تصدير العاملات الجنسيات المغربيات إلى دول الخليج

القانون الجنائي المغربي واضح: يعاقَب بالسجن كل من تعاطى البغاء أو حرض عليه أو شجعه أو سهله (الفصول من 497 إلى 504). ويسري العقاب أيضا على الفنادق والنوادي وكل الأماكن (العمومية والخاصة) التي تؤوي الأنشطة البغائية. ويتابع الزبون بالفساد إن كان أعزب وبالخيانة الزوجية إن كان متزوجا. ورغم صرامة هذه الفصول ووضوحها، ورغم إلقاء القبض على 12000 عاملة جنسية في مدينة الدار البيضاء لوحدها، فإن العمل الجنسي تطور بشكل كبير داخل التراب الوطني إلى درجة أن البعض يتحدث عن وجود ما يناهز 200000 عاملة جنسية.

من الأدلة على ذلك ما جاء على لسان “مجلة الشرطة”: “إن عدد البغايا في تصاعد مستمر. وهي ظاهرة تمس اليوم كل الفئات الاجتماعية ولم تبق مرتبطة بالفقر”. إن هذا التطور الكمي جعل من العمل الجنسي شيئا مرئيا، نهارا وليلا، في بعض الأزقة والمقاهي، مما أدى إلى تسوية الظاهرة وتطبيعها كما يكتب الصحفي هاشم الإدريسي: “إن تطبيع البغاء لم يعد يسمح بإدراك هذه الآفة كانحراف خطير للجسد الاجتماعي… فكون اقتصاد مدينة الحاجب يقوم على القوادة فقط لم يعد يشوش على أحد… هناك في المغرب مدن بأكملها تتسامح مع البغاء وتنظمه عبر شبكات وزبائن ومزودين، إنها مسالك شبه مؤسساتية”.

تبين الأبحاث القليلة في الموضوع أن العاملة الجنسية نادرا ما تكون مستقلة وتعمل لحسابها. في الكثير من الحالات، تعمل الفتاة لصالح “قوادة” أو عشيق قواد أو رب عمل يستغلها لجلب الزبائن إلى مقاولته. أحيانا، تعمل العاملة الجنسية لصالح زوجها. لكن العاملة الجنسية تعمل أكثر فأكثر داخل شبكات منظمة لا يقتصر نشاطها على التراب الوطني بل تخترقه لتصبح حلقة في شبكات دولية. من الأدلة على ذلك، محاكمة شبكات بغائية مغربية في فرنسا سنة 1998. لكن قبل ذلك بسنوات، توطدت في باريس صورة نمطية مفادها أن “الزبون عربي خليجي، القواد لبناني، البغي مغربية”. كل ذلك أدى سنة 2003 إلى وضع المغرب ضمن لائحة الدول التي تتاجر في النساء من لغاية الاستغلال الجنسي، أي في عبدات يُشترين ويبعن في سوق دولية، ويُهجَّرن من دولة إلى دولة وتمارس عليهن كل أشكال الاستغلال والعنف.

{{خارج الوطن}}

من خلال أبحاثنا الميدانية والوثائقية، تبين لنا أن هناك عددا مهما من العاملات الجنسيات المغربيات في إسبانيا، خصوصا في المدن السياحية مثل “مربيا”. في هذا الإطار، أوردت صحيفة “الأحداث المغربية” رسالة فتاة مغربية تروي كيف استطاعت أن تهاجر بسهولة إلى إسبانيا بصفة “مضيفة حانة”. تقول تلك الفتاة: “أنا مجازة في الآداب الإنكليزية… وقد فعلت كل ما في وسعي للحصول على عمل في بلادي… دون جدوى… وفي نهاية الأمر، اقترح علي صديق في إسبانيا عقد عمل كمضيفة حانة… وقد حصلت على تأشيرة الدخول إلى إسبانيا بكامل السهولة. قال لي موظف في السفارة الإسبانية بصوت خافت: إن السوق في إسبانيا محتاجة إلى هذا النوع من السلعة”. وقد أعيد نشر هذه الرسالة في صحيفة البايس الإسبانية.

وهناك الكثير من المؤشرات والقرائن التي تثبت أن العديد من الفتيات المغربيات يهاجرن من أجل العمل الجنسي في دول أوروبية أخرى، بل وفي الهند أيضا حيث ثم إلقاء القبض على البعض منهن هناك في إطار مكافحة المتاجرة بالبشر.

ويبدو أن “لعمرة” نفسها تستغل من طرف البعض لإرسال فتيات إلى السعودية لذلك الغرض. وقد أشارت صحيفتا “العلم” المغربية و”القدس العربي” اللندنية إلى هذه الظاهرة، بحيث أن الفتاة يُستولَى عليها بمجرد وصولها من طرف شبكات منظمة وتُجبر على العمل الجنسي في ظروف غير إنسانية، وذلك في جدة، بل وفي الرياض، في مناطق لا تصلها شرطة الآداب (المطوِّعين). وحسب محامية مسؤولة في “اتحاد العمل النسائي” قمنا شخصيا باستجوابها، هناك حيلة أخرى لإيصال “البضاعة” إلى السعودية. مفاد تلك الحيلة تحرير عقدة عمل لرجل وامرأة مغربيين يطلب منهما التزوج في المغرب. ويستقر “الزوجان” في منزل في السعودية يعده لهما الكفيل، ثم يبدأ الكفيل في زيارة الزوجين من أجل الاستمتاع بالزوجة. وطبعا، يتم الاتفاق مسبقا على هذه اللعبة في المغرب، بحيث أن كل طرف في العقد يعرف الدور الموكول إليه.

{{حالة موثقة}}

في سنة 2005، تم تفكيك شبكة متاجرة بالنساء من طرف الشرطة المغربية اعتمادا على تقرير لسفارة المغرب في دولة البحرين. وقد أطلعني على هذه النازلة الصحفي م. ب. يوم 17 فبراير 2005 طالبا مني أن أحلل الظاهرة لـ”مجلة الشرطة” المغربية. يفيد التقرير بتصدير فتيات مغربيات إلى دول الخليج قصد عرض خدماتهن الجنسية على زبناء المؤسسات الفندقية التي شغَّلتهن في إطار عقود عمل. تنص تلك العقود على تشغيل أولئك الفتيات في التنشيط الثقافي والفني، وهو الغطاء الذي يستعمل عادة لحجب نشاطهن الحقيقي. ويتم انتقاء تلك الفتيات بدقة، عادة من أوساط اجتماعية فقيرة.

ما الذي جعل السفارة المغربية في الدولة المعنية تحرر ذلك التقرير وتبعثه إلى الشرطة في المغرب؟ يبدو أن بعض شركات الأسفار والطيران والفنادق اشتكت من هذه الظاهرة إلى السفارة المغربية. وهنا يجدر بنا أن نتساءل عن الدوافع التي جعلت أولئك الفاعلين يرفعون شكايتهم إلي مصالح السفارة. هل هي الغيرة الوطنية على صورة المغرب وسمعته؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تعبيرا عن حسد وغيرة من مؤسسات حققت أرباحا بفضل ذلك النشاط؟ وارد فعلا أن المؤسسات المشتكية لا تستفيد من النشاط البغائي بشكل مرض وكاف، مما دفعها إلى الوشاية.

والواقع أن ما جعل السفارة تضطر أكثر إلى التحرك، كون الشكاية لم تصدر فقط عن مؤسسات، بل أيضا وبالخصوص عن عمال وأسر مغربية مقيمة في دولة البحرين. لم يعد بمقدور هؤلاء تحمل الازدراء الذي يعانون منه من جراء نشاط العاملات الجنسيات المغربيات. أبعد من ذلك، أصبح المغاربة المقيمون في تلك الدولة يعانون من الصورة النمطية التي تشكلت والتي تجعل من كل امرأة مغربية “عاهرة” بالقوة، أو على الأقل امرأة سهلة في متناول كل الرجال. طبعا، تقوم هذه الصورة النمطية على تصدر المغربيات قائمة النساء النشيطات في حقل العمل الجنسي في البلد المعني، وفي كل أقطار الخليج عامة. وبديهي أن تعاني المرأة المغربية المحترمة من هذه الصورة، كما تعاني منها كل الأسر المقيمة هناك.

هل كانت الفتيات المعنيات في هذه القضية على علم مسبق بالنشاط الحقيقي الذي كان ينتظرهن؟ كشف بحث الشرطة أنهن توجهن إلى وكالة في الدار البيضاء من أجل تشغيلهن كراقصات في مؤسسات فندقية بالقطر الخليجي المعني بالأمر هنا. وواضح أن هذا النشاط ليس ممنوعا قانونيا. لذا فإن الوكالة حررت باللغة العربية عقود عمل تشير اسميا إلى الفنادق المشغلة. ووقَّعت الفتيات على وثيقة مفادها أنهن مدينات بقدر من المال لصالح الوكالة، إضافة إلى دفعة أولى قدرها 6000 درهم (ما يناهز 600 دولار أميركي).

من شروط قبول الطلب، جمال الفتاة والنجاح في اختبار رقص. وفي حالة ما إذا كانت الفتاة لا تجيد الرقص، فإنها تعطَى دروسا مكثفة فيه، وذلك في مكاتب الوكالة أو في المركب الثقافي، بحضور زوجة مدير الوكالة. ويحضر أيضا مصور لتسجيل رقص المرشحة، وتبعث تلك التسجيلات إلى الفندق المشغل ليبث في قبول الطلب. وتشكل تلك التسجيلات شبه سيرة ذاتية للمرشحة تؤشر على قدراتها ومؤهلاتها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التسجيلات بضاعة مربحة في ذاتها، تُسلَّع في إطار تجارة فنية دون أن تستفيد الفتاة من مداخيلها. فليس للفتاة أي حق على الأشرطة المسجلة بل وتجهل مصيرها النهائي.

بعض الفتيات المهجرات في هذه القضية وضعن أيضا شكاية لدى سفارة المغرب في ب… وهنا يمكن تفسير هذا السلوك في اتجاهين.

مفاد الاتجاه الأول أن الفتيات لم يكنّ على علم بأنهن ضحايا شبكة عربية تعمل على تسليعهن الجنسي في مواخير داخل فنادق راقية. في إطار هذه الفرضية، وارد أنه تم ترويضهن ضد إرادتهن وأنهن تعرضن للعنف والاغتصاب. مجمل القول هنا أن العمل الجنسي ليس اختيارا، بل عمل قسري ناتج عن متاجرة بهن وبأجسادهن. فهن محجوزات في غرف الفندق وخاضعات لمراقبة مستمرة ومشددة.

أما الفرضية الثانية، فتنطلق من تواطؤ الفتيات، منذ البداية. معنى ذلك أن الفتيات عاملات جنسيات في المغرب واخترن عن علم الهجرة إلى البحرين… من أجل ربح أكبر في نفس الحرفة. لكن عند معاينة ظروف العمل القاسية، عجزن عن تحمل ذلك فأفشين “سرهن” ووضعن شكاية بمشغلهم لوضع حد لمعاناتهن. فعلا، كانت الفتيات ملزمات بالعمل الجنسي من السابعة مساء إلى الثالثة صباحا مع زبناء الفندق، يوميا. في إطار هذه الفرضية، يمكن القول أن المتاجرة (في الفتاة) تأتي بعد ممارسة العمل الجنسي، عكس ما تتضمنه الفرضية الأولى التي تجعل من العمل الجنسي امتدادا قسريا “لبيع” الفتاة إلى المشغل. رغم الفرق بين الفرضيتين على هذا المستوى، تذهب الباحثة ترانكار (Trinquart ) إلى القول بأن “المتاجرة في البشر من أجل الاستغلال الجنسي ما هي إلا ظاهرة تابعة للبغاء. إن الظاهرة الرئيسية هي البغاء، أي ضرورة ممارسة فعل جنسي غير مرغوب فيه مقابل المال”.

مهما يكن الأمر، عن طريق الشبكات والوسطاء، “كل شيء يشترى ويباع”، حسب تعبير كورون (Gauron). فسواء كانت الفتيات ضحايا أو متواطئات، يعمل الوسطاء بوحشية على سلعنة الأجساد في إطار العولمة الليبرالية الجديدة. ومن شروط تسليع الفتاة في سوق العمل الجنسي الدولية، اختيار فتيات فقيرات من “الجنوب”. إن الانحدار من الشرائح الاجتماعية الفقيرة يشكل إما شرطا ضروريا للمتاجرة بالفتاة، أي لتحويلها قسرا إلى عاملة جنسية، وإما محددا رئيسيا في تطور الفتاة نحو اختيار العمل الجنسي “بحُرِّية”.

لكن التساؤل حول حرية العمل الجنسي كاختيار حر تساؤل مشروع نظرا لما كتبه زيمل (Simmel): “هل يعقل أن نرى في البحث عن زبون كل ليلة متعة، هل يعقل أن تستلذ الفتاة حين تقوم بدور الفريسة والوعاء الذي يقذف فيه أي رجل مقزز؟ هل يعقل أن نرى في هذه الحياة اختيارا حرا”؟ إن الفقر، المرتبط أكثر بالمرأة لأسباب اجتماعية تاريخية، يعبر عن نفسه من خلال ضعف التمدرس والتمهين، هو العامل المُسهِّل للمتاجرة بالجسد في شبكية العمل الجنسي. فالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية تجعل كل شيء ممكنا وقابلا للتصور، إنها منطلق الهشاشة الأخلاقية التي ترخِّص من قيمة الذات والتي تقود إلى تبخيس الجسد. ذلك أنه كلما انخفض المستوى الاجتماعي للفتاة ولأسرتها، كان للمال تأثير أكبر وجاذبية قصوى. وكلما بحثت الفتاة (الفقيرة) عن المال، كانت مستعدة لفعل أي شيء، وللذهاب إلى أي مكان، مع أي كان. هذا ما يسمح للشبكية البغائية أن تحول الفتاة الفقيرة إلى سلعة قابلة للتصدير في السوق الجنسية المعولمة.

في الدولة الخليجية التي نتحدث عنها هنا، تتقاضى العاملة الجنسية أجرا يناهز 1000 دولار. أما في الإمارات، فيمكن لأجرها أن يبلغ 3000 دولار في الشهر الواحد. وتحصل العاملة على 70 دولارا كأجر صاف إذا قضت الليلة مع الزبون. وعند عودتهن إلى المغرب، تستطيع العاملات الجنسيات المغربيات في الخليج شراء سيارات وشقق فاخرة وحلي وجواهر. ومن أجل إسكات صوت الأسرة، ذلك الصوت “الأخلاقي”، تشتري العاملة الجنسية شققا في الأحياء الاجتماعية الجديدة، وهو الشيء الذي يسمح أيضا للأسرة أن تغادر حيها الشعبي الأصلي، هاربة من وصمة العار (ومن الغيرة).

صحيح أن الفقر من العوامل الرئيسية التي تستغله شبكات العمل الجنسي، لكن لا يعني ذلك أبدا أن هناك ترابطا حتميا بين الفقر والعمل الجنسي. فإذا كانت أغلب العاملات الجنسيات ينحدرن من أوساط فقيرة، فإن الفقيرات لا يقعن كلهن في مخالب العمل الجنسي. معنى ذلك أن هناك عوامل أخرى تلعب دروا أساسيا في انتشار العمل الجنسي. ما هي تلك العوامل؟ ما هي الفرضيات الأساسية في هذا الصدد؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق