تعقيباً على حسام جزماتي: الاستئصالية عندما ترتدي قفازات الواقعية

يبدو أن السيد جزماتي أخذ على عاتقه مهمة مطاردة “العلمانيين” السوريين، بوصفها جهاداً فكرياً مقدّساً، ولأن هذا التعقيب لن يجاري ما كتبه السيد جزماتي لجهة التهكم والتصغير، اللذين وصلا إلى حدّ تحقير الآخر أحياناً، فإنني أوضّح أن هذا التعقيب معني بالأداء “الفكري” للسيد جزماتي كما تجلّى عبر عدة مقالات، وأشير إلى مقالته في “الأوان” ومقالتيه حول الموضوع ذاته في جريدة الحياة بتاريخ 31/5/2007، وبتاريخ 26/6/2007، حيث كرّس جهده للتهجم على العلمانيين السوريين بنبرة فكرية واحدة، وباستخدام المفاهيم والصياغات ذاتها أيضاً.

في بداية مقالته في “الأوان” يتهم جزماتي العلمانيين السوريين كالتالي: “يريد السواح أن ينفي عن علمانيين استئصاليين في الثقافة السورية، التهم التي طالما وجهت إليهم، من نقص فادح في معرفة مجتمعهم، وملامسة تضاريس هذا المجتمع بالقفازات”. لا أدري مَنْ يتهم العلمانيين السوريين بهذه التهم، ولكن لكي يتضح ما سبق على وجه أفضل أقتبس من مقالته في الحياة بتاريخ 26/6/2007 التالي: “من المؤسف أن يحتفظ قسم واسع من النخبة الثقافية السورية بهذا القدر من العفاف في ملامسة الواقع، ثم يتكلم عنه بما يشاء، إن هذا النمط من العلمانيين السوريين لا يفرق بين المسلم المحافظ والمتدين والإسلامي”.

يؤدي بنا الجمع بين المقتبسين إلى الخلاصة التي يراها جزماتي وهي أن النخبة الثقافية السورية، لا بعضها، هي نخبة جاهلة بمجتمعها، وهذا الجهل ناجم عن قصدية واعية، أي أن النخبة لا تعرف لأنها لا تريد أن تعرف، ما دامت تلبس قفازات “حريرية على الأغلب مع أنه لم يُشرْ إلى نوعها. لن نقول هنا WAW على طريقته، لكن التسرع في إطلاق الأحكام يجعله يتناسى ما هو معروف وبديهي، فالنخبة المشار إليها لا ترجع إلى شعب آخر مستعمِر، ولم تهبط على متن صحن طائر من مكان آخر. أفراد هذه النخبة ينتمون، كغيرهم من السوريين، إلى أسر فيها المشايخ والتقليديين وغيرهم من التلوينات التي يعتقد أنه اكتشفها، باختصار ربما يجب التوضّيح للبعض أن العلمانية ليست عِرقاً، وعلمانيو هذه المنطقة هم أبناؤها على قدم المساواة مع الآخرين، وهم أيضاً ورثة تراثها، بما فيه التراث الإسلامي، ولكن ليس على الطريقة المغلقة التي يريدها السيد جزماتي.

في سياق متصل، من المستغرب أن توصم النخبة الثقافية السورية بأنها استئصالية، مع ما يثيره هذا من مقارنات بصورة المثال التركي مثلاً، فالعارفون بالشأن الثقافي السوري يدركون “التعتير” الذي تعيشه هذه “النخبة”!. والواقع أنه لا وجود لسلطة في سوريا سوى السلطة السياسية بمعناها القهري المجرّد، أما المثقفون السوريون فهم هامشيون، ولا تأثير لهم بالمعنى الاجتماعي أو السياسي، ولا حتى بالمعنى الثقافي في مجتمع تغلب عليه الأمية الفعلية أو الأمية الثقافية، ولأن هؤلاء ينتمون غالباً إلى الشرائح المتوسطة أو الفقيرة فهم لا يملكون حتى ثمن القفازات. إن همّ المثقف السوري يكاد يتوقف عند حدّ المطالبة بالاعتراف بوجوده، ولو على سبيل التنوع المجتمعي، أما القوى الفاعلة في المجتمع فتتقاسمها السلطة، بالإكراه أو بالتراضي، مع المجتمع “الأهلي”، وأحيل هنا إلى مقالتيْ ياسين الحاج صالح في “الأوان” (حوار شخصي وصريح مع إسلامي سوري، 1 و2) في الرد على الإسلامي السوري الطاهر ابراهيم، ليتضح للقارىء مَن في سوريا يملك الاستعداد للقيام بدور استئصالي، ومَن يطمح فقط إلى حدّ من الحرية يسمح له بالعيش كما يريد. ويتضح من المقالتين المذكورتين كيف أن الإسلاميين غير قادرين على تقبّل العلمانيين ذوي المرونة الفكرية، وأعتقد أن الأستاذ ياسين قد فنّد جيداً الإيهام بوجود قطيعة ابستمولوجية بين الأطياف الإسلامية المختلفة.

لعل أغرب ما أتى به السيد جزماتي هو إنكاره على وائل السواح أن يورد الشيخ عبد العزيز الخطيب نموذجاً، مع أن جزماتي نفسه يعدّ الشيخ المذكور “واحداً من الممثلين الشرعيين لمجتمع أهلي”، ونتجاوز هذا الاعتراض الشكلي إلى ما يصف به جزماتي الشيخ حيث يقول: “إنه نموذج الشيخ بالمعنى التقليدي للكلمة. وبهذا المعنى لم يكن هذا الشيخ يلقّن مستمعيه الموقف الذي يجب عليهم أن يأخذوه من تعديل القانون، بل كان “يثبتهم” على ما يعرفونه، ويؤكد وظيفته في “حراسة” قيم الجماعة ومألوفاتها. فلو خرج عن العقد المضمر في هذا التمثيل لانفضوا. وهو ما حدث مع كثير من المفكرين الإسلاميين المستنيرين “المرموقين” الذين يشيد بهم السواح في مقالته. إذ إن هؤلاء لم يعودوا مرموقين إلا كعناصر تزيينية في صالونات علمانية، بينما يتناهى عدد مريديهم من المجتمع الذي يفترض أن يمثلوه إلى الصفر”.

نعم، إن الاقتباس السابق ليس من قبيل التهكم ولا الهزل الفكري، وعلينا أن نقبل بأن “المجتمع الأهلي” له رواسخه التي لا يحيد عنها أبداً، أما وظيفة المشايخ فلا تعدو كونها تأكيداً ببغائياً على هذه الرواسخ، أي أن مريدي الشيخ الخطيب يذهبون إلى صلاة الجمعة ليسمعوا ما حفظوه عن ظهر قلب، وليتأكدوا من ولاء الشيخ للجماعة، ثم يعودون إلى أشغالهم راضين، ويا للنعيم الإسلامي!. أما إذا سولت للشيخ نفسه أن يبتدع جديداً، ولو من ضمن الفكر الإسلامي، فإنه سيتحول إلى زينة في صالون علماني. أنفهم من ذلك تبشيراً من نوع خاص؟ كأن نقرّ بأن “المجتمع الأهلي” عندنا له خصائص بنيوية أزلية، وهو غير قابل للزحزحة؟ وبالتالي فإن العلمانيين هم مجرد تناذر مرضي لهذه الطوبى، وينبغي استئصالهم؟ أو لماذا لا نقترح بناء على ذلك إلغاء وظيفة خطيب الجمعة في الإسلام، ما دام هذا الخطيب يقول للناس ما يعرفونه؟ ثم ألا يؤدي ما سبق إلى تجريد الشيخ الخطيب من “تمثيله الشرعي للمجتمع الأهلي”، واختزاله إلى مرتزق يخشى ضياع وظيفته؟ وبماذا يختلف هذا الشيخ حينها عن الشيوخ المرتزقين من السلطة؟ يبدو أن السيد جزماتي يعرف مجتمعه “الأهلي” جيداً، وإلى درجة تجعله قادراً على تصويره بشكل كاريكاتوري لم يصل إليه أي علماني أو علماني استئصالي.

تحت عنوان ساخر هو “عرس العلمانية في سورية”، جريدة الحياة بتاريخ 31/5/2007، سبق للسيد جزماتي أن شنّ هجوماً عنيفاً على العلمانيين السوريين، بمناسبة انعقاد ندوة أقامها المعهد الدانمركي في دمشق عن العلمانية في المشرق. ولم يفته حينها أن ينوّه بأن الحاضرين أشعروه بأنهم ينتمون إلى إحدى روايات نايبول، وقد كان مفاجئاً بعض الشيء هذا الربط “الساخر”، فالجميع يعرف ماذا تعني الإشارة إلى نايبول ربطاً بالدانمرك، وبرأيي فإن السخرية لا تلغي الأثر التحريضي عندما تلعب الكتابة على وتر الغرائز، ولو جارينا جزماتي في اتهاماته للآخرين بالاستئصالية لجاز لنا أن نتهمه بالتحريض على قتل العلمانيين، ما داموا ينتمون إلى جهات معادية للإسلام وللنبي محمد، وربما كان أقل ما نتهمه به حينها هو نزوعه التكفيري.

لكن، وانطلاقاً من رأي ومتابعة شخصيين، أفضّل أن أضع اتهاماته في سياقها، فللسيد جزماتي مؤلف يتيم هو كتيب بعنوان “الحلف غير المقدس”، وقد جهد في مؤلفه القديم هذا على إثبات أن الشيوعية هي مؤامرة يهودية، مورداً في ذلك إحصائيات عن عدد اليهود في الحزب الشيوعي الروسي، واصفاً اليهود بخصائص بنيوية تجعلهم مكروهين، بما يبرر العداء للسامية في أوروبا، ومتكئاً على العداء الشعبوي العربي لليهود عامة، لا للصهيونية. وبالطبع كنا لنردّ ذلك الكتيب إلى أجواء الحرب الباردة، لولا أن جزماتي نفسه يضيف مأخذاً آخر على العلمانيين السوريين نابعاً من ذلك السياق، إذ يوضّح في مقالته “كلام عن العلمانية السورية”، جريدة الحياة 26/6/2007، مقاصده كالتالي: “والذي أقصده هنا هم العلمانيون الإيديولوجيون، الذين يشكلون قطاعاً واسعاً من المثقفين السوريين، المتحدرين من خلفيات ماركسية على الأغلب”. أي أن الأصول الماركسية أضحت شتيمة أخرى بحق العلمانيين السوريين، والحقّ أن مقالات جزماتي لم توفر شتيمة إلا وألصقتها بهم، فهم كما رأينا حتى الآن جاهلون عن سابق إصرار، واستئصاليون، وذوو أصول ماركسية – يا للعار!، وفي مقالته “عن العلمانية السورية”: انحسر دورهم الثقافي إلى مجرد التحذير من تنامي المدّ الأصولي الذي يراقبونه أساساً عبر القنوات الفضائية، وأيضاً هم نرجسيون غير قادرين على التواصل، ومصابون بوسواس قهري.

كما أن هذه العلمانية، بتعبير جزماتي دائماً، قائمة على رضّ نفسي عميق تجاه الإسلام السياسي بالدرجة الأولى، وتجاه كل المظاهر الإسلامية، وإن لم تكن ذات صلة بالسياسة. يبقى أن يصل كاتبنا إلى اتهام العلمانيين برشق النساء السافرات بالأسيد، وهي حوادث متفرقة إلى الآن، لكنها حدثت في أكثر من مدينة سورية، وآخرها ما أشارت إليها في دمشق قبل شهر من الآن الكاتبة روزا ياسين في مقالتها “تأنيث الموت” المنشورة في ملحق السفير الثقافي. إن السياق الفكري لكتابات السيد جزماتي يغري بتهنئته بانحسار الماركسية في العالم، وستكون مفهومة بعد ذلك مطاردته للفلول الفكرية لذوي الأصول الماركسية، وخاصة ما تبقى لهم من علمانية تهدد أجواء الحياة العامة في سوريا برأيه إذ يكتب: “الشارع السوري ليس إسلامياً، ولا هو مرشّح لأن يكون كذلك وفق المعطيات المتاحة في الوقت الحالي. ولكن مظاهر التدين أو المحافظة التي تلاحظ هي تعبير عن ارتياح قطاعات واسعة من المتدينين إلى أجواء الحياة العامة في سورية الآن”.

أما ما لا يشير إليه فهو أن السلطة التي تتسامح مع مظاهر التدين الآن هي نفسها التي استأصلت الإسلاميين في ثمانينيات القرن الماضي، وفي ذلك الوقت كان أغلب العلمانيين السوريين أسرى المعتقلات، ولم يشاركوا في المواجهات الدموية التي حصدت آلاف القتلى، وأكتفي بإبداء الاستغراب حيال المديح المبطن للسلطة السورية “المتسامحة” مقارنة بالهجوم الشرس على أفراد قلائل من العلمانيين لا حول ولا قوة لهم. وحتى مع افتراض وجود علمانيين قلائل، بالمعنى الديني للكلمة، فهذا لا يجعل منهم ممثلين لقضية العلمانية كما دأب على الإيحاء بذلك، إلا إذا كان بيت القصيد هو الهجوم على فكرة العلمانية ذاتها، وتصويرها على أنها دين، أو ربما طائفة أخرى، ولا أريد أن أسأل السيد جزماتي عما يقترحه بشأن خصومه العلمانيين أو النساء، أو حتى أبناء المذاهب الإسلامية المغايرة له، لأنني أرى أن كتاباته تشي بالجواب.
لقد أفرد موقع “الأوان” مساحة واسعة للجدل حول العلمانية، ومن المأمول أن هذا الجدل قد توصل إلى تفنيد المعركة المصطنعة بين العلمانية والدين، وإعادتها إلى ساحتها الأصل أي الاختلاف حول مبدأ الحرية. وأحيل هنا على وجه خاص إلى مقالة رجاء بن سلامة “عن العلمانية باعتبارها مبدأ توحيد ومساواة بين المختلفين” وأقتبس منها أخيراً: “العلمانية ليست ديناً، وليست رأياً، بل هي الاتفاق المبدئي على إمكان تعدد الآراء، وجواز تعددها، وجواز اختلافها اختلافاً يمكن أن يبقى اختلافاً لا رجعة فيه، فلا حاجة إلى التوفيق بين المختلفين ما دام المشترك الذي يجمعهم رغم اختلافهم وقبل اختلافهم أساسياً، أي سياسياً. والغفلة عن هذا البعد اللامذهبي للعلمانية تؤدي إلى تحويلها إلى ديانة جديدة مناهضة للديانات، وهو التصور الذي يريد الإسلاميون و”التراثيون” اختزال العلمانية فيه”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق