تسوية النّزاعات في المجتمعات التقليديّة

{{ترجمة لجزء من الفصل الثالث من كتاب الأنتروبولوجيا القانونيّة، لنوربار رولاند.}}

إنّ أهمية التحليل الإجرائي و كذلك الأدب الناطق بالإنجليزية في الانتروبولوجيا القانونية يفسّران لنا أنّ تسوية النزاعات1 ستكون في الوقت الرّاهن ميدان الاختصاص الذي أثار أكثر الأعمال. فالنّزاع يمكن أن يشهد درجات مختلفة من الإتّساع. و تتمثّل أولى التصنيفات في التمييز بين ما يحدث داخل مجتمعات مختلفة أي الحرب وبين ما يجعل المجموعات و الأفراد المنتمين إلى المجتمع ذاته في مواجهة أي النّزاع الدّاخلي ، مع تسليمنا بانّ الأول يمكن أن يقود إلى الثاني والثاني إلى الأوّل . سندرس هنا بشكل خاص النّزاع الدّاخلي. فإذا كان هذا الأخير حاضرا في كلّ المجتمعات ،فإنّ البعض يوليه قيمة أكثر من النزاعات الأخرى ويبدو أنّه من الممكن بناء نموذج من صّيغ تسويّة الصراعات تتطابق مع بعض أنماط البناء السوسيوـ الإقتصادي و السيّاسي . ورغم ذلك فإنّ هذه التطابقات لا تؤدّي بشكل مغاير إلى أحكام ذات توجهات تطوّريّة ،فالتمييز الكلاسيكي يضع المجتمعات التقليديّة التي يهيمن عليها الثأر في مقابل المجتمعات الحديثة الخاضعة لسلطة العقاب.

إنّ تعديد هذه المشاكل يقودنا إلى دراستها ضمن أقسام أربعة هي: الحرب ،اللّجوء إلى العنف في تسوّية النّزاعات ، صيغ حلّ هذه النّزاعات و تعايش النظامين الثأري و الجنائي.

{{القسم الأوّل: الحرب في المجتمعات التقليديّة}}

يمكن لنا مع بيار كلاستر أن نعيد تجميع بعض المواضيع المتعلّقة بالنظريات حول الحرب.
ـ أهم النّظريات حول الحرب: من الطبيعة إلى الثقافة.
صيغت عبارة التفسير الطّبيعى من طرف أ .لورواـ جورهان . فالعنف عند هذا الكاتب جزء من الطّبيعة البشرية و من الكيان البيولوجي للإنسان و هو يتجلّى أساسا في نشاط الصّيد قبل أن يتحوّل إلى حرب أي إلى عنف يمارسه أناس ضد آخرين.إلّا أنّ هذا التفسير ليس كافيا إلى حدّ ما. فالصيد هدفه سدّ الحاجة الغذائية ،وحين يقتضي اللّجوء إلى العنف ضدّ الطريدة فلا حاجة في ذلك إلى عدوانيّة الصياد ،ذلك أنّه يقتل من أجل الغذاء دون عدوانية ( ففي كثير من المجتمعات و خاصة الإنوي* يعبّر الصيادون عن حمدهم للطريدة الميّتة ويكبرونها حالما يظفرون بها) . و على العكس فإنّ الحرب تستوجب دائما العدوانيّة. وإذا كان الجشع المادّي حاضرا في غالب الأحيان فإنّه ليس دائما سببه المحدّد (الحروب الصليبية، وحروب الّديانات) .إنّ الحرب، إذن، لا يمكن أن تكون مجرّد لاحق من لواحق الصيد.

أمّا التفسير الإقتصادي فإنّه تشكّل في القرن التاسع عشر عندما تم محو أسطورة المتوحش الطّيب لصالح الصورة القبيحة “للبدائي”. فالاقتصاد البدائي كما وقع افتراضه يقوم على العجز التكنولوجي لتوفير قدر كبير من الثروة ; ذلك أنّ ندرة الثروات المادّية تدفع إلى نشوب الحرب بين هؤلاء الرّاغبين في امتلاكها . إلّا أنّ هذه المسلّمة تبدو لنا خاطئة ، فالبحوث المستجدّة في الأنتروبولوجيا الاقتصادية 2 تبيّن أنه في كثير من الحالات يكتفي الإقتصاد التقليدي اكتفاء تاما بما يحتاجه.فالحرب لا يمكن أن تبرّر بقلّة الثروات الماديّة.

أمّا التفسير التبادلي فهو من صنف التفسيرات البنيوية3. إذ يرى ك. ليفي ستروس أنّ احتماليّة الحرب متأصّلة لا في الطبيعة وحدها ولكن في الثقافة أيضا لأنّها نمط من العلاقات الإجتماعيّة بين النّاس . فالحرب تنشب عندما يفشل النّاس في التوصّل إلى تسويات سلمية حول العروض المتبادلة “…و المبادلات هي حروب وقع حسمها سلميا،أما الحروب فإنّها المدخل إلى المعاملات المؤذية 4″. إنّ الحرب قد تكون إذن حدثا عارضا و شكلا من الأشكال الحالة المرضية في العلاقات الاجتماعيّة .

يعيب بيار كلاستر على ليفي ستروس هذه الفكرة في تغليب العلاقات السلميّة على العلاقات الحربيّة فبالنسبة إليه تساهم الحرب بنفس القدر مثل العلاقات السلميّة في ضبط سير عمل المجتمعات ودونها قد يصبح من المستحيل تفسير شبه ـ كونية الحرب( أكانت هذه الأخيرة حالة مرضية و بالتّالي نادرة الحدوث نسبيا أو نمطا عاديا من أنماط العلاقات وهو ما يفسّر عموميتها). يذهب بيار كلاستر أيضا إلى أبعد من ذلك بقلب المثال الّذي وضعه ليفي ستروس :فالمجتمعات التقليديّة في عمقها مجتمعات محاربة و هو ما يميّزها عن المجتمعات المحكومة بواسطة الدّولة.

ــ نظريّة بيار كلاستر: المجتمع من أجل الحرب:
إنّ الحرب في المجتمعات التقليدية عند بيار كلاستر محكومة بغاية سياسية خاصة بها 5، فهي تضمن استقلاليتها مهما كان الثمن وخاصة عندما تقارن بالمجتمعات التي تجاورها و التي يعتبر و جودها في الأغلب تهديدا فعليّا أو مفترضا لها. و المجتمع التقليدي في جوهره غير قابل للانقسام و هو يمنع كلّ علاقات استغلال مجموعة من طرف مجموعة أخرى و كذلك هيمنة الأسياد على الرّعايا و هو قبل كلّ شيء كيان واحد وموحّد، و ينبغي له أن يظل كذلك مقارنة بالمجتمعات الأخرى التي يمكن أن تكون على صلة معها ، و لكيْ يحافظ على هويته فإن المجموعة الكبرى ينبغي أن تحافظ على اختلافها.وهو مبدأ يؤدّي إلى نتيجتيْن :فمن ناحيّة لا يمكن للعلاقات العصبية الداخلية أن تكون علاقات سلميّة فحسب مبنيّة على التبادل وهو ما قد يقودها في النهاية إلى اضمحلال هويّات المجموعات المندرجة في صلبها.و من ناحيّة أخرى فإنّ الصلات العصبية الدّاخلية لا يمكن لها أن تكون حربيّة فحسب و مبنيّة على العدوانيّة وهو ما قد يؤدّي مباشرة إلى ضياع الهويّة إذا اعتبرنا أنّ أيّ حرب تنتهي عادة بانتصار معسكر على آخر و تتأسّس عليه تلقائيا و بمقتضى الواقع علاقة إخضاع هي بالضبط مناقضة لجوهر المجتمعات التقليدية. فالنصر العسكري للمجموعة المتفوقة يقودها إلى التغيّر اجتماعيّا (التشوّه) بتقسيمها الى سادة و رعايا . و بعبارة اخرى فلا الحرب تكون شاملة ولا السلم أيضا . ولهذا السّبب فإنّ المجتمعات التقليدية تصنّف جيرانها عموما صنفين: الأعداء الذين تحاربهم ، و الأصدقاء الذين تُعقد معهم معاهدات تحالف تتضمّن تبادل المنافع و الزيجات .إنّه تحالف يحتّمه تفعيل الصّراع ضدّ الأعداء أكثر من الرّغبة في التقارب،لأنّ التقارب مع الآخرـ ولو كان صديقاـ يهدّد الإستقلاليّة.و هكذا فإن الحرب ستتغلب على التحالف إذ يتمّ التحالف أساسا لشنّ الحرب على مجموعة ثالتة. يرى بيار كلاستر” إنّ وضع الحرب الدائم و الحرب الفعليّة يظهران بشكل دوري و باعتبارهما الوسيلة الوحيدة التي يستعملها المجتمع البدائي لمنع أي تحوّل اجتماعي .إنّ المجتمع البدائي هو مجتمع موجّه نحو الحرب”6. و هذا النزوع إلى الحرب قد يكون إحدى السّمات التي تميز المجتمعات التي تحكمها الدّولة عن مجتمعات اللاّدولة( غير المحكومة بالدولة).إنّ ظهور الدولة هو علامة على انقسام المجتمع فإذا كانت الحرب هي المانع من الانقسام الاجتماعي فإنّ الدّولة و الحرب لا يكونان إلاّ عنصريْن متضادّيْن. ومن جهة أخرى تتمثل أولى مهام الدولة في منع نشوب الحروب الدّاخلية . و الحرب تمنع قيام الدولة لأنها تحافظ على الاختلاف كما أنّ الدولة تمنع الحرب لأنّ المواجهة العسكريّة بين مجموعات ترتبط بعلاقات استغلال وهيمنة تعيد لكلّ منها استقلاليتها و تذيب في آن المجتمع المنقسم و هو ما يتعارض مع الدّولة التي يجسّد الانقسام الاجتماعي إحدى تجلّياتها.

و مجمل القول إذا كانت الحرب تجسّد للمجتمع التقليدي ” الكائن من أجل الحرب” فإنها قد تصبح كذلك ميزة من مميزات الرجل لأن الأعمال الحربية ـ بالنسبة إلى بيار كلاسترـ هي في أساسها أعمال ذُكوريّة .إنّ الرجل هو “كائن من أجل الموت” في حين أنّ المرأة و من خلال الإنجاب هي واهبة الحياة فهي تضمن الولادة البيولوجية و الاجتماعية للمجتمع. و إذا كان الأمر هكذا ،فكيف نفسر إعلاء أغلب المجتمعات لشأن الرجل على حساب المرأة إلى منزلة المؤسّسة؟ لأنّها هي الإجابة الفعلية للرجال على وضع غير محتمل يردّونه إلى لاوعيهم و هي علوية النساء ـ بفضل التوالد ـ التي ينعمن بها على حسابهم .و تجسّد الأساطير باعتبارها إسقاطات اللّاوعي هذا الانقلاب في الوضع جيّدا “فالأساطير تسعى من خلال قلب النّظام الواقعي إلى صياغة مصير المجتمع كمصير ذكوريّ . و ما الطقوس و الممارسات التي يجسّم فيها الرجال دور المتفوّق سوى محاولات لطمس الحقيقة البديهية المتمثّلة في أنّ المصير هو في الأصل للأنثى.أهو الضعف أم دونية الرجال أمام النساء؟ إنه فعلا ما تعترف به الأساطير في كل مكان من العالم تقريبا عندما تتخيّل أنّ العصر الذهبي المفقود أو الجنة القادمة بصفتهما عالما خُنثيّا دون نساء7.

{{نوربار رولاند: الأنتروبولوجيا القانونيّة: ص291ــ295 .مركز النشر الجامعي بفرنسا.Puf.
Norbert Rouland: Anthropologie juridique. Puf.1988.}}

{{الهوامش:}}

1- لتعريف مفهوم النّزاع:Dictionnaire encyclopédique de théorie et de sociologie du droit،dir. J.Arnaud(paris LGDJ)،57
2- الكتاب الرئيسي ل:م.ساهلين:عصر الحجارة.اقتصاد المجتمعات البدائيّة.باريس .غاليمار.1976،ص 409.
3ـ كلود ليفي ستروس ،الحرب و التجارة عند هنود أمريكا اللاّتينيّة في كتاب انبعاث1.نو يورك
4 ـ ليفي ستروس :البنى الأوّليّة للقرابة ص 78
5ـ بيار كلاستر: بحوث في الأنتروبولوجيا السيّاسيّة.باريس . لوسوي.1980.ص188ـ207.
ـ 6 المرجع السّابق.
ـ 7 المرجع السّابق.
*الانوي: إحدى القبائل المكوّنة لسكّان الإسكيمو. Les Inuit

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق