تشابك النوازع الفردية مع مصير بلد / ممدوح عزام

لا يبدي خالد حسيني في «عداء الطائرة الورقية»، موقفا تجاه أي فريق، أو جهة أو تحالف من بين التحالفات أو الانشقاقات التي وسمت التاريخ الأفغاني المعاصر، لا بمعنى عدم الانحياز، أو الامتناع عن تسجيل موقف، بل بمعنى السعي الروائي الذي يحاول فيه الكاتب أن يصف الأحداث، ويراقبها، كأنما يملك عينا سينمائية للتصوير وحسب. غير أن الوصف المدقق المحسوب وفق ميزان روائي شديد الحساسية، يستطيع أن يقرر بطريقة حاسمة، ونهائية، موقف القارئ مما يحدث. عدا ذلك، فإن الرواية تنشغل بالمصير البشري أو بالوضع البشري، إذا ما استعرنا عنوان رواية أندريه مالرو الشهيرة، الذي يخلقه الصراع داخل النفس البشرية ذاتها، أو تحدده النوازع الفردية، التي لا يمكن ضبطها أحيانا، أو تسجيلها في أي خانة فكرية أو عقائدية، بعض هذه النوازع السرية التي تجلوها اعترافات الراوي، في «عداء الطائرة الورقية»، يكون حاسما في رسم مصائر شخصيات الرواية إلى الأبد. أو يمكن القول إن المصير الفردي يتحقق بأوضح صورة قوة، من خلال اشتباكه مع المصائر التي تخلقها النزاعات الاجتماعية. وهذان هما الخطان اللذان يعمل عليهما خالد حسيني في هذه الرواية: الأول هو خط الصراع النفسي الذي يحدد سلوك الراوي أمير من صديقه، أخيه غير الشرعي، حسان، ومن ابنه سوهراب، في ما بعد. والثاني هو خط الصراعات الوطنية القبلية والطائفية والعشائرية والشخصية التي فتتت أفغانستان في ما بعد.

يلعب حسيني اللعبة الروائية بنجاح، حين يتمكن من سحب القارئ إلى أكثر الصراعات في الوضع البشري بساطة، ولكننا سوف نكتشف في ما بعد، أن اختياره هذا، يخفي العمق والتعقيد اللذين اتسمت بهما الحرب الأفغانية، منذ نشوبها، ففي أحد البيوت الأفغانية العادية، ينشأ طفلان هما أمير (وهو الراوي هنا) وحسان. أما أمير، فهو ابن صاحب البيت التاجر المتوسط الغني، أما حسان فهو ابن الخادم علي الذي يعمل في المنزل منذ طفولته. تتسلل المعلومات قطرة وراء أخرى، نعلم أن والدة الراوي ماتت حين كان صغيرا، أما والدة حسان فقد رحلت مع فريق من البدو الرحل، أو الغجر المتجولين، ولهذا التفصيل الصغير كما سنرى أهمية بالغة في النص، تظهر في ما بعد. إذ إننا سوف نعلم أن التاجر الغني، والد الراوي، هو الذي عاشرها، وجعلها تحمل بحسان، ولم يعترف بأبوته له قط، على الرغم من أنه ظل يعامله كولده تماما، يعلمنا الراوي أيضا أن حسان ينتمي إلى طائفة أو قومية الهازار الشيعة، بينما ينتمي أمير إلى قومية البشتون السنة الذين يشكلون أكثرية مطلقة وحاكمة، مقابل أقلية الهازار المقهورة. سوف يشكل هذا التقسيم القومي والإثني والطبقي قاعدة لانقسام الصديقين الأخوين، أمير وحسان، مثلما سيكون في ما بعد أحد أشكال النزاعات الدموية في أفغانستان. يتمكن خالد حسيني بمهارة وعفوية مدروسة من خلط الدوافع، بين ما هو فردي أو ذاتي يعبر عن الشخصية، وبين ما جمعي يظهر في المرحلة التاريخية المعنية. وهي مهارة مكنته من إخفاء الكثير من الأسرار الحياتية، كي يكشفها بالتدريج، وبذا يحفز القارئ لمتابعة النص إلى نهايته. يتزامن خراب الصداقة الشخصية بين أمير وحسان، وقد كان لطرف ثالث هو الفتى آصف العنيف الذي يعتدي على حسان، ويغتصبه أمام عيني صديقه، دور في هذا التدمير. أقول: يتزامن خراب الصداقة مع اشتعال الحرب الأفغانية ضد السوفيات، والمعروف أن خروج السوفيات من أفغانستان قد ولد دائرة عنف أخرى، كان أبطالها هذه المرة، أمراء الحرب الذين خاضوا المعركة السابقة، لكنهم وجهوا البنادق إلى الداخل، من أجل جني الأرباح. ولأن للعنف وجها خطيرا هو قدرته على التنقل من موضوع إلى آخر، كما يقول رينيه غيرار، فإن النزاع المسلح يفقد هويته، ويتحول إلى نزوع افتراسي لا هدف له سوى سفك الدم. وسوف يترتب على ذلك خروج أسرة أمير من البلد، وهجرتها إلى أميركا، بينما كان حسان ووالده يعودان إلى ديار الهازار.

 

لا يذهب خالد حسيني إلى الرموز، وغالبا فإن شخصياته لا تملك صفات تمثيلية تجعلها نماذج أو أنماطا لأي جماعة دينية أو عرقية، فأمير ليس البشتون، وأبوه لا يمثل أي شريحة اجتماعية، وكذلك الجنرال وابنته ثريا.. إلخ. ويفضل حسيني أن يحكي الحكاية، على أن يفكر ويقرر في الشؤون التي تغري الكاتب على التدخل المباشر وإبداء الرأي. وهكذا تقع شخصياته في المصيدة الكبرى دون أن تملك القوة على منع أي شيء.

 

وقد يغري مثل هذا النسق البسيط القارئ بالبقاء عند مستوى الحكاية، والاكتفاء بما تقدمه من مشوقات سردية وسرية، غير أن الروائي يملك ساعة دقيقة لحساب الوقت، وقياس المسافات التي قطعها القارئ، قبل أن يرفع الإشارة الضرورية للحديث عن اشتباك المصائر الفردية التي تنشغل بها الرواية في مطلعها، بالمصائر الجماعية التي سيكون لها آثار حاسمة، في حياة كل فرد من هؤلاء الأفراد. وبفضل هذه الحساسية الروائية، يتمكن حسيني من تحقيق المعادلة المحكمة، بين النزعات التي تقود الأفراد إلى مصيرهم ( نزوع أمير الأناني، وجبنه، وسعيه إلى التكفير عن أخطائه، إلى حد الاستعداد للتضحية بالنفس) وبين النزعات الجمعية التي تتسم بانفلات العنف، وخلو الاقتتال من أي معنى.

على أننا يمكن أن نلاحظ لدى الروائي نوعا من الجبرية الفكرية، في ما يتعلق بإحدى شخصيات الرواية، وهي شخصية آصف. إذ بينما تتغير الشخصيات الأخرى، أو تتبدل، ومنها شخصية الراوي نفسه، بتأثير التحولات المجتمعية العاصفة، وهو أمر طبيعي، يعمد الراوي، بل الروائي هذه المرة، إلى وضع آصف على طريق إجبارية منذ بداية حياته. فالطفل الذي اتسم بالعدوانية والصلف والأنانية والتعصب الطائفي، إلى حد احتقار حسان واغتصابه، هو نفسه الرجل الذي أصبح أحد قادة طالبان الأشد تعصبا. وقد احتفظ لنفسه بالسمات الأخلاقية التي عرف بها في الطفولة، وزاد عليها أيام حكم طالبان، أنه صار ينتهك جسد الطفل سوهراب، بعد مقتل أبيه حسان. وهذه في الحقيقة صورة منمطة، وغير مقنعة فنيا. كما أنها تمالئ أو تداهن الجمهور الذي تتوجه إليه برسالتها، وهو الجمهور الغربي.

وقد تبدو الحلول التي يتوصل إليها الروائي ساذجة، خاصة حين يلتقي أمير وآصف في كابول بعد انتصار طالبان، وعودة أمير للبحث عن ابن حسان، واسترجاعه. تسيطر على الحل نزعة هووليودية عابثة، إذ يختار آصف أن يخوض قتالا جسديا مع أمير، داخل عقره بالذات، للمقامرة بحياته وحياة سوهراب، بينما كان الراوي قد شهد قبل يوم واحد رجم رجل وامرأة في ملعب كرة القدم، على يد آصف منفذ الحكم، كما قدم لنا مشاهداته عن استباحة أنصار الحركة للقوانين، وتحكّمهم في حياة الناس، دون أي رادع، أو محاكمة. والأدهى أن أمير يتمكن من التغلب على آصف، ولكن بمساعدة سوهراب الذي يصوب إلى عين آصف ضربة صائبة بمقلاعه، ثم يستطيعان الهرب من أفغانستان بطريقة شبه سحرية. وبعكس ذلك، ينهمك الراوي في تدبير خطة أقل خطرا، وتعقيدا، لترحيل سوهراب إلى الولايات المتحدة الأميركية، فيكتب عشرات الصفحات من التفاصيل الجزئية التي لا تهم مجريات الأحداث كثيرا.

على الرغم من هذه المعالجات المتسرعة، فإن الرواية تترك أثرا قويا جدا في النفس، يزيدها حضورا أن الروائي حاذر أن يدخل نصه في أي مماحكة مباشرة، واكتفى بقوة المصير البشري الذي يتعرض للإذلال. شيء جيد أن تنشر الرواية بالعربية، ولكن الترجمة هنا تعاني أخطاء فادحة في النحو، مثلما تعاني نقصا غير مبرر في ثقافة المترجم الذي أظهر فرادة في عدم معرفة أي شيء عن أفغانستان.

 

عن ملحق المنتدى الثقافي – جريدة الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق