الشريعة في الإسلام، كما لو أننا نتحدث عن كائن هلامي ليس له وجود. ففيما يؤكد المنظر القانوني “رونالد دوركين” أنه إن لم يكن لدينا وضوح تام حول المفاهيم التي نستشهد بها، فسيكون هنالك تشويش بدلا من إجراء حوار حقيقي، نعيش حاليا هذا التشويش بكل تجلياته ونحن نبحث بصفة خاصة كافة مفردات الإسلام السياسي.
ومما يضاعف من أهمية هذه التساؤلات، أن الخلط الكائن يرتحل من الجانب النظري إلى التطبيقي، فاختزال الشريعة في جانبها الجنائي، والذي لا يتعدى 2% منها فقط، وبواقع 4 آيات من أصل 220 آية تحدد أصولها في القرآن، يعني أن ثمة 88% منها مهمل وغير مطروح بتاتا. الأمر الذي من شأنه الإجحاف بحق الحقوق المدنية والسياسية، وترجيح كفة الواجبات على حسابها.
وفي الواقع، لا يتجاوز تمسك مثل هذه الجماعات بفكرة الشريعة حاجز الشعار العام الذي يجري توظيفه لتمرير فهمهم للنصوص الدينية من جهة، ولتحقيق مكاسب سياسية آنية من جهة ثانية. ذلك أن مجرد التمسك بها يعد أحد أسباب الجذب لدى قطاع عريض من الجماهير الإسلامية، والذي تلهبه مثل هذه الشعارات، حتى لو كانت تنطوي على قدر كبير من الخداع والتضليل، وهو أمر طبيعي، ومتوقع أيضا، في ظل الحالة الفكرية العامة التي تعيشها أغلب الشعوب الإسلامية، العربية منها بصفة خاصة.
وحتى مع الإقرار بكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، كما ينص على ذلك الدستور المصري في مادته الثانية، فإن ذلك سيتضمن بالضرورة إثارة هواجس عدة تتعلق بمدى قدرتها على استيعاب الطفرات الهائلة التي تنمو باستمرار في الفضاء العالمي الجديد. ومن ثم، لا يمكن قبول تعيينات هذه المبادئ على علاتها، وإلا: كيف يمكن أن تنتظم جملة القواعد التشريعية البسيطة في فضاء عام يبتلع ما هو كائن في سبيل إنشاء كيانات جديدة ويعيد مرارا وتكرارا هيكلة الأوضاع وفق أسس ومبادئ لم يعد في الإمكان حتى التنبؤ بها؟.
وهل يتم التعامل مع هذه الإحداثيات باعتبارها من “محدثات الأمور” وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟!! أم نقرها كواقع ونجتهد في فهمه والتغلب عليه؟. وإذا كانت بعض الاتجاهات المتشددة، ترفض الحداثة جملة وتفصيلا، وتنطلق من ذهنية تحريمية بلغت حد تأليف أحدهم رسالة بعنوان “الصواعق في تحريم الملاعق”!! فكيف ستتعامل مثل هذه الذهنية مع النتاج التكنولوجي الهائل؟!.   
فعلى سبيل المثال، ما إن يتم الاحتفال بأي من الاحتفالات المتعارف عليها، كعيد الأم على سبيل المثال، حتى يعيد الشيوخ دون كلل أو ملل القول بأنه ليس في الإسلام إلا عيدين هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وأن الأعياد والمناسبات القومية ينطبق عليها حديث النبي “من أحدث في أمرنا شيء فهو رد، أي باطل. ومن ثم، فليس بالإمكان الاعتراف بهذه المناسبات وما شابهها!!!.
فهل سيتم، والحالة هذه، رفض السياحة مثلا بسبب ارتكازها على الخمور والاكتفاء بالقول بأن “من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب” ؟!! وهل سيتم منع استيراد الأجهزة المحمولة وكاميرات الديجتال بدعوى تحريم التصوير؟!! أم ماذا ؟!. وفيما يخص الفنون والآداب، هل سيتم رفض الغناء والتمثيل وتحريم النحت باعتباره رجسا من الأوثان؟! وهل سيتم تأثيم عمليات التجميل على سبيل المثال لاعتبارها تبديلا في خلق الله؟!…إلخ. 
في الواقع، يمكن القول إن قبول الشريعة بمعطياتها القديمة سيفضي حتما إلى “بدونة” الإسلام، مما يؤدي إلى مزيد من الإقصاء والانعزال للفكر الإسلامي. ذلك أن قيم الحداثة التي باتت تحكم مسار البشرية وتناضل من أجلها ليس بامكانها الاستجابة لتشريعات لا تتناسب واحتياجاتها، خاصة وأن المعرفة البشرية أصبحت تتغير بمعدل كل سبعة عشر يوما بعد أن كانت وإلى وقت قريب تتغير كل تسعة أشهر!!!. 
ومن ناحية أخرى، أصبح الاحتكام إلى الشريعة في بيئة الإسلام ذاته محل خلاف حتى داخل الجماعات المنادية به. إذ لا يزال مفهوم الشريعة غامضا ومبهما يصعب تحديده فضلا عن تقنينه ليتوافق ومعطيات العصر. مما يعني أن التمسك بها وعلى صورتها التقليدية من شأنه إعادة طرح المعضلة التاريخية “الدين والسياسة” للأذهان مرة أخرى، والتي تسببت في تعطيل المشاريع النهضوية من قبل على مدار القرنين الماضيين.
ناهيك عن أن الفضاءات التي باتت تحكم سياقات العصر الراهن تعلو عن كل تنظير وتأطير وتبدو عصية الفهم فضلا عن التحكم بها. ففضلا عن السياق العلماني العام الذي يحكم الأنظمة السياسية العالمية في مجملها، بات الأفراد، حتى على الصعيد الشخصي، يحتكمون إلى الأعراف المدنية، ففي أوربا وأمريكا على سبيل المثال يوجد ما يسمى بـ “الزواج المدني”، والذي لا يستند إلى سلطة الكنيسة وإنما إلى القبول والتعاقد بين الطرفين.
ومن ثم، فإن من الاستحالة بمكان استحضار مقولات وأحكام تشريعية كانت وليدة ظروفها الخاصة، مع هذا الواقع المتجدد كل حين. ولنأخذ على سبيل المثال الحديث الشريف: تسعة أعشار الرزق في التجارة، [رواه ابن أبي الدنيا وذكره ابن حجر في المطالب العالية] فهل نفهم مثل هذا الحديث كحكم شرعي، ما دامت السنة تمثل إلى جانب القرآن أصلا من أصول الشريعة، أم نفهمه على أنه تقرير لواقع فعلي وانطباع عام متعلق بالزمان والمكان الذي صدر فيه، خاصة وأن الجزيرة العربية لم تشهد زراعة ولا صناعة وكان الاعتماد الأساسي فيها على التجارة؟! وحتى التجارة أيضا ألم تكن محصورة في سياق السعي على الرزق، ما يخالف التصور الحالي باعتبارها أداة للتنمية والهيمنة معا؟!.
ألا تؤكد الوقائع التاريخية أن الجانب التشريعي الإسلامي كان يؤدي في جانبه التطبيقي إلى نوع من العلاقات غير المتوازنة على مستوى توزيع السلطة؟ ألا يكفي للدلالة على هذا بحث علاقة الحاكم بالمحكومين والتي لا تفهم خارج إطار “الطاعة”؟! ألا يتم اختزال العلاقات الاجتماعية إلى نمط ثنائي من السيادة والتبعية من شأنه تهميش القوى الفاعلة في عملية الإنتاج، خاصة في مرحلة ما قبل تحرير العبيد؟!.
فكيف يمكن إذن أن تهيمن قواعد الأحكام الشرعية والتي لا تتجاوز 2% من الشريعة سياق هذا الفضاء بكل تداعياته وتفريعاته؟! وما الموقف الذي ستتخذه الشريعة من أنماط البيوع ذائعة الصيت حاليا والتي لم يكن لها وجود إبان مرحلة التشريع؟! وهل سيتم اختزال السياسة إلى ما كان سائدا في العصور الوسطى ومن ثم رفض المبادئ الليبرالية والديمقراطية والمواطنة وما إلى ذلك واستبدالها بالشورى وأهل الحل والعقد بدعوى أنها علمانية تنزع إلى إقصاء الدين وفصله عن الدولة؟!.
وعلى صعيد العلم والثقافة، هل سيتم رفض الثقافات الأخرى والرجوع إلى ثنائية دار الحرب ودار الإسلام، ومن ثم اعتبار كل من يخرج عن حدودنا العقدية والجغرافية محلا للحرب؟! وفيما يخص المناهج الغربية الحديثة، هل سيتم رفضها بدعوى أن الإسلام في حد ذاته هو المنهج الوحيد للتعامل مع كل القضايا الفكرية والعلمية فيما يقرر البوطي؟! وكيف سيتم التعامل مع قضايا علمية في الصميم من مثل الاستنساخ البشري والتلقيح الصناعي وقتل الرحمة والتبرع بالأعضاء وعمليات الإجهاض والختان واستخدام الأجنة في زراعة الأعضاء واستئجار الأرحام وزراعة عضو تم قطعه في حد أو قصاص وبنوك الألبان … إلخ.
هل نكتفي بالقول بأنه ليس لدينا أفضل ولا أكمل من الشريعة الإسلامية الغراء والتي لها في كل واقعة حكماً لترشيد وهداية الحركة العلمية واستثمار نتائجها لصالح البشرية!! أم سنفضي إلى تقرير أنه لا دليل في الشريعة على حصر مسار الإنسان في إنتاجه بسلوكه الطرق العلمية واستثمار سنن الله في كونه؟!.
واقع الأمر، أن الثورات المتلاحقة والطفرات الهائلة في مجال العلم لا يمكن اللحاق بها فضلا عن تقنينها وتعيينها، وليس من المعقول الأخذ بآراء الإمام مالك المتعلقة بالحمل المستكن والقول بجواز بقاء الجنين في بطن أمه أربع سنوات كاملة!!! في عصر الأشعة المقطعية والتلفزيونية.
ألم تكن تلك الفتاوى ترتهن إلى سياق حركة المجتمع العربي وحدود فضاءاته الحضارية؟!!. ألا يزيد التمسك بهذه المقولات من اتهامنا بالثبات وعدم التطور؟! أليس الأجدى- والحالة هذه- أن تكون الشريعة أحد مصادر التشريع إلى جانب الفقه الدستوري؟! أليس من الأفضل البحث عن الشرعية السياسية بدل الانشغال بالشريعة الإسلامية؟! وحتى داخل الإطار الأخير، لم نكلف أنفسنا عناء البحث، ولو مجرد البحث، عن حدود الخلق وحدود القانون في الشريعة، وما إذا كان هوى الحاكم الفردي المتسلط خير من القانون الأرضي المنبت عن هداية السماء أم لا؟ وهل تطبيق الشريعة قرار فوقي تؤم السلطة الدينَ بموجبه وتوظفه بدل أن تخدمه؟ أم هي مشروع مجتمع يحميه ويرعاه ومؤهل لتحمل تبعاته؟!.
إن من شأن هذه التساؤلات وغيرها أن تفضي إلى نتيجة مؤداها أن الشريعة الإسلامية، ووفق التصور السائد عنها، لا تقوى على اللحاق بالعصر فضلا عن التحكم فيه وهو ما تعجز الجماعات المنادية بتطبيقها عن قبوله أو حتى تفهمه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق